ترجماتسلايدر

حقائق قاسية عن الاتفاق الأميركي التركي حول سورية

أثار قرار إدارة ترامب سحب القوات الأميركية، من أجزاء من شمال شرق سورية الخاضع للسيطرة الكردية، لإفساح المجال لغزو تركي للمنطقة، ضجةً. هناك أسباب عديدة توضح أسباب موجة الانتقادات لخطوة واشنطن، بما في ذلك المواقف الحزبية تجاه الرئيس، ووجهة نظر جزئية عن رقعة الشطرنج السورية المعقدة[1]، وسوء فهم لدور القوات الأميركية والكردية في سورية، وفشل في مراعاة الإستراتيجية الأميركية الأوسع نطاقًا. مع استقرار العاصفة، هناك حاجة إلى تفكير واضح حول البحث في الأسباب التي أدت إلى هذه اللحظة، وما يجب القيام به لتخفيف التكاليف ومنع حدوث فراغ أمني. يجب أن تتأكد إدارة ترامب من أن تركيا ستتوصل إلى تفاهم مع الأكراد السوريين، وأن المكاسب التي تحققت ضد (داعش) لن تضيع.

بعد محادثة هاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، أصدر السكرتير الصحفي للبيت الأبيض إعلانًا ليلة الأحد، بأن تركيا ستنفذ قريبًا عمليتها العسكرية المخطط لها منذ مدة طويلة في شمال شرق سورية[2]، وأن القوات الأميركية ستخرج من المنطقة. أوضح البيان كذلك أن الأتراك سيكونون مسؤولين عن جميع مقاتلي (داعش) الذين تم أسرهم خلال العامين الماضيين. صباح يوم الاثنين، غرّد ترامب: “إن الولايات المتحدة لن تتورط في صراعات مفتوحة، ولن تقاتل إلا من أجل المصلحة الأميركية، وحيث يكون النصر ممكنًا”. وقال: “إن على تركيا وأوروبا وسورية وإيران والعراق وروسيا والأكراد معرفة الوضع الآن”.

النقد والقيود

أثارت هذه الخطوة انتقادات شديدة[3]، لأسباب مختلفة: أولًا، لأن النقاد يصفون القرار بأنه خيانة للأكراد السوريين. ثانيًا لأن هذه الخطوة ستسهل عودة داعش. ثالثًا لأنها ستسمح لإيران بترسيخ نفسها في سورية. كل هذه الحجج صحيحة، جزئيًا، والعواقب المحتملة لقرار واشنطن ليست حتمية.

الضحية الأولى الناتجة عن النقد الحزبي هي غياب التحليل الموضوعي والصادق للوضع، خاصةً عندما يخرج النقد من المسؤولين الحكوميين السابقين المعارضين للبيت الأبيض ضد قرار معين. في حالة إدارة ترامب، تضاعفت هذه الديناميكية كثيرًا بسبب المشكلات المتعلقة بالسمعة وسجل التتبع، وعدم القدرة على التعبير المتسق عن الإستراتيجية وخيارات السياسة الأميركية. في هذه المعمعة، ما يضيع هو أن هناك اختلافًا بسيطًا للغاية في السياسة من إدارة إلى أخرى، وتدور معظم الاختلافات، عادةً، حول كيفية تطبيق السياسة.

غالبًا ما ننسى أن القيود التي تواجهها الولايات المتحدة، بشأن أي قضية متعلقة بالسياسة الخارجية، لا تتغير من إدارة إلى أخرى. لهذا السبب لم تكن إدارة أوباما مهتمة بالتورط في سورية، فسورية بلد محطم، وبالتالي من الصعب للغاية التعامل معها. وأن العمل مع أي طرف، أو وفق أصحاب المصلحة، يؤدي حتمًا إلى مشكلات مع طرف آخر. ومع ذلك، ليس بالضرورة أن تكون محصلة اللعبة صفرًا.

حسابات واشنطن

لطالما أرادت الولايات المتحدة من تركيا أن تأخذ زمام المبادرة، في إدارة تهديد داعش والصراع السوري الأوسع. حاولت إدارة أوباما القيام بذلك، ولكن كانت هناك خلافات استمرت حتى وصول ترامب إلى البيت الأبيض؛ ذلك أن قتال (داعش) بالنسبة إلى الأتراك، يأتي تاليًا لمواجهة الأكراد. الآن، بعد أن أضعفت الولايات المتحدة -من خلال تحالفها التكتيكي مع الأكراد السوريين – قوةَ (داعش)، كانت بحاجة إلى إصلاح علاقتها الاستراتيجية مع الأتراك. كان على واشنطن أن تجد طريقة لتحقيق هدفها الأصلي المتعلق بتركيا، وهو ما ناقشتُه في مقالة سابقة[4] منذ ما يزيد قليلًا عن عام مضى: ما ثمن الاعتراف بالضرورات التركية تجاه سورية[5].

بعد التدخل العسكري الأميركي عام 2003 في العراق، توصل الأتراك إلى ترتيب مع الأكراد العراقيين، على الرغم من أنهم عارضوا ذلك بشدة. وبالمثل، سوف يقبلون في نهاية المطاف شكلًا محدودًا من الحكم الذاتي للأكراد السوريين، ولكن ليس حتى تشعر أنقرة بالراحة، وبأن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وجناحه العسكري ووحدات حماية الشعب، لا يشكّل تهديدًا على تركيا. إن فكرة أن الاتفاقية مع تركيا ترسل رسالة خاطئة إلى حلفائنا الذين حاربوا داعش، في الحقيقة ليست مجرد حجة، لأن هؤلاء الحلفاء سيقاتلون داعش على أي حال. في الواقع، من خلال وضع المسؤولية على الجهات الفاعلة الإقليمية، تحاول واشنطن إيصال فكرة أن الولايات المتحدة لن تقوم دائمًا بالعبء الثقيل، عسكريًا وماليًا، في الصراع.

بالطبع، هناك خطر كبير من أن يسهّل الصراع التركي الكردي عودة داعش. ولكن ليس بالضرورة. حيث تتمتع واشنطن بنفوذ كافٍ مع كلا الجانبين، للتوصل إلى ترتيب بين أنقرة والأكراد السوريين. من الجدير بالذكر أن الرئيس ترامب حذر تركيا من المضي بعيدًا في تدخلها العسكري المخطط، كما أن الأكراد السوريين كانوا يعتمدون منذ مدة طويلة على واشنطن لإدارة التهديد التركي.

طبيعة العلاقة الأميركية الكردية

في غياب صفقة مع الأتراك، كان الأكراد الوكيل الطبيعي للولايات المتحدة لمحاربة داعش، بسبب العامل الجغرافي إلى حد كبير. لكن أميركا لم تعتبر الأكراد مقاتلين دائمين لداعش، على المدى الطويل في استراتيجيتها، لأن المناطق التي كان يسيطر عليها في السابق الجهاديون كانت ذات أغلبية من العرب السنّة، ووضع هذه المناطق تحت السيطرة الكردية سيُعيد خلق الظروف ذاتها التي استغلتها (داعش) للاستيلاء على تلك الأرض. صحيح أن تركيا ليست عربية، لكنها سنّية، وتتمتع بدرجة كبيرة من النفوذ بين العرب السنة السوريين الذين ليس لديهم راعٍ آخر قادر على حماية مصالحهم ضد نظام سوري، وتأثير متزايد إيراني/ شيعي.

من الناحية الجيوسياسية الموضوعية البحتة، فإن تركيا، على عللها، هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي لديها القدرة على التدخل في سورية. إنها أيضًا حليف للناتو، لا تستطيع واشنطن أن تخسرها أمام موسكو. لقد ابتعدت تركيا بالفعل عن الغرب، على العديد من المستويات المختلفة، وستواصل الانجراف، ما لم يتم التعامل معها. في هذه المرحلة، يبدو أن المصالح الأميركية والتركية تتقارب، من حيث إن أنقرة تريد أن تلعب دورًا رئيسًا في سورية والمنطقة، والولايات المتحدة بحاجة إلى تركيا للقيام بذلك.

لقد مثّل الأكراد السوريون جوهر الخلاف الأميركي التركي، الذي كان لا بد من حله. يدرك الأكراد أنفسهم أن الأميركيين لم يروهم كبديل لتركيا. لقد أدركوا أن لهم علاقة تكتيكية مع واشنطن ضد داعش، وأن الولايات المتحدة كانت لديها قضايا أكثر استراتيجية، وأن معالجتها توجب العمل مع تركيا. على سبيل المثال، كانت إيران المستفيد الأكبر من هزيمة داعش.

تركز الولايات المتحدة بشدة على مواجهة طموحات طهران التوسعية. من نواح كثيرة، تمثل إيران تهديدًا أكبر من داعش. وتُعدّ تركيا منافسًا طبيعيًا لإيران، واللاعب الإقليمي الوحيد القادر على عرقلة مشروع الجمهورية الإسلامية، ولكن بشرط أن تتمكن

من لعب دور رئيس في سورية. كان قرار واشنطن هذا الأسبوع هو الخطوة الأولى نحو هذا الهدف.

احتاجت الولايات المتحدة إلى إدخال تركيا إلى سورية، وهي تنتقل من الهدف المباشر المتمثل في هزيمة داعش، إلى قضايا الاستقرار الأكثر تعقيدًا، والتعامل مع نظام الأسد، ومواجهة إيران وروسيا. كل هذه القرارات السياسية محفوفة بالمخاطر. في الوقت الحالي، يجب على إدارة ترامب ضمان عدم وجود صراع بين القوات الكردية والتركية والسورية. إن تحقيق تفاهم، بين أنقرة والقوات التي يقودها الأكراد في شمال شرق سورية، سوف يقطع شوطًا طويلًا نحو إبقاء (داعش) في وضع حرج، ويساعد في اتجاه معالجة القضايا الأوسع المتعلقة بسورية والمنطقة.

العنوان الأصلي للمقالة Hard Truths About the U.S.-Turkey Deal on Syria
الكاتب كامران بوخاري
المصدر المركز العالمي للسياسات
الرابط https://www.cgpolicy.org/articles/hard-truths-about-the-u-s-turkey-deal-on-syria/
المترجم محمد شمدين

[1] A Syria Strategy Based on Battlespace Realities: https://www.cgpolicy.org/articles/a-syria-strategy-based-on-battlespace-realities/

[2] Statement from the Press Secretary: https://www.whitehouse.gov/briefings-statements/statement-press-secretary-85/

[3] GOP Allies Criticize President Trump’s Syria Withdrawal Announcement: https://time.com/5694306/trump-syria-troops-criticism/

[4] Towards A New U.S. Turkey Policy https://www.cgpolicy.org/articles/towards-a-new-u-s-turkey-relationship/

[5] https://www.youtube.com/watch?v=h1S6fPynhF0

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق