قضايا المجتمع

أنزور و”رجل الثورة” والثقافة الصفراء

 

أنا نجدة أنزور، فمن أنتم! أنا رجل الأسد، فرجال من أنتم، في جعبتي الكثير من الدمامل، تضخمت في زمن التوحش، أفقأها أنا والعالم المتناغم معي، في أعينكم. من أنتم؟ بضعة لصوص تسرقون الهواء في ملاجئكم لتتنفسوا، وتبحثون عن كسرة خبز في زوايا قهركم لأجل أطفالكم، وتحرثون الخراب الذي صنعته حداثة العصر بأظافركم، كي تحاولوا استنطاق الجثث ببعض الروح لتعرف قاتلها.

في فيلمه الجديد “رجل الثورة” الذي عمد أنزور ومن معه إلى الإسراع في إنجازه، خلال أيام معدودة؛ ليواكب حملة قوات نظامهم على ما تبقى من أرواح في غوطة دمشق الشرقية، وليستعرَض بالتوازي مع ترشيح فيلم (آخر الرجال في حلب) إلى جائزة الأوسكار، هذا الفيلم الذي دفع نظام الأسد وروسيا وأدواتهما إلى الاستنفار بكافة الوسائل للتقليل من أهميته، لكونه يفضح جرائمهم، كما سبق أن فعلوا مع فيلم (الخوذ البيضاء) الذي حصل العام الفائت 2017 على جائزة الأوسكار.

بدأ عرض فيلم أنزور الذي كتب السيناريو له “حسن م. يوسف”، وأخذ دور البطولة فيه الممثل سيف الدين سبيعي، في شباط/ فبراير الماضي، بعرض خاص في دار الأوبرا بالعاصمة دمشق، ولكون الفيلم موجّهًا إلى الغرب مع ارتفاع منسوب الحديث عن السلاح الكيميائي لدى نظام الأسد، وتقديم تقارير لجنة التحقيق الدولية التي أكدت استخدام قواته السلاح الكيميائي في مدينة خان شيخون بإدلب، فقد عمد القائمون على الفيلم إلى إنجاز حواراته كاملة باللغة الإنكليزية، وتُرجمت على الشاشة إلى العربية.

تناول الفيلم قصة صحافي بريطاني تسلل إلى سورية، عن طريق بلدة عرسال اللبنانية، خصيصًا لفبركة صور وأحداث كاذبة، توثق -عن طريق الخدعة- وجود ضحايا مجزرة حصلت بالسلاح الكيميائي، كمحاولة من أنزور وشركائه القول: إن ما حصل من اتهامات للنظام هو عبارة عن فيلمٍ أعدّه “الإرهابيون”، بهدف تشويه صورة النظام، واتهامه بارتكاب المجازر واستخدام الكيميائي، وهو سعي من أنزور ومموليه للتبرير والقول: إن الدفاع المدني السوري هم مجموعة “إرهابيين”، والأهالي مجموعة أناس تفرغوا للتمثيل والدعاية وقتل أبنائهم واستئجار صحافيين محترفين، فقط لاتهام الأسد!

لم يبخل رامي مخلوف (ابن خال الأسد) على أنزور، فقد أحاطت شركة (سيرياتيل) عملية التسويق والدعاية له، ورعت العرض الخاص في دمشق، كما تكاتفت المؤسسة العامة للسينما الممول الأساس للفيلم، مع شركة أنزور الفنية، على إبراز الإبداع في سورية الأسد على حقيقته، تمامًا كما حرر هذا الإبداع الفكري مدينة القنيطرة والجولان ودحر “إسرائيل” إلى خارج خارطة الشرق الوسط، ووحّد الوطن العربي، وتحدّى التخلف والرجعية، ووضع الشام -بصفتها ماليزيا الشرق الأوسط- على قمة النمو العالمي، لا فقر فيها ولا تشرد، ولا أحياء عشوائية لا تدخل الشمس بيوتها في سورية الحديثة، كما جعلت الولايات المتحدة ترجو الأسد أن “يخف” عنها قليلًا، بل جاءت مادلين أولبرايت شخصيًا، وانفردت بالأسد الابن بعد وفاة والده “تترجاه” أن يخفض سقف طموحه قليلًا عن زعامة العالم.

في هذا الشرق المسكين، حيث حقبة الأسد التاريخية، فقّست، خلال عقود، عشرات الفطور السامة بلا جذر ولا أسّ، واستلهمت من قائدها الملهم أمثولة المواطن المبدع في كل شيء، وإن على كومة خراب، فكبرت الأجساد، ولمعت تحت الأضواء، من لبنان الذي استورد أنزور منها بطلةَ فيلمه الجديد للمشاركة مع سبيعي، إلى دمشق قلب العروبة النابض، حيث النبض العربي تمثل يومًا ما لاغتيال ثورة السوريين بالدابي، بصفته مبعوثًا لجامعة العرب ذات الرسالة الخالدة.

لا يستبعد السوريون في أحاديثهم، أن يعيدَ المال الذي سبق أن أغدِق على أنزور من خليجهم النفطي قبل الثورة، إنتاجَ فطور إبداعية جديدة، تلائم هذه المرحلة السوداء وسنواتها العجاف في التاريخ العربي.

يعتقد أنزور أن مجرد كاميرا وتأوهات إنكليزية وأضواء ومديح وقليل من الماكياج، يمكنها تغيير حقائق الأرض، وإخفاء معالم الجرائم وصور مرتكبيها، ويتناسى أن ثورة المعلوماتية فاقت إبداعه الذي يلائم ذاك المستوى الضحل من الجمهور القاطن على أبواب الضباع، في بلدٍ أصبحت “حارة الضبع” تختصر دمشق في اللحظة التاريخية التي يؤرخها فيلم أنزور “رجل الثورة”، بينما استطاعت الثورة ورجالها أن تؤرخ لسورية، بالصوت والصورة، أهمّ مراحلها التاريخية والإنسانية.

ربما الرسالة الأهم لفيلم أنزور تقول: أنا المشعوذ على ناصية دمشق، وبجواري صديقي الاستثنائي حسن م. يوسف، في كفاءته الفكرية والتأريخية، بصفته عامل البلاط الثقافي، والرافع كأسه على أضواء الفوسفور الأبيض والنابالم الحارق، بصحة رائحة لحمكم السوري، على آلة شواء “بروليتارية” روسية، حيث أرصفة شامكم، وقد نُثرت الكتب على جانبيها، كما أردناها باكية حزينة، شاحبة كلون التاريخ الأصفر، والهواء الأصفر، والثقافة الصفراء، في زمن الفكر الذي لا يشبه إلا مرتاديه، من مقاصف أبو رمانة إلى مقاهي دمشق العتيقة، كما جلسات الصوفية الحزبية التي وضعت قاموسًا موسعًا للنكبات، أنجب الكثير من القحط والقليل من الغلة، لمصفقين يشبهون الغلاف وسوق الحرامية وسط دمشق الأموية وصورة البطل.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق