تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ليلة قصفت بلجيكا دمشق

يقول المثل الشعبي (مقشر لا تأكل وصامد لا تقشر وكل حتى تشبع) هذا تمامًا الموقف العربي من قضية الشعب السوري، في الوقت الذي يتمنى الشعب السوري كلّ الخير لكل العرب، ويتمنى رؤية موقف عربي موحد وفعال، تجاه ما لحق بهم من ظلم وحيف، عبر حل للخلافات العربية العربية، أما حل الخلافات العربية الإقليمية، فذلك يبدو حلمًا بعيد المنال، وبذلك يزداد شعور السوريين بالخذلان والقهر.

يأخذ بعض العرب وكثير من السوريين على المعارضة السورية تماهيها مع الموقف التركي، في ظل خلاف تركي عربي أسبابه الخفية أكثر من أسبابه الظاهرة، ولكن مَن يستطيع القفز عن الجغرافيا؟ حيث لم يكن ذهاب السوريين إلى تركيا خيارًا، ولا شك في أن لتركيا مصالح مختلفة على الأرض السورية، وهذا أمر طبيعي بين الدول المتجاورة في قضايا الأمن والموارد الطبيعية والطرق التجارية، وما إلى ذلك من تشابك مصالح بين البلدان المتجاورة، ولم نسمع عن بلد عربي رحّب بوجود هيئات المعارضة على أرضه، ورفض السوريون ذلك، ومع كل ما سبق، لا يستطيع السوريون تبديل جلودهم فهم مع أشقائهم العرب، ولكن ليس على حساب دماء أبنائهم النازفة منذ تسع سنوات، وليس أقسى على السوريين اليوم من أن تخيرهم بين الوقوف إلى جانب إخوتهم العرب، أو الوقوف مع دولة إقليمية، مع معرفتهم أن تلك الدولة الإقليمية قد اختطفت جزءًا مهمًا من قرارهم الوطني، إلا أنها قدمت الأمن لملايين السوريين وتقدم الخدمات للملايين في الداخل.

وأكثر ما يبعث على الحزن والأسى من الموقف العربي هو أن العرب هم الطرف الوحيد في العالم الذي ليس له موقف جدير بالاحترام، ليس من القضية السورية فحسب، بل من قضية العرب المركزية: فلسطين، ومن جرائم إيران في سورية والعراق ولبنان، فموقف العرب القوي والحاد من التدخل التركي في سورية لا نجده تجاه إيران، لم نسمع بأن المجموعة العربية قد تقدمت في مجلس الأمن بمشروع يدعو إيران إلى الخروج من سورية ووقف إجرامها بحق الشعب السوري، هذا الموقف العربي غير العادل بالنسبة إلى القضية السورية، والنظر بعين واحدة، أمرٌ لا يصبّ في مصلحة السوريين بل يزيد من مأساتهم، وكأن العرب يطلبون من السوريين أن ينتصروا لهم في خلافاتهم الإقليمية، في الوقت الذي أصبحت الخيمة مجرد حلم لآلاف السوريين المشردين في العراء في الشمال السوري، حيث يموت الأطفال بردًا وجوعًا ومرضًا، في ظل ظروف جوية لا ترحم.

ليس أدلّ على ضعف الموقف العربي من تصريح رئيس حكومة الكيان الصهيوني، ردًا على سؤال صحفي حول الجهة التي قصفت دمشق، إذ ردّ نتنياهو: ربّما بلجيكا هي من قصفت دمشق. إن نتنياهو لا يسخر من الطغمة الحاكمة في دمشق فحسب، بل من كل العرب بلا استثناء، فما الذي يمنع اليوم نتنياهو من قصف أي دولة عربية؟ والغريب في المسألة تسابق بعض العرب للمطالبة بعودة سورية للجامعة العربية، فهل إصدار موقف عربي يدين “إسرائيل” رهن بعودة الطغمة الحاكمة إلى مجلس الجامعة العربية؟ مع الأسف في غير مكان، نجد أن الموقف العربي يتماهى مع الموقف الإسرائيلي، من حيث إصرار “إسرائيل” على بقاء الطغمة الحاكمة، وهذا الموقف صرّحت به علنًا الولايات المتحدة الأميركية أكثر من مرة، بأنها غير معنية بتغيير نظام الحكم في دمشق، وهي تسعى فقط لتقويم سلوك النظام بحسب رؤيتها.

من حيث النتيجة، نجد أن العرب، بذريعة محاربة التيارات الراديكالية، لا يريدون نشوء نظام ديمقراطي حقيقي في سورية، لأن ذلك ربما سيشكل لاحقًا تهديدًا جديًا لهم، أكثر من التهديد الوهمي للتيارات الراديكالية المصنعة في أقبية المخابرات، والعرب يعلمون حقيقة هذه التيارات، وأن مهمتها منع قيام نظام ديمقراطي في المنطقة، والمأساة أن كثيرًا من السوريين، على ضفتي النزاع، لا يعون هذه الحقيقة المرة والمؤلمة.

Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق