هموم ثقافية

في تحية يوسف إدريس… خمسون عامًا

27 كانون الأول/ ديسمبر 1969: خمسون عامًا مضت على أول لقاء بدمشق أدى إلى حوار مطول مع يوسف إدريس، أحد أهمِّ كبار كتاب القصة القصيرة والمسرح في العالم العربي.

كنت يومئذ أقوم بمهمة المحرر الأدبي في مجلة “الطليعة” الدمشقية الأسبوعية. وكانت قد صدرت في شهر تشرين الأول من ذلك العام آخر مجموعة قصص قصيرة له تحمل عنوان “الندّاهة”. وبعد أن قرأتها، قررت أن أكرس لها مقالي الأسبوعي قبل أن أعلم، بُعيْد نشره، أن يوسف إدريس سيكون بدمشق بعد أيام.

التقيته للمرة الأولى في اتحاد الكتاب العرب، وانتهزت الفرصة لأقدم له العدد الذي نشر فيه مقالي عن مجموعته المذكورة واتفقت معه في الوقت نفسه على حوار نجريه معًا في فندقه بعد ظهر اليوم التالي.

كان لقاء لا يُنسى بالنسبة لي. فقد أخذني الحماس، قبل أن أبدأ مقابلتي معه، في الحديث إليه حول كل شيء: كتاباته وكتابات الجيل السابق عليه كعباس محمود العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم.. وانتهيت إلى سؤاله إن كان قد وجد الوقت لقراءة مقالي، فهز برأسه مبتسمًا وقال لي: “لو لم أرك اليوم كيف تتحدث لظننت أن من كتب مقالك الذي قرأته بانتباه شديد رجل في أرذل العمر من شدة رصانته ووقاره.. ليتك تكتب يا بدر كما تتحدث.. بالعفوية ذاتها، بالحماس ذاته… ولسوف يقرأ الناس ما تكتبه بسعادة أكثر لاسيما وأن روح الشباب ستتألق في كل ما ستكتبه إن كتبت كما تتحدث.. لابد أنك قرأت العقاد كثيرًا حتى صرت متأثرًا بأسلوبه”.

لم يكن مخطئًا في ذلك، وقد قادته حاسته الفنية إلى أن يحدس مصدر أسلوبي.. كان صحيحًا ما قاله..فقد كان العقاد حتى ذلك الحين يمثل في نظري النموذج الذي يحتذى في حرية الفكر أولًا بل وكذلك وخصوصًا في الكتابة الجزلة التي تجعل من الكتابة باللغة العربية عيدًا دائمًا.

ثم بدأت طرح أسئلتي بل وتساؤلاتي على يوسف إدريس كما سيرى القارئ في هذا الحوار الذي تفضل عليَّ الصديق باسل العودات بإعادة نشره للمرة الثانية بعد أن نشر للمرة الأولى بدمشق قبل خمسين عامًا.

لن أعلق على ما أثاره هذا الحوار في نفسي بعد عثوري عليه من شجون، ومن مآخذ مهنية تخصني وقد كنت في بدايات عملي الصحفي، بدت لي وأنا أراها اليوم سببًا آخر كي أوجِّهَ اليوم تحية حارّة إلى ذكرى إنسان لا يمكن أن يُنسى، يوسف إدريس: الكاتب والمعلم.

أما لقاءاتنا الأخرى فقد جرت بباريس، وقد جرى ثاني لقاء لنا صدفة وعلى غير ميعاد  في الأيام الأولى من الشهر الذي شهد لقاءنا الأول عام 1969، أي قبل أربعة عشر عامًا بدمشق، أعني كانون أول/ ديسمبر عام 1983، وذلك بعد ثلاثة أيام من بدء عملي في معهد العالم العربي بباريس الذي سيستمر ما يقرب من ثلاثين عامًا.

على أن ذلك سوف يكون موضوع مقال آخر… قريب.

* * *

الكاتب مشروع قانون

حوار مع يوسف إدريس

بدر الدين عرودكي

* أريد أن نبدأ هذا الحديث عن وضع القصة القصيرة في العالم العربي اليوم. فأنت -ولا شك- تمارس كتابة هذا الشكل الأدبي منذ عشرين عامًا. ولاشك أنك تلاحق الحركة النقدية للقصة القصيرة.. خاصة وأنك أشرفتَ على القسم الأدبي في أكثر من مجلة أو صحيفة. ولنبدأ بالتساؤل عما إذا كان بوسعنا القول بوجود قصة قصيرة ذات شخصية عربية، أم أن نتاج هذه القصة مازال مطبوعًا بطابع التأثر بالأدب الغربي، على اعتبار أن القصة القصيرة كشكل فني بدأت في الآداب الأوربية؟

** سأبتدئ بالنقطة الأخيرة. لا شك أن القصة القصيرة المكتوبة شكل أدبي أوربي. ولكن القصة القصيرة نفسها شكل عالمي عرفته شعوب العالم جميعًا. ولقد وجد عندنا في شكل “الحدوتة” النروية، وفي النكتة التي أعتبرها أقصر وأحدّ قصة قصيرة. فشكل الحكاية موجود في حياتنا اليومية: الناس يحبون الحكايات ويروونها. فالذي يذهب للشهادة في المحكمة يعود ليحكي لأهله وأصدقائه ما جرى له، ويجعل من “شهادته” حكاية ذات موضوع طريف ومثير. القصة القصيرة إذن كانت موجودة وإن لم تكن مكتوبة. غير أنه حين أراد الرواد الأوائل نقل فن القصة القصيرة كما عرفته أوربا بدأوا بالترجمة، ثم بالتعريب. وبقي هذا التيار إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد كانت عملية تعريب في الحقيقة: فبطل القصة الذي كان اسمه محمد أو سليمان هو أساسًا جورج أو بيير. وعندما بدأت بالكتابة عام 1949، لم أكن أريد أن أسير على هدي الرواد هؤلاء، بل إنني رفضت الكتابة على طريقة القصص الموجودة في ذلك الحين لإحساسي الممض بأنه إذا كان العلم حقيقة عالمية فالفن حقيقة محلية، وليس هناك ما يمكن تسميته: “فن واحد”. هناك فنون، ليس فقط بعدد شعوب الأرض، وإنما بعدد محافظات شعوب الأرض ومدن شعوب الأرض وقرى شعوب الأرض. الفن متنوع ويختلف من مكان إلى مكان. وإنما يأتي ثراؤه من تنوعه، وتلك هي أصالته. فمسألة الأصالة هي مسألة التفرد، مسألة التنوع. وقلت لنفسي: هناك فعلًا قصة عربية وقصة محلية، ولابد من الوصول إلى شكل هذه القصة ومضمونها معًا لأنني لا أرى خلافًا بين الشكل والمضمون، بل لا أرى أن هذه المسألة موجودة في الفن أصلًا. فبوسعك أن تسمي الفن موضوع شكلي أو شكل موضوعي، إنما ليس هناك أي مجال للفصل بينهما. ولقد حصل أنني كففت عن الكتابة حوالي ثلاث أو أربع سنوات وأنا أفكر. وكنتُ أكتب -قدر الاستطاعة- كل فترة لأعود مرة أخرى للتفكير. إلى أن كتبت أول قصة من الشكل الجديد: أرخص ليالي. وأحسست أنني اقتربت قليلًا مما يمكن تسميته القصة المصرية العربية. وابتدأت أكتب على هذا المنوال. إن الوصول إلى هذا الشكل كان حلًا أو مفتاحًا لحل مشكلة القصة القصيرة في العالم العربي. ولقد كان هناك -عندما بدأت بالكتابة- خمسة أو ستة من الذين يكتبون القصة اتلقصيرة في مصر. وما لبث العدد أن نما إلى 300 كاتب ثم إلى خمسة آلاف كاتب في مصر وحدها يمارسون كتابة القصة القصيرة. وكان طبيعيًا لهذا العدد الكبير من الكتاب الذي أخذ في الازدياد أن يكتب على غرار القصة التي كنتُ أكتبها وزملائي في أوائل الخمسينيات، ثم أن يحاول التمرد عليها، أي على شكلها وطريقتها. ولكنني كنت أتمنى لو سار هذا التمرد في طريق الأصالة. ذلك أنه كان في الحقيقة عودة أخرى إلى التأثر بالجنسية والكمية، مثلًا ناتالي ساروت وروبير بانجيه وآلا ن روب غرييه وغيرهم. أي أن التمرد كان ردة جديدة نحو التأثر بالتراث الغربي، والبعد بالتالي عن الأصالة الفنية المحلية. ولهذا أخذت القصة القصيرة -وليس كتابها- تغترب، وبمعنى أصح تصبح غريبة عن المجتمع وتقرأ من باب حب الاستطلاع فقط. في حين أن القصة القصيرة أصلًا لم تكتشف كوسيلة فنية إلا لتمارس فعاليتها في المجتمع. مع ذلك فثمة عدد من كتاب القصة القصيرة ينحتون الطريق نحو قصة ذات ملامح محلية أصيلة، ولقد توصل بعضهم إلى ملامح محددة، وما زال البعض الآخر -وهم كثيرون- يبحثون ويجربون.

أما الحركة النقدية التي رافقت القصة القصيرة في العالم العربي فقد كانت وما زالت متخلفة جدًّا. وتخلفها في الحقيقة لا يقتصر على القصة القصيرة وحسب، وإنما يمتد ليشمل مجال الرواية والشعر. ولقد كان من المفروض أن تكون القصة القصيرة أكثر الأشكال الأوربية إثارة للاهتمام النقدي. إذ لا يمكن لها أن تستكمل ملامحها المحلية الصميمية ومن ثم تحقق عالميتها إلا بحركة نقدية تواكبها: توضح وتفسِّر وتشرح وتتحمس وتلغي وتجيز. لكن نقادنا -بكل أسف- ما زالوا يتناولون القضايا الأدبية التي تشغل النقاد الغربيين، كقضية الرمز وتصحيح العمل الفني الذي ما هو إلا عمل يتناول الموضوع من خلال تيار شعوري!.. إن القصة القصيرة بحاجة إلى نقد عربي بمنطق عربي، بإحساس عربي. فليفهم الناقد التراث الغربي ما استطاع ذهنه الهضم، وليتمثل التراث الشعبي والأدب العربي القديم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وإنما عليه حين يتصدّى لنقد القصة القصيرة أن ينطلق من منطق عربي نابع من وجدان عربي. أن يرى القصة بالذات، من داخلها لا من خارجها. نحن في الحقيقة نحتاج إلى نقد يتناول العمل الأدبي من داخله لا من خارجه.

* لنعد إلى القصة القصيرة. لقد بدأ الجيل الأول من كتاب القصة القصيرة متأثرًا بالقصة كما كان يكتبها موباسان تارة وتشيخوف تارة أخرى. ثم ما لبث هذا الجيل أن تطور فتخطى نفسه نحو ملامح خاصة تميزه وتميز إنتاجه. وفي حين كان المفروض أن يأتي جيل ثان، يحاول إكمال ما بدأه الجيل الأول، وجدنا جيلًا يأتي لكي يترك جانبًا كل ما وجده أمامه، ويعود إلى الغرب مرة أخرى، يحاول البحث من خلال الأِكال الأدبية الجديدة في القصة والرواية عن شكل يكتب به… بل لقد كان بعض أفراد من هذا الجيل نفسه يعود من جديد إلى تشيخوف، وموباسان، في الوقت الذي يعود فيه آخرون إلى آلا نروب غرييه وميشيل بوتور. وفي زعم هؤلاء أن على الكاتب أن يكون عصريًا.. وإنني لأتساءل: إذا كانت الأشكال التي توصل إليها كتاب الموجة الجديدة في أوربا عامة وفي فرنسا خاصة لها حيثياتها الحضارية ومبرراتها الاجتماعية والعصرية، وكلها نابعة من درجة التطور التي وصل إليها المجتمع الغربي، فما الذي يبرر للكاتب العربي استخدامه هذه الأشكال، أو تأثره بها في كل الأحوال.. هذا يقودني إلى تحديد السؤال أكثر: أو ليست ظاهرة الرواية الجديدة ظاهرة تمثل حضارة معينة بالذات؟

** كلمة “الجديد” مصطلح يقود إلى الخطأ في كثير من الأحيان. فليس الجديد أن يتأثر المرء بآلان روب غرييه.. الجديد موجود في كل عصر ويمكن أن يبقى العمل جديدًا في كل عصر. وبمعنى آخر هناك فرق بين الجديد والحديث. فليس الجديد أقل الأشياء جهدًا، ولا أقلها أهمية. الجديد عمل يخترق المستقبل وينفذ إليه من خلال حجب الزمن. إنه يخترق الماضي ويعبر الحاضر نحو رؤيا المستقبل. ليس الجديد “تقليعة”، إذ أنه يختلف عنها. ولست أتوقع من كاتب في سن العشرين أن يقدر على كتابة قصة قصيرة جديدة. لاشك أنه ربما استطاع أن يكتب قصة جيدة تمامًا، ممتازة في روحها التي هي روح ابن العشرين.. فقط. القصة القصيرة ليست فنًا بسيطًا، إنها من أخطر فنون الأدب على الإطلاق. فلابد أن يكون الكاتب موهوبًا حقًا، وإلا فلن يكون كاتب قصة قصيرة. وأعتقد أن القصة القصيرة في العالم قليلة ومحدودة جدًّا. إذ على الرغم من عظمة تشيخوف فإن قصصه الجيدة لا تجاوز العشرين. وقد عاش موباسان كاتبًا بتسع قصص قصيرة. وعاش إدغار آلا ن بو بسبع قصص. أقصد أنه لا يمكن أن تعتبر إنتاج الكاتب كله إنتاجًا جيِّدًا. أعود لمسألة الجديد. الجديد هو اكتشاف حقيقة إنسانية وليس مجرد تسجيل انطباع. فما لم تسجل هذا الانطباع لتكتشف من خلاله حقيقة بشرية أو إنسانية فإن كتابتك تكون مفتقرة إلى الجدّة. إن القصة القصيرة، كما أراها، هي فن اكتشاف النفس البشرية، والسلوك البشري، والتصرف البشري.. هي أيضًا رؤية جديدة تضاف إلى جملة الرؤى السابقة عليها.. وما لم تكن إضافة، فإنها لا تكون عملًا “جديدًا”. بهذا المعنى فإن قصة كقصة المعطف لغوغول جديدة في عصرنا. وكذلك قصص فرجينيا وولف وميشيل بوتور وأنطوان دو سانت إكزوبري.|كل قصص هؤلاء جديدة لأنها ستظل مقروءة لعشرات السنين. ذلك أن فيها اكتشافات لم يسبق إليها من قبل أحد تميزها وتمنحها طابعًا خاصًا. فالمسألة بالنسبة إلى الكتاب الجدد الذين تحدثت عنهم ليس في أن يقرأوا ويتأثروا بالأشكال الجديدة.. المسألة تتعلق بالسؤال: ماذا يمكن أن أضيفه من اكتشافات.. وإذن، فليكتبوا.. فليس هناك من قانون في الكتابة، والقانون الوحيد لا يملكه الكاتب.

* ومن أين يأتي به؟

** أريد أن أقول إن الكاتب مشروع قانون. والذي يجعله قانونًا هم الناس، واعترافهم به. فيمكن على هذا الأساس للكتاب الجدد أن يجربوا كل ما يخطر في بالهم من مشاريع، ويمكن لهم أن يتمردوا ويقولوا: إن الجيل القديم لم يفعل شيئًا ونحن سنبتدئ بداية جديدة للقصة.. ذلك طموح عظيم جدًا لا يسعنا إلا أن نباركه وأن نتمنى نجاح أكبر عدد من الكتاب. فنحن بحاجة إلى ألف كاتب قصة قصيرة في العالم العربي الذي يسكنه مائة مليون، وللأسف ليس لدينا سوى مائة كاتب تقريبًا. نحن بحاجة فعلًا إلى عدد كبير من الكتاب الأصلاء الذين يقدرون على إضافة أشياء جديدة إلى فن القصة القصيرة. بل إنني لأذهب إلى ما هو أبعد وأدعو إلى تجارب أقصر تبتدئ في سن مبكرة. فلا بأس من أن يبتدئ الشاب ابن السادسة عشرة بكتابة القصة القصيرة.. إذ كلما وسّعنا ميدان التجربة كلما أتحنا فرصة اكتشافات أكثر.. على أن المهم في النهاية هو ألا يكتب المرء لمجرد أنه يريد أن يكون كاتبًا.. عليه أن يكتب ليقدم ما يكتشفه لمجتمعه.

* قلت قبل قليل إن القصة القصيرة يجب أن تؤثر في الناس. وأنه لكي تؤثر لابد أن تكون مستوفية شروطها الفنية.. هل تعتقد أن بوسع القصة القصيرة أن تؤثر في الناس؟ يظل هذا سؤالًا جزئيًّا في الحقيقة، وإنما السؤال الأساسي هو أما يزال بوسعنا الاعتقاد بقدرة الأدب على التأثير في الناس، في واقعهم، في سلوكهم.. تحت الشروط الحضارية التي نحياها الآن؟

** بلا شك. فسواء أراد الكاتب أم لم يرد، فإنه يؤثر في الناس. وحتى أولئك الذين يدعون أنهم يكتبون لأنفسهم، فإنهم يكتبون للناس قطعًا. وهم يخدعوننا خدعة جميلة جدًّا بقولهم لا يكتبون للناس. ومادام الناس يقرأون فإنهم يتأثرون، سواء بالسخط أو بالتمجيد أو بالمحاكاة أو باكتساب رؤية جديدة يقدمها العمل الأدبي. وعندما أقول إن الأدب يؤثر في الناس فإنني أعني الأدب الحقيقي. أما مدى هذا التأثيرواتجاهه وكنهه وفائدته، فكلها مشاكل تتلو النتيجة الأساسية من الأدب التي هي عملية التأثير. وأنا أرى أن الأدب يؤثر فينا فعلًا. فالعالم العربي الآن يتطور نحو الأعلى برغم النكسة. هناك كثيرون يقولون إن النكسة قد أعادتنا إلى الخلف. لكن ذلك غير صحيح. العودة إلى الخلف ظاهرية. وإنما هو في الحقيقة تطور نحو الأعلى. ففي حياتنا الآن قيم تسقط وترتفع قيم جديدة أخرى، وأذواق تسقط وترتفع أذواق جديدة. وربما لم يكن لهذا الجديد من النفوذ القوي ما للقديم، ولكنه سوف يستحوذ سريعًا على هذا النفوذ.. لاشك أننا نتغير فعلًا.. وللأدب أثر في تغيرنا هذا.

* لقد قصدت بتساؤلي أمورًا أخرى. لقد قيل في منتصف هذا القرن، وربما ما يزال البعض يقولون بذلك حتى الآن، أن عصر الرواية قد انتهى.. فالرواية ابنة البورجوازية في القرن الثامن عشر وما تلاه، وأنها ستنتهي مع انتهاء هذه الطبقة. كذلك، فإن القصة القصيرة تقلصت كثيرًا في مختلف أنحاء العالم ولعلها لا تعرف الإزدهار في الوقت الحاضر إلا في العالم العربي. هذا يعني انحسار أدب القصة والرواية -كما يقول بعض النقاد- بسبب تطور وسائل التعبير في الحضارة المعاصرة. فهناك السينما -ويسميها البعض وسيلة التعبير في القرن القادم- والمسرح الحديث والتلفزيون.. لقد أضحى شبه رأي عام أنه لم يعد للرواية وللقصة نفس التأثير الذي تمارسه السينما والمسرح في جماهير القرن العشرين.. فما رأيك؟

** إذا سلمنا بحقيقة مبدئية هي أن أشكال الفن ليست نتيجة عمل إرادي، بمعنى أن يجلس الكاتب إلى مكتبه ويقول: إن مجتمعنا بحاجة إلى قصة قصيرة، وسأكتب قصصًا قصيرة. أو أن مجتمعنا بحاجة إلى أن يزدهر المسرح فيه فيكتب للمسرح.. إذا سلمنا بهذه الحقيقة، فإن كل التخطيطات الإرادية لا يمكن أن تقود إلى الفن. والقانون السائد حتى الآن هو أن الفن يتبع الموهبة وليس العكس. وعلى هذا الأساس فإن تفسير انحسار أدب القصة من الغرب إنما هو بسبب عدم وجود الموهبة. هناك روائيون موهوبون، لكن ليس هناك كتاب قصة قصيرة لهم الموهبة الكافية التي تجعلهم يؤثرون في القصة القصيرة في الغرب. إنني أتحدث بحكم تجربتي أو اطلاعي. لقد زرت العالم كله تقريبًا، ولم أقابل كاتب قصة قصيرة واحدًا من وزن الكتاب الذين أنجبتهم أوربا في القرن التاسع عشر. قد نجد بعض المحاولين، ولكن بدون حماس، بسبب عدم وجود الموهبة. ولحسن الحظ، فإن الكتاب الموهوبين في القصة القصيرة في العالم العربي كثيرون. ولو كانت اللغة العربية قابلة للترجمة بشكل سريع وكفؤ لعرف العالم كله كتابنا ولأضحت الثقافة العربية من خلال القصة القصيرة العربية قد أثرت في الآداب الغربية، ولغدا لدينا “طاغورات” كطاغور الذي أثر في الأدب العالمي. لكن العقبة التي تقف في سبيل ذلك أننا مستغرقون أكثر مما يجب -ولدينا الحق في ذلك- بمشاكلنا المحلية من جهة، كما أن حركة الترجمة في النطاق العالمي ضعيفة، بل إن حركة تبادل الآداب مع آسيا وأفريقيا وبلاد العالم الأخرى مشلولة، وغير موجودة. وما يزال كتابنا ــ برغم أصالة مواهبهم ــ محدودي الانتشار. وأنا أعتقد أن ما يميزنا الآن هو القصة القصيرة. ففي أوربا الرواية والمسرح والشعر، وهذا يجعلنا نسهم في تكامب الأدب العالمي. ولست أقول ذلك غرورًا، أبدًا. وإنما أتحدث بموضوعية تامة. إن لدي مجموعات قصصية قصيرة من مختلف أنحاء العالم، وحتى كوريا وفييتنام.. وليس فيها ما يبهر.. ليس فيها غوركي آخر أو تشيخوف آخر ولا إدغار آلان بو آخر.

* لقد قلت بأنه لا مجال للإرادة في العمل الفني. الحقيقة أن هذا يتفق مع النظرية التي تتحدث عن شيطان الإلهام عند الفنان.. ولكن آلا نروب غرييه مثلًا يتحدث عن التخطيط في العمل الفني.. التخطيط المسبق، على اعتبار أن الإلهام والوحي قد صارا من مخلفات العصور القديمة.. فما رأيك؟

** يخطط؟!.. نعم، ولكن في مجال موهبته فقط، لا في مجال موهبة أخرى..فليت قادرًا على التخطيط كما لو أني موسيقي.. وأنا لست موهوبًا في الموسيقا.

* هل ينطلق الكاتب -عادة- من رغبته في أن يكون كاتبًا، أم لأنه يشعر أن لديه ما يقوله ويعبر عنه؟

** الكتاب الموهوبون حقيقة يبدأون الكتابة رغم إرادتهم، أي أن اكتشافهم لأنفسهم ككتاب كان صدفة وليس نتيجة بحث إرادي. أي أن المرء لا يستطيع أن يقرأ ويجتهد فقط ليكون كاتبًا. ونادرًا ما تكون المسألة بهذه البساطة فينبوع الفن يتفجر في الإنسان دون أن يتوقع ذلك مسبقًا.

 * هناك بعض الكتاب ينطلقون من الرغبة في أن يصبحوا كتابًا. أذكر على سبيل المثال الروائي الإنكليزي ف . س. نيبول، الحائز على أكبر جائزة أدبية في إنكلترا، الذي يقول إنه بدأ من الرغبة في أن يصبح كاتبًا أكثر مما بدأ من الرغبة في الكتابة نفسها. ولقد اقتضاه ذلك كثيرًا من المصاعب. فرغبة المرء في أن يكون كاتبًا تعني أنه واقع تحت تأثير الفكرة الرومانتيكية عن الكاتب.. ذلك أنه سرعان ما يواجه الموضوع الأساسي: ما هو الموضوع الذي ساكتب عنه؟ ماذا أريد أن أكتب؟.

** المشكلة ليست في ماذا نكتب.. وإنما هي عندما نكتب قصة قصيرة مثلًا، وأنا أتحدث عن القصة القصيرة لأنني أكتبها.. عندما أكتب فإنني لا أفكر أنني سأكتب قصة قصيرة، وإنما أنفصل عن كل شعور من هذا القبيل لأغوص  في عالم آخر أقوم بصنعه. الحقيقة أن الكاتب عندما يكتب لا يعي تجربة كتابة قصة قصيرة. والأمر الوحيد الذي يشد انتباهك، ويذهلك عن كل شيء فيما عداه، هو هذا الكون الصغير الذي تخلقه. فالمخلوق هو الذي يشدّ انتباهك وليست صفتك كخالق. وأنا أستغرب المثل الذي ذكرته. فأنا عايز أكتب، لكن لكتابة إيه؟.. إن الموضوع هو الأساس.. وهو الجانب الوحيد وليست إرادة الكتابة.

* حسنًا. عندما كتبت رواية “الحرام”.. كيف حدث وكانت رواية ولم تكن مسرحية أو قصة قصيرة مثلًا.. أولم تفكر في القالب الذي ستصب فيه الموضوع قبل البدء بالكتابة؟

** الحقيقة أنني لم أصمم كتابة رواية. لقد كنت أكتب القصص دون أن أعرف إلام ستنتهي وكيف، أو ماهي المشكلة التي ستتضمنها.. هناك سديم من الإحساس أو الأفكار يجذبني إليه، وهو يأخذ في التشكل أثناء عملية الكتابة..فإذا طال أو قصر فإنما يحدث ذلك بفعل قوانينه الداخلية وحسب إحساسي به. واعذرني لأني أتحدث عن نفسي، إذ لا أستطيع في الحديث عن الكتابة أن أنفصل عن تجربتي الخاصة. ففي رأيي أن الكتابة هي نتيجة قوة روحية عند الكاتب مخزونه فيه. وحسب حاجة الموضوع للقوة الروحية يتحدد حجمه ونوعه. إنما الأساس هو وجود مخزون من القوى الروحية أو الوجدانية كافيًا لخلق الشيء.

* لكن من أين جاءت هذه القوى الروحية؟ أوليست هي نتيجة عوامل اجتماعية وثقافية وبيولوجية معينة؟

** الحقيقة أنها نتيجة تغير السلالات من ناحية الأب ومن ناحية الأم. ولهذا فليس ضروريًا أن يكون ابن الكاتب كاتبًا. والقانون العام أن ابن الكاتب لا يكون كاتبًا. فلقاء فرعين من فروع الحياة، وحدوث تفجر معين في أحد الفروع هو وليد الصدفة، ونادرًا ما يتكرر في الجيل الواحد.

* هل تعيد النظر في ما تكتب بعد أن تكتب عادة؟

** الذي يحدث أنني حينما أنهي العمل وأعيد قراءته يستيقظ فيَّ الناقد، وربما شعرف إذ ذاك بوجود نشاز وعدم توازن، لكن الأمر يتعلق بطبيعة الكاتب في الحقيقة. وفيما يتعلق بي، فإن العمل الفني يخرج كاملًا مكونًا وتام التكوين. إنه عبارة عن تلقائية كاملة. ولقد يحدث أحيانًا أن القصة التي أحار في اختيار عنوان لها لا تعجبني غالبًا. أما القصة الجيدة فهي تخرج بشكلها وبتركيبها وبعنوانها.

وعندما كنت أبيِّض قصصي، فإن الذي يحدث هو أن النسخة الثانية تكون عبارة عن قصة مختلفة تمامًا عن النسخة الأولى. إن أكثرية كتاباتي هي الدفقة الأولى، فإذا ما حاولت إعادة كتابتها تغيرت كليًا. ربما تحسّن وضعها أو لغتها، إنما لابد من أن يتغير مذاقها تمامًا.. وهي تغيرات لا يمكن أن يلاحظها سواي، علمًا أنني في العادة أفضل “القطفة الأولى” كما يقولون!.

* تجربتك كما يبدو تختلف عن تجارب كثير من الكتاب. من حيث إن هناك بعض الكتاب الذين يعيدون كتابة أعمالهم عشرات المرات أحيانًا قبل دفعها إلى الطبع وذلك بناء على مفهوم معين لقانون العمل الفني: قصة، أو مسرحية، أو.

** أنا أحب هذه الطريقة جدًّا، ولكني لا أعرف أن أقوم بها. لقد كان توفيق الحكيم يحدثني حول هذه النقطة بالذات، ويقول لي إن الفرق بيني من جهة وبينه وبين نجيب محفوظ من جهة أخرى، أنهما يكدحان كثيرًا في عملية الكتابة، في حين أنه يتصور ــ أي توفيق الحكيم ــ أنني  “أغمض عيني كده.. وأشرب فنجان قهوة، وتروح طالعة القصة..!” وهذا صحيح إلى حدٍّ ما. فهما يتعبان كثيرًا، أما بالنسبة لي، فليست فترة الكتابة هي أصعب فترة عندي.. وإنما هي فترة قصيرة جدًّا.

* فترة اختمار الموضوع؟

** لا.. ليس بالضبط. الحقيقة أن الكتابة عملية غريبة جدًّا، وإذ أفكر فيها فإنني أفكر فيها كطبيب.

* نحن انتقلنا على ما يبدو إلى مشكلة الإبداع الفني!.

** بالضبط. لقد انتقلنا إلى عالم مختلف، الذي هو كيف يكتب المرء؟ إن الواحد منا يحسّ أحيانًا أنه لم يكتب ولن يكتب كل عمره. وهذا الأحساس لا يستمر للحظة وإنما قد يستمر شهورًا. وهو إحساس أو شعور يشبه شعور السيدة التي مضى عليها عشرون عامًا دون أن تنجب ثم وصلت إلى شعور اليأس من الإنجاب، وأجارك الله من هذا الشعور. وعندما يهيّأ لك أنك ستجلس للكتابة، وأنك قد بدأت تكتب بالفعل، تشعر وكأنك ستكتب فعلًا للأبد بدون انقطاع. فإذا بك، بعد أن تنهي عملًا ما، تجد نفسك غير قادر على الانسجام مع العملية العقلية التي تتلو الكتابة.. الحقيقة أنني أبحث عن الكاتب الذي يؤلف الحرف بالنسبة له قضية حياة أو موت، الذي إن “خبطت دماغه عشرين مرة في الحيط مش حيغير الجملة دي علشان تتلاءم مع الجديد أو القديم أو الفولكلور أو القصة العربية أو القصة المحلية..”. أنا أكتب. فإن كان ما كتبته قصة عربية فهذا حسن، وإن لم يكن كذلك.. طظ.. حتى لو لم أكن كاتبًا على الإطلاق.. فذلك ليس من الأهمية بمكان. المسألة الأولى هي الكتابة، وهي مهمة إلى الدرجة التي تلغي معها أي تنميق أو افتعال تكنيك.. إذ عندما سيقرأها سيتضح إن كان صادقًا. فكلمة صادقة خير من مليون تكنيك.

* إن التكنيك يكون عادة نتيجة غنى الموهبة أصلًا، غناها الثقافي وغناها الحياتي. وأعتقد أن التكنيك يساعد على إيصال الكلمة الصادقة إلى نفس القارئ.

** لقد اكتشفت من واقع تجربتي الشخصية أن الكلمة المؤمنة تخرج من قلم الكاتب مخلوقة، مكونة تكنيكيًا تكوينًا تامًّا، وتظل حيّة. وإلا فإنها تكون مجرد تشكيل لغوي. والحقيقة أن مشكلتنا في العالم العربي ليست مشكلة فن ولا ثقافة.. وإنما هي مشكلة إخلاص. فحتى لو أخلصنا في عملنا “نبقى كويسين”.. الازدواجية تعكس المصيبة الحقيقية.. فالثوري الحقيقي هو الذي يترك مناقشات المثقفين جانبًا و “يروح يعمل ثورة”.. وليمت فيها.. فليس هذا هو المهم. كذلك الكاتب، فسواء أعجب النقاد أم لم يعجبهم، وسواء أكان نتاجه جديدًا أم قديمًا.. هذا لا يهم. ليقل ما يشعر به. إنه الصدق، وليرمِ صورة الناقد من ذهنه ومن مخيلته. وأنا أقول للشباب الذين يأتونني لأنشر قصصهم: يا أخي.. لو كانت هذه الكتابة صادقة لحملت نفسها للجرنال.. كان انتقل لها الجرنال. لكن الكتابة الصادقة في هذا العصر نادرة لأنها تحتاج لأن توضع الحياة مقابلها. أذكر أنني عندما كنت أكتب مسرحية “الفرافير”، كنت أترك لزوجتي كل ليلة ورقة أكتب بها ما تبقى من المسرحية، ما لم أكتبه بعد، لكي تتممها إذا مت. لأنني كنت أحس أن هذه هي آخر كلمة أقولها للناس، وهي تساوي عمري كله.. ويخيل لي أننا لو أخذنا أي عمل ومنحناه حياتنا، مهما كان هذا العمل، حتى لو كان تصليح آلات التسجيل، فإننا سنبلغ آفاقًا فنية ضخمة.

* الإخلاص للمهنة.. وبالأحرى للنفس، هو ما يحقق وجود الإنسان.. عبر الكتابة أو عبر أية فعالية أخرى من فعاليات الحياة.

** بالضبط. حقق هذا الإخلاص والعمر قصادك.. تبقى تحقق الشيء.. أي شيء إنت عايزه.

* أود الآن أن ننتقل للحديث عن مشكلة أخرى تتعلق بالكتاب الشباب. فقد نشرت مجلة “الطليعة” القاهرية منذ أكثر من عدد شهادات واقعية للأدباء الشبان في القطر المصري. وأعتقد أن المشكلة التي يشتركون جميعًا في معاناتها، هم وآخرون في الأقطار العربية الأخرى، هي أنهم لم يجدوا الأكتاف القوية التي يقفون عليها.. في كل البلاد العربية، لا يجد الكاتب الشاب، إذا أراد أن يكون مخلصًا لواقعه ولعصره، أي كاتب من الجيل القديم يمكن أن يؤلف بالنسبة له قاعدة الانطلاق. إنهم كما قال بعضهم مثل نبات شيطاني.. ولأتحدث عن واقع تجربة شخصية. لقد كان الكاتب الأول الذي قرأت له هو العقاد. وقد أعجبت بالعقاد إعجابًا شديدًا من خلال أحلام البطولة والعبقرية والقوة التي كانت تتألق في وجداني، والتي كان العقاد يتقصى أسبابها في سير عظماء الإنسانية التي عرفت فيما بعد بـ”العبقريات”. ووصل الأمر بي إلى أن خيِّلَ إليّ وأنا في السادسة عشرة أنني يمكن أن أكون امتدادًا للعقاد. وكتبت له ذلك الوقت عن ذلك وكتب لي. لكني بعد عشر سنوات فقط تبخرت كل هذه الأحلام الرومانتيكية، فاختلفت نظرتي للعقاد، ورحت من جديد أبحث عمن يمكنني أن أعتبره قاعدة الانطلاق. وفي الحقيقة كانت نتيجة البحث خيبة أمل كبيرة. فالعقاد لا يمكن أن يكون مثل هذه القاعدة. وطه حسين -على الرغم من خدماته العظيمة للأدب العربي ومحاولته دراسة التراث القديم بمناظير ومناهج حديثة- لا يمكن له أيضًا أن يؤلف مثل هذه القاعدة. إنني، كشاب عربي، أجدني مضطرًا لأن أبدأ شق طريقي وسط غابة تتشابك فيها فروع أشجار التراث القديم والتراث الغربي والحياة والحضارة الغربية والمشاكل المحلية دون أية مصابيح. الشاب في فرنسا مثلًا، ما إن يبلغ العشرين من عمره حتى يكون قادرًا على أن يحيا مشاكل عصره تمامًا. ذلك أنه يكون قد قرأ وهضم تراثه من راسين وموليير حتى بروست، ومن ديدرو حتى برغسون، بحيث أنه يمكن له أن يفهم ثورة آلا نروب غرييه في الرواية، وثورة سارتر في الفلسفة.. الشاب الكاتب هناك يمكن أن ينطلق من هذه الأكتاف جميعًا، بدليل أن أي شيء جديد يقدمه كاتب ما لا بد له أن يرتبط بالضرورة بالتراث، بشكل أو بآخر.. فالرواية الجديدة مثلًا تجد جذورها في روايات أندريه جيد.. والتساؤل الطبيعي في هذه الحالة: أين هي الأكتاف التي يقف عليها الشاب العربي، كاتبًا أو غير كاتب؟  

** والله يا عزيزي للأسف الشديد إنها أكتاف قليلة.. بل وقليلة جدًا. ومشكلة الأدب العربي في رأيي مشكلة اجتماعية وحضارية ولغوية. ذلك أن الجري وراء الفصاحة اللغوية، وراء قداسة اللغة العربية باعتبارها اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، وعبادة اللغة العربية إن صح هذا التعبير أبعدنا عن الفن باعتبار الفن هو الشيء الأساسي واللغة وسيلة له. ولكن اللغة عندنا انقلبت من وسيلة إلى هدف، وصار أدبنا أبدًا لغويًا أو لغة مؤدبة بمعنى أصح. وظل هذا يحدث خلال مئات السنين إلى درجة أن الكلية التي كانت تخرّج الكتاب عندنا هي الأزهر، وهو منبر الدين واللغة..

وعندما تقف هنا على أكتاف، فإنك تقف إذن على أكتاف لغوية، لا بل إنها أكتاف لغوية غير متطورة. إذ أن المنحى الحضاري الذي سار بحسبه التطور اللغوي كان مضحكًا. فبينما المفروض والسنّة في التطور أن يحاول الناس تقليد الجديد، سار التطور في اللغة العربية على أساس أن يقلد المحدثون القدماء كالجاحظ والأصفهاني والهمذاني.. وبذلك فإنهم وضعوا “فرامل” لغوية وتاريخية شلَّت الفكر العربي وشلَّت بالتالي الوجدان العربي. وإن المرء ليدهش من كوننا لا نزال غارقين في تشبيهات انتهى عهدها منذ زمن بعيد، ولم يعد لها أية علاقة بحياتنا.. خذ مثلًا: ثالثة الأثافي.. وأين هي الأثافي؟ دي الوقت عندنا البوتوغاز وعيون البوتوغاز. أريد أن أقول إننا نتطور جسديًا بينما نحن عقليًا مرتبطين بالماضي، بالعصر الذهبي القديم. نحن شعب غريب.. عادة الشعوب أنها تحلم بتحقيق عصر مستقبلي. بينما نحن نحلم بتحقيق عصر سلفي.. هذه المسألة خطيرة جدًا. فالمطلوب من الشاب أن “يضرب عظيم سلام” لهذا التراث كله وآخره العقاد، وأن يذهب إلى تراث مواز آخر، ولكنه أكثر تعبيرًا عن الحياة في كل العصور. فأبو الفرج الأصفهاني والجاحظ وغيرهما كانوا ملتصقين بالدولة في سلطتها الدينية وسلطتها اللغوية، بينما كان الشعب حرًا في ذلك الوقت، كانت أغانيه تتطور ومخيلته تتطور، وإن كان هذا التطور بطيئًا لأنه محكوم بتطور السلطة نفسها. لكن تطوره على الأقل كان أكثر من تطور الآداب الرسمية إذا صح هذا التعبير. فعلى الشاب الذي يبحث عن أكتاف يقف عليها أن يبحث في الأدب الشعبي.. كي يرى شعبه وتاريخه وتاريخ آبائه.. لا أن يبحث عند الكتاب الرسميين. أما في ما يتعلق بآبائه المحدثين فإنهم يبدأون مع شعراء المهجر وكتابات توفيق الحكيم ونجيب محفوظ.. وهم أناس لا يصلحون أن يكونوا آباء بالمعنى الزمني للأبوة، لأن الأبوة تحتاج إلى زمن. فمن الممكن للكاتب في الاتحاد السوفييتي اليوم أن يقول: إن تشيخوف أبي. وتشيخوف مات منذ ستين سنة فقط. إنها أبوة معاصرة، وبالأحرى أكتاف أخوة كبار وليس أكتاف أجداد. وتلك هي الأكتاف التي يمكن للكاتب الشاب أن يقف عليها. لقد سبق لي أن قلت منذ زمن بعيد أن على الكاتب العربي مهمة مخيفة جدًا. إنها مهمة اختصار التطور الذي كان يجب أن يحدث في ألف سنة إلى سنة واحدة، وأن عليه أن يقطع هذه الألف سنة ثم الخمسمائة سنة التي تفصلنا عن المركز العقلي والوجداني العالمي.. إن عليه أن يقطع مرحلتين خطيرتين جدًا. أن يستحضر الوجدان من ماضيه العتيد إلى حاضره ثم أن يرتفع من حاضره إلى القمة التي وصل إليها العالم.

* هذا يستدعي إلى الخاطر سؤالًا جديدًا. إذا كانت مهمة الكاتب العربي هي كما تحثت عنها، وهذا صحيح إلى حدٍّ كبير، فما هي الأسلحة أو الوسائل التي تساعده على تحقيق هذه المهمة؟ هل هي أسلحة ثقافية؟ ما هو نوعها إذن؟ أم حياتية.. أم كلاهما معًا؟

** هذا السؤال أساسي جدًا ولديك الحق في طرحه. لأنه كان من المفروض أن تقوم جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية على امتداد الوطن العربي بتحضير هذه الأسلحة، وذلك بأن يقوم خبراء بدراسة التراث وتقديمه بشكل يتيح للشاب فرصة دراسته في سنة مثلًا. وعندما تقوم بهذه الدراسة  فإنك ستتمكن بإرادتك وكفاءتك ومواهبك الشخصية أن تبني. لكن مثل هذه العملية لا زالت إلى لحظتنا الراهنة ملقاة على عاتق كل فرد من أبناء أمتنا. وهذا يعني بكل أسف أيضًا أننا لم نبق للأجيال الحاضرة وللأجيال القادمة القاعدة الفنية أو الثقافية التي يمكنهم الانطلاق منها. لقد كنت أنتظر من المؤسسات الثقافية في مختلف أنحاء العالم العربي أن تتكاتف وتتعاون على الأقل للقيام بهذه العملية. إذ لا ينقصنا الخبراء ولا الأساتذة. فنحن نملك منهم من هم على مستوى عالمي من الكفاءة والقدرة على القيام بهذه المهمة: مهمة الحصر الفني والثقافي والتاريخي سواء للأدب الرسمي أو للأدب الشعبي.. لكن للأسف، لم يحصل شيء من هذا.

* لقد قامت محاولات في هذا السبيل. لست أعني بالطبع مجرد نشر التراث القديم، وإنما محاولة حصره ودراسته دراسة حديثة، منها محاولة بُدِئ بها في منتصف عام 1966 من قبل أحد دجور النشر ببيروت، وأسهم فيها عدد من الأساتذة. ولقد شاركت شخصيًّا في هذا المشروع الذي قطع مراحل عديدة، وكان عبارة عن إعادة دراسة للشعر العربي منذ العصر الجاهلي حتى عصرنا الحاضر. لقد أوشك المشروع على الانتهاء في الواقع، ولكنه كلف مبلغًا خياليًا لم تكن المؤسسة نفسها تتوقعه. ذلك أنها كانت تضع في مشاريعها أن تفعل الشيء نفسه لباقي التراث العربي.بيد أنها كادت تشرف على الإفلاس أكثر من مرة، وكاد المشروع الأول يدفعن في ريعان شبابه.

** ما أريد أن أقوله هو أنه بدلًا من أن تقوم بمثل هذا المشروع مؤسسة في بيروت، تتأثر من وطأته، فلم لا تتعاون باقي المؤسسات في القاهخرة ودمشق وبغداد والجزائر و.. إن تراثنا واحد، وهو ما يجب علينا أن نتعاون كي نحميه، وإلا ..فلم نحارب إذن؟ هل نحارب لنحمي عددًا من البيوت وكميات من الزرع؟ هذه حضارة، وما لم نكن على وعي تام بكمِّ وحجم هذه الحضارة التي ندافع عنها، فإننا لن نستطيع الدفاع عنها.

* هل تعتقد أن الحركة الجديدة من الأدباء الشباب الذين يطالبون بالمقاعد إذا صح التعبير، مقاعد الأدب في الصحف والمجلات ودور النشر.. هل تعتقد بكفاءتهم.. هل أوجدوا شيئًا جديدًا يتناسب والضجة التي يثيرونها؟ هم يطالبون بفسح المجال للنشر، فهل أنتجوا شيئًا جديرًا بالنشر أصلًا؟

** الفرق بين الأدب والعرش فرق بسيط جدًّا. العرش يمكن أخذه بالمطالبة، أما المطالبة  بعرش الأدب فإنها تغض من قيمة الطالب. ثم إن الجدير -من ناحية أخرى- ليس هو الذي يقول عن نفسه بأنه جدير. فأنا عندما أقرأ لصاحب لي قصة من قصصي فلا يتحمس لها كما أتوقع، فإني لا أرميه بقلة الفهم، وإنما أقول في نفسي: إنه لا بد من وجود عيب ما في القصة. وأروح أبحث عنه. فأن ترسل قصة لمجلة ما ثم لا تنشر، هذا لا يعني أنهم يحاربونك فلا ينشرون لك. ولم يحاربونك؟ أنا أعتقد أن أية مجلة في الوطن العربي ترحب جدًا بنشر قصص جيدة. وليست مسألة النشر بحاجة إلى مسدسات. فنحن فقيرون جدًا في عدد الذين يكتبون، وحتى في من يحاولون الكتابة، رغم كثرتهم الظاهرة. لأنهم بالمقارنة مع سكان وطننا قليلون. إنني في الحقيقة أحبهم وأحب الجيد من إنتاجهم، ولكنني أرى الضجة التي يثيرونها تقلل من قيمتهم.. يعني أنا لما كنت أعمل في مجلة “روز اليوسف”، وبعدها في مجلة “الكاتب”، كنت أنشر كل قصة جيدة تردني وأكتب لها مقدمة دون أن أعرف كاتبها.

* أذكر أنك نشرت في “الكاتب مرة قصة لكاتب من دمشق هو عبد العزيز هلال، وكتبت مقدمة عن هذه القصة.

** صحيح.. القصة هي التي تفرض نفسها، فلا حاجة للشكوى. فليكتبوا، وتبقى مشكلتهم ليست النشر، وإنما كيفية نقل عوالمهم الداخلية ورؤاهم إلى الناس. وليست المسألة ــ كما يتصورون ــ أن الناس لا تتقبل هذه العوالم.. هذا ليس تحاملًا والله.. وإنمات بمنتهى الموضوعية.

* الحقيقة أنني ـ-كمسؤول أدبي في مجلة “الطليعة” الدمشقية- أعاني نفس المعاناة التي يعانيها أي مسؤول أدبي في أية مجلة.. أ‘ني الحاجة إلى قصة جيدة للنشر.. إن القصة تفرض نفسها في الحقيقة.

** بالضبط. أرجو أن تنشر هذا على لسانك أنتَ أيضًا.

* تعليق على مسألة اللغة. نحن مازلنا إلى الآن نعتبر كتابات القدماء هي المثل الأعلى في الكتابة الأدبية. وأحب أن أعرف رأيك في محاولة قصصي شاب من مصر هو جمال الغيطاني الذي كتب عدة قصص قصيرة، وبعضها منشور في مجموعته “أوراق شاب عاش منذ ألف عام”، بأسلوب كتابة ينتمي إلى عصر الانحطاط. أسلوب كتاب السير الشعبية والتاريخ القصصي القديم.

** إن محاولة جمال الغيطاني لطيفة وطريفة إلى حدٍّ بعيد. لكن مشكلتها أنها تصلح لقصة واحدة فقط، ولا تصلح لأن تكون طريقة لكتابة القصة. لأن الطريقة التي كتب بها إنما تنتمي إلى عصر نكسة اللغة العربية والأدب العربي. وهي طريقة ــ في الأصل ــ ممجوجة من قبل أذواقنا الحالية. إنما الجيد في جمال الغيطاني أنه أخذ هذه الطريقة وجعلها صالحة للقراءة. على كل حال إنني أرى أن طريقة ما إذا صلحت لقصة فإنها تفسها لا تصلح لقصة ثانية أو موضوع ثان أبدًا.

* لقد اعتبرتُ استخدام جمال الغيطاني لهذا الأسلوب في موضوع التعبير عن النكسة، تعبيرًا عن النكسة بالذات. بمعنى أن النكسة لم تكن عسكرية وحسب، وإنما نكسة موجهة لحضارتنا التي تمثلها اللغة العربية. فالكتابة بأسلوب عصر نكسة اللغة العربية محاولة للتعبير، بالشكل أيضًا عن هذه النكسة. هذا طبعًا تفسير نقدي لا أدري إن كان جمال الغيطاني قد هدَفَ إليه بالذات.

** هذا جائز. ولهذا السبب أنا سررتُ منها. لكن فقط أن تكون لقصة واحدة. إذ ليست العملية آرابسك أو زخرفة.. وأنتَ لا تزخرف، وإنما أنت منفعل، ولا يمكنك أن تطوع انفعالك وتطحنه حتى يتحول إلى مجرد زخرفة لفظية كزخرفة “رجوع الشيخ..”. إن الزخرفة تمحو الانفعال. والانفعال شيء رقيق جدًا، يسارع الكاتب لالتقاطه بأحد الأصابع اللغوية ويسجله حالًا. وإلا فإنه يضيع إذا ما أدخله في سراديب اللغة والمحسنات حتى ولو كان ذلك في سبيل إكسابه طرافة.. وقد أنفعل لهذه القصص عقليًا، لكنك لا تستطيع أن تخلق فيَّ رغبة المشاركة الوجدانية.. وإنما عندما يقوم الكاتب بنسيان مسألة المقدسات اللغوية أو البديعية، وينفذ إليَّ بأبسط الطرق لتوصيل انفعاله. إذا ذاك أنفعل.. لكن تجربة الغيطاني في الحقيقة تجربة لطيفة جدًّا.

 __________

(**) جرى هذا الحوار مع يوسف إدريس خلال زيارته دمشق، ونشر في مجلة الطليعة، العدد 184، الصادر يوم السبت 27 كانون الأول 1969، الصفحات: 36 ـ 41.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق