أدب وفنون

أحلام في الجيوب

كان يا ما كان، كان هناك إمارة قديمة، نصفُها في حضن الجبل، ونصفُها الآخر في حضن الغابة، ولها سورٌ حصين كسور الصين، يُخفي وراءَ حيطانه أخبارَها، لكنَّ السور انفتحتْ فيه ذاتَ يوم فتحةٌ صغيرة، تسرَّبتْ منها هذه الحكاية التي سأحكيها لكم..

طلعت الشمس في أحد الأيام على تلك الإمارة، فرأتْ- كما ترى كلَّ يوم- أجسامًا ممصوصةَ العافية، كأنَّ السوسَ تسلَّط عليها، فغدتْ أجسامَ قيقان أو صيصان، فالعيون غائرةٌ مطموسة، والخدود والمؤخرات شبه ممسوحة! وكان سكانُ الإمارة ينقسمون إلى قسمين: بعضهم عبيد يعملون في الرعي والزراعة بلا أجر، وبعضهم عمال يشتغلون في مقالع الرخام مقابل أجر زهيد، يقبضونه من القصر، فالمقالع والأرض الزراعية كلُّها من ممتلكات الأميرة (سَلْمُوشة).

في ذلك اليوم خرج المنادي يعلن أن أميرة البلاد ستقدِّم لشعبها الطيِّب هدية. وعلى الرغم من معاناة الناس من شخصية “سَلْمُوشة” العجيبة الغريبة، وتصرفاتها التي تحتاج إلى ضارب ودَعٍ ليفهمها، إلا أنَّ الأمل شعشعَ كشمس صغيرة في نفوسهم؛ فتقاربتْ رؤوسهم، وأخذوا يتهامسون:

(ستخفف عنا الأميرة ساعات العمل في مقالع الرخام).

(ستهدي لكل عازب زوجة، ولكل عازبة زوجًا).

(لا. ستحرر بعضَ العبيد في بلادنا).

لكنَّ هدية سَلْمُوشة جاءت مختلفة جدًا.. لقد قررتْ أن تجعل أجورَ العاملين في إمارتها لا بالفضة ولا بالذهب، وإنما بعملة أخرى هي: الأحلام!

يذهب العامل لقبض أجره، فيدفع له “الدفتردار” خمسين حلمًا! ويقول الدفتردار: عُدَّها ووقِّعْ.

قرار الأميرة الغريب جاء بعد جلسة ساخنة بينها وبين وزيرها (دامور). كان الوزير صالحًا، فنقل إليها صورةً صادقة عن أحوال الناس في الإمارة، فاشتعلتْ عيناها غضبًا، وارتجف جسمها كلُّه حتى كادت تأمر بقتل الوزير، لكنها -في اللحظة الأخيرة- مدَّتْ يدها إلى إناء مُطعَّم بالعاج، فأخذتْ جرعةً من شراب لذيذ؛ فإذا بها تشعر بالارتياح، ومع شعورها الجديد زفرتْ، ثم قالت: أنت ساذج، يا دامور.. ساذج، تفتح أذنيك كثيرًا لعامة الناس وتصدِّقهم. إنهم كذابون، كل شيء متوفر لديهم، لكنهم يشعرون بالسأم. هذه هي مشكلتهم: السأم.. السأم وحده، والسأم – كما أرى- دواؤه الخيال والأحلام.. أحلام تجدد القلوب.

داخَ الناس أمام الحالة الجديدة الغريبة في إمارتهم، ضربوا رؤوسهم بالحيطان، لكنَّ شفاههم ظلت مغلقةً بإحكام؛ خوفًا من “سَلْمُوشة” التي تجلس، وعن يمينها خازوق من الخشب، وعن يسارها آخرُ من الحديد!

وذات يوم سألت سَلْمُوشة وزيرها: كيف صار شعبي، بعد الهدية؟ بلع الوزير ريقه، قال خائفًا: وجوههم كئيبة يا مولاتي. فردت الأميرة: كئيبون! وأنا لا أعلم! يا قلبي عليهم، والله لن أنام حتى أسعدَهم.

أمرت سَلْمُوشة، فصار الأجر ستين حلمًا، ثم جعلته سبعين بعد لقاء آخر مع الوزير، ثم أصدرت فرمانًا بأن يتأكد كلُّ عامل من الدمغة السَّلْمُوشية على أحلامه، حينما يذهب ليقبض أجره، فالفاسدون من الدفتردارية صاروا يُزوِّرون الأحلام الأصلية، ويُقدِّمون للعاملين بدلًا عنها أحلامًا فاسدة.

وعلى الرغم من إجراءات الأميرة؛ لم تتغير وجوه الناس، وظل الوزير يصفها خائفًا بأنها كئيبة؛ عندئذ غضبتْ سلموشة، فكسرتْ ذات صباح زَهريةً مليئةً بالورد في قصرها، وصاحت: لاااا. الظاهر أن شعبي معقَّد! راحت وجاءت فوق البلاط كتيس هائج، ثم هدأت فجأة؛ فاقتربتْ من الوزير قائلة: مع هذا كلِّه، لن أتخلى عنهم. سأداوي عُقَدَهم لتعرف كم أنا طيبة يا دامور. سأفعل من أجلهم ما في وسعي، مع أنهم لئام يتمسكنون ويصمتون، لكنَّ صمتَهم ملغومٌ قذر! وحين أمرُّ أمامهم بعربة الإمارة، يصفقون، لكنَّ قرقعة النحاس أعذبُ من تصفيقهم!

في اليوم نفسه، أصدرتْ “سلموشة” فرمانًا لم يصدر مثله في أي إمارة من قبل! كان فرمانها يتضمن إحداثَ وظيفة جديدة هي وظيفة: (مُضحِك)! الموظف فيها عمله: الإضحاك!

خلال أيام، استلم المُضحِكون عملهم، فصاروا يخرجون إلى الحارات.. إلى البيوت.. إلى أماكن العمل، وعلى وجوههم أصباغٌ وألوان، ليقوموا بإضحاك الناس، ومَنْ لم يضحك زرعوا أصابعَهم في خاصرتيه يكركرونه.

مع الكركرة، تنطلق من الأفواه أصواتٌ غريبة هي مزيجٌ من الضحك والصياح والنَّدب وهسيسِ القهر، تصل الأصوات إلى الأميرة؛ فينشرح وجهها، تقول للوزير: الحمد لله عادت لهم العافية.

مقالات ذات صلة

إغلاق