سلايدرقضايا المجتمع

آليات الاستبعاد الاجتماعي في سورية

أجمعت تعريفات السوسيولوجيا على أن الاستبعاد الاجتماعي هو عملية سياسية، اقتصادية، اجتماعية، وثقافية تعليمية متكاملة، ذات أبعاد متعددة، تجتمع في إطارها كل أشكال الحرمان من المشاركة في العمل السياسي وصناعة القرار، من حقّ العمل والتوظيف والوصول إلى المصادر الاقتصادية والتعليمية الثقافية المتوفرة والمتاحة للآخرين، حتى الحرمان من الحق بالمشاركة في المؤسسات المجتمعية كافة.

استنادًا إلى هذا التعريف للاستبعاد الاجتماعي؛ يمكن القول إن ممارسة الاستبعاد الاجتماعي في سورية بدأت بانقلاب البعث 8 آذار 1963 وهيمنته على السلطة إلى يومنا هذا، من خلال استخدام كل أنواع الاستبعاد الاجتماعي للاستمرار في السلطة.

أولى آليات هذا الاستبعاد تمثلت بحرمان السوريين كافة من العمل والنشاط السياسي والحزبي التعددي، ومن حقهم في التعبير عن آرائهم واتجاهاتهم الفكرية، إلا النشاط الفكري السياسي الذي يدور في فلك النظام واستبداده، من خلال ما يسمى “الجبهة الوطنية التقديمة” والمنظمات النقابية والشعبية الرديفة لحزب البعث، حيث تصرف النظام الأسدي الحاكم، وكأن سورية أصبحت مزرعة خاصة به لدرجة تسمية سورية بالإعلام السوري الرسمي “سوريا الأسد”، والدفع بالسوريين كافة إلى الانسحاب التدريجي من مواطنيتهم، بدءًا من التعبير عن اللامبالاة السياسية، إلى عدم المشاركة والتواصل مع الآخرين، والانكفاء على ذاتهم الصامتة، حتى إن معظم السوريين امتنع عن التواصل مع أقرب الناس إليه، في موضوعات السياسة، من شدة خوفهم من أجهزة الأمن المتغلغلة في كل زاوية، وما عبارة “الحيطان لها آذان” إلا تعبير عن الهواجس الأمنية التي يعيشها السوريون في كل لحظة من حياتهم اليومية، وقد اضطرهم ذلك إلى التماهي السياسي والثقافي مع النظام الاستبدادي الحاكم في سورية، من خلال الانتساب إلى “حزب البعث” وملحقاته من منظمات سياسية ونقابية مهنية، دون الحق في إبداء الرأي في ما يحدث في الوطن السوري، إلا الترديد الببغاوي للنشرات الإعلامية السياسية الحزبية والنقابية التي تمجد الأسد واستبداده، طمعًا في الحصول على بعض فتات النظام المادية المعنوية ، أو من أجل حماية أنفسهم وعائلاتهم من عنف السلطات الأمنية، كما كان يعبّر عن ذلك معظم السوريين.

الآلية الثانية في ممارسة الاستبعاد الاجتماعي تتمثل في عملية التدجين الأيديولوجي والثقافي، بأيديولوجية وثقافة البعث في المناهج التعليمية كافة التي تصبّ في خدمة النظام الاستبدادي، حيث عاش السوريون حالة انقطاع شبه تام عن ثقافات العالم الخارجي وخاصة الديمقراطية.

الآلية الثالثة تمثلت في استخدام كل وسائل القهر والاستبداد، بدءًا من الاعتقال سنوات وصولًا إلى الفقدان والإعدام، ضد أي معارضة تظهر بين السوريين، بهدف استبعاد أي صوت معارض أو مختلف عنه، وحرمانهم من أبسط حقوق المواطنة من خلال الحرمان من الحقوق المدنية، ومنها حق العمل والتوظيف في مؤسسات الدولة، أو احتوائهم ضمن الإطار السياسي الذي يؤمن به. وما إخراج السوريين بالقوة والإكراه من قبل بعض المسؤولين في مدن وبلدات وقرى سكناهم، في المسيرات المؤيدة لرأس النظام السوري المعروفة (في المناسبات السياسية الخاصة بالنظام) والتركيز عليها في وسائل الإعلام الوحيدة في سورية، إلا مثال بسيط على هذه الآلية.

الآلية الرابعة تتعلق بالسياسة الاقتصادية التنموية التي اتبعها النظام الاستبدادي، وأدت إلى إهمال الريف السوري وتهجير شبابه باتجاه التطوع في المؤسسات العسكرية والأمنية، والسكن في عشوائيات سكنية، بهدف حصار المدن الرئيسة في سورية من مجموعات أمنية وعسكرية، إضافة إلى عشرات الفروع الأمنية المنتشرة في كل مدينة سورية، إضافة إلى سياسة الفقر والتجويع التي اتبعها في حقبة حكمه، من خلال جعل الفرد مشغولًا طول اليوم بهدف تأمين لقمة عيشه، بحيث لا وجود لوقت الفراغ الذي من خلاله يمكن للمواطن التفكير في قضايا الشأن العام.

الآلية السادسة تتعلق بالتنشئة الاجتماعية السياسية، بهدف احتواء الفئات العمرية السورية كافة، في إطار المنظمات السياسية والنقابية المهنية الخاصة بالنظام الاستبدادي (البعث، شبيبة الثورة، اتحاد الطلبة، النساء، العمال، الفلاحين، الحرفيين، طلائع البعث، المعسكرات الشبيبة والجامعية….. الخ).

الآلية السابعة تتعلق بالاستبعاد المكاني، الذي برز في إثر الثورة السورية 2011، من خلال عملية التهجير القسري المنهجية للسوريين المعارضين أو الذين يمكن أن يكونوا الحاضنة الاجتماعية للمعارضة، حتى وصل عدد المهجرين قسريًا إلى نصف الشعب السوري تقريبًا.

أخيرًا، كل هذه الآليات وغيرها أيضًا مارسها النظام الاستبدادي السوري على السوريين كافة، في كلا الاتجاهين العمودي والأفقي، العمودي من خلال هيمنة حزب البعث على المؤسسات المجتمعية السورية كافة، وهيمنة عائلة الأسد ومخلوف وشاليش وغيرها على الموارد الاقتصادية والتحكم فيها والتمتع بالثروة السورية والثراء الشديد، والأفقي من خلال إبعاد معظم الجماعات السورية الأخرى، التي لا تملك وسائل الإنتاج والثروة في المجتمع، وإخضاعها لسلطة أفراد وجماعة صغيرة متحكمة في كل شيء بالمجتمع السوري.

أخيرًا، للخروج من هذا الاستبعاد الاجتماعي في سورية المستقبل؛ لا بد من سياسة اجتماعية جديدة تتضمن إعطاء الحق الديمقراطي الدستوري، لكل المواطنين البالغين العاقلين السوريين في الاشتراك بصورة منظمة، في مؤسسات معنية بصنع القرارات السياسية التي تتصل بالدولة السورية، وممارسة هذا الحق ممارسة فعلية بعيدًا من عوامل الضغط والإجبار والإلزام؛ إذ يجب أن تظل في إطار ديمقراطي، يتسق معه إطار الشعور بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية، في إطار الشعور بكل من حرية الفكر، العمل السياسي، التعبير عن الرأي، من خلال اشتراك المواطنين في تلك الجهود على أساس الدافع الذاتي والتطوعي، الذي يترجم شعور المواطنين بالمسؤولية الاجتماعية والسياسية، تجاه القضايا الوطنية والاجتماعية السورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق