أدب وفنون

نوافذ غير متماثلة على تفاصيل شعرية في حياة السوريين

ترصد المجموعة القصصية (نوافذ) الصادرة عن دار المتوسط، للقاص والمترجم عدي الزعبي مقتطفات من حياة المجتمع السوري تتنوع زمنيًا، مكانيًا، وموضوعاتيًا. تمتد من حال المرأة، إلى الانقسامات المجتمعية في الحرب، إلى حياة الهجرة، وكذلك المفارقات الثقافية بين المجتمع السوري والمجتمع الأوروبي. لكن المؤلف لا يتطرق إلى الأحداث السياسية الكبرى كظواهر تتناولها القصص، بل يسعى لأن يرصد التفاصيل اليومية والشعرية والفردية في حكايات متنوعة لاحتمالات الحياة السورية. يقول عدي الزعبي، عن هذا الجانب من كتابته: “القصص معظمها تُعنى بناس الواقع، في حيواتهم اليومية البسيطة المباشرة، ولكن العميقة الداخلية. هذا ما أعتقد أنه الجانب الأهم في المأساة السورية، والأقل ظهورًا اليوم في الأدب السوري”.

“نحتاج إلى نوافذ مختلفة”:

يقدّم القاص لمجموعته القصصية المؤلفة من 13 قصة، بمقدمة صغيرة توضح مفهوم “النوافذ” الذي اختاره عنوانًا لمجموعته، فيكتب: “نحتاج جميعًا إلى نوافذ للروح، نوافذ تطل على ما هو أرحب وأجمل وأنقى”، ويؤكد أن النوافذ ليست للهرب، بل للتأكد بأن هناك احتمالات مختلفة: “وأننا قادرون، بين فينة وأخرى، على رؤيتها وشمها ولمسها”، النوافذ هناك بمعنى احتمالات الحياة التي يمكن تلمسها والشعور بها. وهذه المقدمة تعطي فكرة عن أسلوب المؤلف الذي يمكن تلمسه في قصصه، حيث هناك دومًا ذلك النوع من الغوص في احتمالات الحياة كموضوعة ملهمة في قصصه.

حال المرأة السورية في ثلاث قصص:

في القصة الأولى (الست نفيسة) مشهد عن مجموعة من الأصدقاء في مرحلة الشباب، يبنون علاقاتهم العاطفية في ظل الضغط العائلي والثقافية. المناطقية والصور النمطية تفرق العشاق من الشباب السوري. العائلة الحمصية ترفض علاقة ابنتها مع الشاب الحوراني. كذلك (راني) يحاول إنهاء العلاقة مع حبيبته (رزان) بسبب نظرة عائلته عنها، كونها أمًا مطلقة، وخرجت سابقًا بعلاقة دون زواج. إنها تماثل شخصية (الست نفيسة) في فيلم (بداية ونهاية) عن رواية (نجيب محفوظ)، حيث تضطر (الست نفيسة تؤدي دورها سناء جميل) إلى التحول إلى الدعارة بعد الضغوط الاقتصادية على العائلة، وفي النهاية تعاقبها العائلة وتدينها وتدفعها إلى الانتحار. هكذا، بالإحالة إلى رواية نجيب محفوظ، يسعى المؤلف عدي الزعبي لعرض حالة النساء اللواتي يضحين في سبيل الاستمرارية، لكنهن تصلن إلى نهاية مأسوية بسبب الأحكام الاجتماعية المجحفة بحق المرأة.

محور القصة الثانية (رحلة الأشباح الثلجية) أيضًا هو المرأة. حيث يتقابل، في مؤتمر عن مشاركة المرأة العربية في الربيع العربي، أربع محجبات، منقبة، الصحفية دينا، وثلاثة ذكور. وعبر تصرفاتهم في أمسية ما بعد انتهاء المؤتمر، نتابع تفاصيل الموضوعة ورأيهم ورأيهن بالربيع العربي: “انقسم الناس بين مؤيدين للربيع العربي ومعادين له، من منطلق صلته بتحرير المرأة. رأى فريق يضم حسن ومحجبة مصرية ومحجبة لبنانية أن حرية المرأة تعرضت لنكوص، في حين رأى الفريق الآخر أن حرية المرأة جزء من الحراك الشامل”.

بشكل خاص يتابع الرواي تصرفات المنقبة في مدينة مثل لندن، إنها تحاول الاندماج، لكنها تفشل، رغم أنها ليست الأقل انفتاحًا من الأخريات، فحين نسمع آراء (الصحفية دينا) مثلًا فهي التي تشتم الغربيين، وتعتبر الديمقراطية والحرية نفاقًا، وترى أن على المرأة أن تتمسك بتقاليدها وإسلامها وحجابها وأخلاقها، في حين تبقى المنقبة صامتة. هنا يحاول المؤلف أن يرسم نموذجين أحدها لمنقبة، والآخر لصحفية تظهر بمظهر الانفتاح لكنها تملك أفكارًا أكثر رجعية.

تكتب طالبة جامعية، 19 عامًا، في القصة الثالثة (رسالة إلى نزار قباني)، تروي فيها عن شعورها بالوحدة، تعتقد أن الوحدة شعور حقيقي بما أن الشعراء قد كتبوا عنه. هي نفسها تحاول كتابة الشعر لكنها تطرح أسئلة عميقة على هذه الرغبة: “لماذا أكتب هذه القصائد؟ لا تغير القصائد شيئًا في حياتنا. نقرؤها، ثم نتابع عيشنا كأن شيئًا لم يحصل لنا. أنظر حولي، ولا أجد فرقًا بين من يقرأ الشعر وبين من لا يقرأ. كلهم يعيشون حياتهم بالطريقة نفسها”، يشغل الطالبة الجامعية أسئلة حول علاقتها بالذكور، بالحب، وبالزواج. في هذه القصة، نجد وكأن فتاتًا من تلك اللواتي تملأن قصائد (نزار قباني)، وكأنها تسائله، كأنها واحدة من النساء اللواتي كتب عنهن (نزار قباني) في أشعاره، تكشف له واقع القيود الاجتماعية والثقافية التي تخضع لها المرأة العربية.

واحدة من مقتطفات الحياة السورية هي الزيارة إلى بيروت، وهذه هي موضوعة قصة (عسكر على مين؟)، تجري أحداثها في سيارة تاكسي تنقل سوريين منهم: الرواي، وعسكري، وامرأة وابنتها تتجهان إلى بيروت للتسجيل في الجامعة هناك. من رحلة الطريق بين بيروت ودمشق نتعرف إلى أنواع الزوار السوريين لبيروت. هناك الطالبة، العسكري، الراغب في التسكع، وهناك عائلة سورية ترغب في حضور حفلة (جورج وسوف). تنوع في الطبقات الاقتصادية، الاجتماعية، وفي العلاقة مع السلطة. وفي النهاية، تتطرق القصة إلى حال العاملات المنزليات الأجنبيات في لبنان، من خلال علاقة بين العسكري وعاملة سيريلانكية، يقول العسكري: “يا لطيف، وقت تحكيلي شو عم يصير مع رفقاتها. والله بتفكر أنو عقوبات الجيش السوري أهون من عقوبات النسوان اللبنانيات مع الخدامات”.

استحضار شخصيات تاريخية في النص القصصي حالة متكررة منذ نصوص زكريا تامر الأولى، في قصة (البرزخ) تكون الشخصيتان الرئيسيتان هما الفيلسوف الإنكليزي (برتراند رسل)، والأديب الروسي (مكسيم غوركي). حكاية تخييلة عن (رسل) يزور (غوركي) في المستشفى، يجري بينهما حوار عن مستقبل روسيا الاشتراكية، إن الفيلسوف الإنكليزي يخشى من تحول الاشتراكية إلى نظام قمعي جديد، وينتقد تجاوزات (لينين وتروتسكي)، أما الأديب الروسي (غوركي) فهو مؤمن بالاشتراكية، ويحاول تطمين (رسل). لكن كلا المفكرين يستأنسان في النهاية بضحكة الممرضة المرحة متجاوزين القلق السياسي والفلسفي.

عقاب الأم المضحية:

في قصة (صباح عادي) نعود إلى تيمة المرأة المضحية التي تخشى من الظلم الذي سيطالها. (مريم) أمّ تحاول إقامة علاقة مع المتزوج (عمار)، المال الذي يرسله لها زوجها السابق لا يكفي لتربية الطفل. القصة عن يوم واحد، هو يوم البيعة التاريخية للقائد الشاب (بشار الأسد). في هذا اليوم التاريخي، انتقال بين حال الجموع التي تهتف للقائد، والحالة الفردية لـ (مريم): “تدرك مريم فجأة أن ابنها بين الملايين يهتف. تشعر بخواء. تخشى أن يأتي اليوم الذي يسألها ابنها عندما يكبر عن علاقاتها المتعددة”.

عن عزلة المبدع، يختار عدي الزعبي شخصية (المتبني) من التاريخ كي يروي حكاية عنها، حيث نتابع (المتنبي في الفسطاط) عنوان القصة، وهو يدخل إلى حانة ويخطط للهروب مع الخادمة في الحانة (فيروزة) إلى مكان آخر. لكننا نكتشف أثناء حديثهما المشترك أن للمتنبي مشكلات مع الحكم في (القاهرة، دمشق، وبغداد)، وأن حياته شبه محاصرة. يفتتح الكاتب قصته هذه بعبارة كتبها طه حسين، عن المتنبي: “أراد الله أن يعيش وحيدًا ويموت وحيدًا ذلك الشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس”.

تفاصيل عائلية من طرفي الحرب السورية:

قصة (جني الحلويات) أكثر قصص المجموعة تركيبًا من حيث الأسلوب السردي، هي تعكس حال العائلات السورية الممزقة في الحرب. عبر الأحاديث عن الحلويات ينتقل السارد من عالم سوري إلى آخر. العالم الأول تمثله (أم يزن وأبو يزن) المتوجهان لزيارة ابنهما (يزن)، العسكري العامل على الحاجز، والذي يترجاهما لمساعدته في التخلص من الحال التي هو عليها في الخدمة العسكرية، وبينما يرأف قلب (أبو يزن) لحال ابنه ويتمنى له الخلاص، فإن (أم يزن) مأخوذة تمامًا بنظرية المؤامرة، ورأيها أن على السوريين أن يضحوا في هذه الحرب الخطرة ضد الإرهاب ولأجل حماية القائد. في العالم الثاني للقصة، أبٌ من على الطرف الآخر لحكاية المجتمع السوري، يعيش (أبو محمد) في تركية ويعاني بسبب انخراط ابنه مع الجيش الحر. هي حكاية عائلتين سوريتين كل منهما ينزف أبناءً على الطرف المقابل من الحرب. بتقنية دقيقة تونسن القصة طرفي الصراع، وتوحد بين تجاربهما.

تشغل تيمة “المفارقات الثقافية” حيزًا كبيرًا من الموضوعات، (قصة مختصرة عن أخلاق بلاد الفرنجة المحتضرة)، معالجة كوميدية لتيمة “المفارقات الثقافية”. قصة رجل مسلم متدين يكتب عن تجربة زيارة ليوم واحد إلى أوروبا. في هذه الزيارة العابرة، يقابل المتدين كل أشكال الظواهر الثقافية التي يعتبرها من الشرور: شرب الخمر، الفردية، التفكك العائلي، الخيانات العاطفية، العبث والعدم عند الشباب الأوروبي، هذا كل ما يلمحه، وبالرغم من أنه يتقرب من أنثى للمرة الأولى بعلاقة عاطفية، ويشعر تجاهها بالشوق، فإن حكمه على بلاد الإفرنج يبقى رهينًا للصور النمطية والأحكام الأخلاقية المسبقة. القصة مكتوبة بلغة عربية تراثية، توحي للقارئ بالسخرية من طريقة تفكير السارد، الذي يحاكم الحاضر الأوروبي بلغة وفكر التراث الإسلامي.

يمكن تصنيف قصة (ظل الفراشة) عن المهجر السوري، بطل القصة طالب سوري في بريطانيا، يعلم اللغة العربية ليكسب المال، وينتظر نهاية الحرب في سورية للعودة إليها. لكن القصة عن تفاصيل حياته الآن، حيث يراقب المجتمع الإنكليزي كعين خارجية، يتجول في المدينة على هامش المجتمع: (أتابع جولتي، عائدًا إلى المدينة، مراقبًا إخوتي البشر بفضول داكن. تسطع الشمس فجأةً بشدة. أقف في الساحة المزدحمة. تقفر الساحة تمامًا. ليختفي إخوتي البشر)، ترصد القصة التفاصيل الصغيرة لعين تراقب مدينة بشاعرية وتشعر بالعزلة، يقول الراوي: “عندما أرى مثل هذه الأشياء، يخونني اليقين بأن المهم أكثر أهمية من غير المهم”.

” لا نريد نوافذ متماثلة”:

القصة الأخيرة التي تحمل المجموعة عنوانها (نوافذ)، تقدم ثلاث حكايات من مناطق متفرقة من العالم، تفتح على حال السوريين في مدن متعددة نوافذ مشتركة، هي ثلاث حكايات عن علاقات ثنائية، تجري الأولى بين أستاذ ونادلة في مقهى في اللاذقية، تحلم النادلة بزيارة دمشق التي يأتي منها الأستاذ. في الحكاية الثانية علاقة ثنائية أيضًا بين مهجرين سوري ويونانية في أدنبرة، والثالثة عن سوري في إسطنبول تركية يتابع حكاية عائلة عراقية تحاول العبور إلى أوروبا عبر البحر. النوافذ المغلقة والمشرعة توحد بين نصوص الحكايات الثلاث وتربط بينها. كأنها تعود بالقارئ إلى النص الافتتاحي للمجموعة، الذي يقدم فيه المؤلف لمفهوم النوافذ، فيكتب: “علينا دومًا أن نفتح نوافذ في الأسوار، لنا ولغيرنا. وعلينا أيضًا ألا نخشاها، وألا نخشى ما يأتينا منها. نحتاج جميعًا إلى نوافذ للروح، وإلى الثقة بالنور القادم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق