سلايدرهموم ثقافية

قصر بندر

قصر بندر عبارة عن غرفة واحدة، في شارع العابد في دمشق، لكن هذه الغرفة تستحق أن تكون بحجم قصر، بسبب قاطنها وزائريها، وهم من صفوة النخبة الثقافية العربية في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم.

بندر عبد الحميد هو ذلك البدوي الذي أمضى طفولته بدويًا مترحلًا مع قبيلته، على الحدود السورية العراقية، وفي محيط تل صفوك التي يحمل أثيرها صرخته الأولى عام 1950، وفيها أنهى تعليمه الأساسي حتى الصف الخامس، حيث كانت تبعد المدرسة أحيانًا من خيمة العائلة عشرين كيلومترًا، تحتاج إلى ثلاث ساعات سيرًا كل يوم ذهابًا وإيابًا، وهذه المرحلة من حياته رسخت في نفسه كثيرًا من قيم الحياة الجميلة، مثل الكَرم والطيبة وأدب المجالس، وحمل من الصحراء قساوة الطقس وسعة الأفق وصفاء النفس.

لم يكن يدور في خلد بندر يومًا أن يكون وزيرًا غير معلن للثقافة العربية، وليس السورية فحسب، حيث كانت غرفته أو قصره الثقافي ممرًا لأغلب كتاب وشعراء ومترجمي وفناني مرحلة السبعينيات والثمانينيات، وهي المرحلة الأصعب في تاريخ الثقافة في سورية، حيث كانت تعاني الرقيب والمنع والتكميم. في قصر عبد الحميد كنت تجد كل مساء كوكبة من هؤلاء، فيشكلون خليطًا عجيبًا من صعاليك الشعر وأساطين الفلسفة وكُتاب الراوية، وصولًا إلى مثقفي الهوامش، وتزداد هذه الكوكبة وتنقص بحسب الظروف الخاصة والعامة.

غرفة بندر الصغيرة كانت الفضاء الأرحب على الإطلاق في كل أرجاء سورية، فهي لم تكن صالونًا ثقافيًا، بحسب تقاليد الصالونات المعروفة خلال القرن الماضي، إذ كانت الغرفة القصر مكانًا لتناول العشاء، ومن الجدير ذكره أن عبد الحميد كان مشهورًا بطبخاته الغريبة والعجيبة التي لا تتبع قواعد الطبخ وقوانينه، والحديث والنقاش والشرب بلا برنامج محدد، بل إنها كانت مبيتًا لبعض المارّين من دمشق مرورًا عابرًا، كانت سوق عكاظ مصغّر أو خانًا يتبادل فيه الزوار بضائعهم الثقافية ويعرضونها فيه.

البدوي والسينما:

بندر ذلك البدوي القادم من عمق الصحراء الذي حمل وجهه الطفولي على مدار عمره الذي امتد سبعين عامًا ويزيد، كان مثابرًا على القراءة والبحث والاستزادة، لكنه كان يحمل ذكاءً فطريًا، ويقول بندر في ذلك إنه تعلم منذ الصغر، في المدرسة الغسانية، أن القراءة عملٌ جاد، حيث شكلت مكتبة المدرسة الغسانية آنذاك فرصة ثمينة ليؤسس فيها عقله، ويكوّن فيها اللبنات الأساسية التي استفاد منها لاحقًا.

من المثير في سيرة هذا العملاق أن يصبح مطلع ثمانينيات القرن الماضي من أهمّ النقاد في مجال السينما، حيث كتب عنها مئات المقالات، وساهم في تأسيس مجلة خاصة في النقد السينمائي، وهي مجلة (الفن السابع) إضافة إلى مجلة (آفاق سينمائية) الإلكترونية، ومجلة أخرى أسماها (ساحرات السينما) ورصد فيها حياة مئة وخمسين نجمة عالمية في عالم السينما، إذ مثل بندر أحد أهم الفرسان الذين حاربوا كي لا يموت فن السينما في سورية.

بالأمس، رحل بدوي دمشق، وطويت صفحة من أهم صفحات سورية الثقافية، وأغلقت نافذة مهمة كانت مفتوحة على العالم. بالأمس، ساد الظلام شارع العابد الدمشقي إلى أن يولد في هذه الأمة بندر جديد. بالأمس، رثى عشرات الأدباء والشعراء والكُتاب رائدًا نادرًا، في زمن أصبح فيه اقتناء الكتاب أمرًا مرتبطًا بالترف والرفاهية، ومن الرثاء والشعر اخترت مقطعًا من قصيدة (سوزان المجنونة)، لبندر عبد الحميد:

نبدأ- هذا أول حرف

في لغة لا نعرفها

دادا- ماما- دا- دا

مامابا- دا

سوزان المجنونة تهذي وتغني

عن عربات – عن مذبحة – عن

سجن لطيور الحب وسجن للأطفال –

حقول ذئاب وحقول دخان –

عن ثلج وبقايا إنسان – وبقايا مدن

وبقايا مزروعات.

عشنا ورأينا الدنيا في القرن الثامن

عصر خيول الجمهورية –

عصر المارلبورو

أنت أمير هذا الحزن ونحن الأسرى

في مدن السمك الميت

نحصد قمحًا ونغني

نحصد جرحًا ونغني

نكتشف القبلة صمتا

نكتشف الدنيا –

ما حدث فعلًا هو أننا كنا نسافر شرقًا،

نلتقي في الصباح الباكر ونشرب القهوة،

ثم ننظر إلى عيون المسافرين وأصابعهم،

في طريق النظر إلى المرتفعات البنفسجية،

ومرتفعات رمادية طفيفة كأنها مرسومة بقلم

رصاص – ننتظر أن يطلع منها فرسان

الهنود الحمر الرائعين – في الليل الموسيقى

والكتب – في النهار الخبز والشاي والكتب

– نضيع في المدينة تحت مطر الربيع – لا

نعرف مكانًا – ندخل بوابة ملتوية – نكتشف

صحراء صغيرة – نتفق على عظمة رسوم

ماكس أرنست وكاندنسكي – وتنفرد سوزان

النحيفة المجنونة بحبها القديم لماتيس.

برقية حب من سوزان

– الخبز غدًا

لو نمنا سنموت طويلًا –

سوزان المجنونة

عطر الصيف الراهن

عطر المرتفعات

وعطر جلود الناس

بكاء الحيوانات المنفية

في عصر المارلبورو

لو نمنا سنموت طويلًا

الطلقة والكأس الشاهد

والجوع مغني العصر

* * *

تسمع سوزان رنين الأجراس فتهذي بقوة

عن الجسور المعلقة والحيوانات الجديدة

وحقول الذرة والحبر- تصرخ سوزان

أن الشجر ما تنمو وطفلًا يصرخ وكفًا

منسية تخلع بابًا موصدًا منذ آلاف السنين

– تمد يدها إلى الأجراس وتهذي- أيتها

الأجراس كوني مجنونة إلى الأبد-

* * *

كان الدرب طويلًا كخطوط في فنجان القهوة

موسيقى ودم وتراب

أجراس رماد القرن الثامن

أجراس رماد

دن دن

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق