تحقيقات وتقارير سياسية

صعود الشباب/ القادة في أوروبا هل يصل بلداننا؟

ظاهرة صعود جيل الشباب إلى مراكز صنع القرار، في بلدان الاتحاد الأوروبي (إيمانويل ماكرون، جاسندا أردرن، ليو فار ادكار) جعلت كثيرًا من الباحثين يقفون عندها دراسةً وتحليلًا، سواء من ناحية الظروف التي هيأت لهذا الجيل فرصة الصعود، أو من ناحية مقارنة هذه الظاهرة بالظروف الموضوعية في العالم العربي، خصوصًا سورية ومصر، وإمكانية إنتاج الحلول.

يرى مضر الدبس الرئيس التنفيذي المفوَّض لحزب الجمهورية السوري، أن ظهور الشباب في مناصب الحكم هو نتيجة الذهنية الديمقراطية الموجودة عند المواطنين التي “تقارب نفسها على الدوام، بوصفها ذهنية لم تكتمل بعد، تقترب من الحقيقة فتسعى إليها دائمًا، ولا تدركها بشكلٍ مطلق”، موضحًا في حديث لـ (جيرون) أن “وصول الشباب إلى الحكم في الدول الأوروبية هو مؤشر على نضوجٍ أكبر لهذه الصفة النسبية، في ذهنية التفكير الديمقراطي التي يمتلكها مواطنو هذه الدول. فالشباب يعني لغة العصر.. يعني منهجية التفكير الجديد.. يعني التجديد والتطوير والتقدم”.

وأضاف: “وعلى النقيض، فإن ذهنية التفكير السلطوية الاستبدادية، التي تشكّل إرث منطقتنا، تفرض نمطًا عقائديًا في التفكير، أو بالأصح، تفرض نمطًا يعطّل التفكير، ينظر إلى الحقيقة وكأنها مطلقة، تم اكتشافها دفعة واحدة في مرحلةٍ ما من التاريخ. وينصّب (الفكر السلطاني) نفسَه حارسًا عليها؛ فيرى أن أحد أهم واجباته هو حمايتها من الجديد ومن التجديد معًا”.

الدكتورة سميرة مبيض، وهي باحثة وكاتبة سورية، ترى أن “هذه التحولات هي نتيجة حتمية لتأثير التطورات التقنية التي تسارعت في القرن الماضي على حياة الإنسان، والتي تسمح باكتساب معرفي مهم في مراحل زمنية قصيرة نسبيًا، ويهيئ ذلك الأجيالَ الجديدة إلى حمل مسؤوليات بعمر الشباب”. وأضافت أن صعود الشباب إلى مراكز صنع القرار في أوروبا “يردم الفجوة بين السياسيين والمجتمع الفاعل، وهو مجتمع شاب نسبيًا، ووجودُ سياسيين مقاربين بالعمر لهذا الجيل يكون أقدر على تفهّم احتياجاتهم والمستقبل الذي يتطلعون إليه”.

وأضافت، في حديث لـ (جيرون): “لا يخرج العالم العربي عن هذا المسار، على الرغم من مقاومة بعض الحكومات لهذه الديناميكية التي تحركت للإطاحة بالنظم التقليدية، مدفوعة بشكل رئيس من جيل الشباب الذي يرغب في تحسين ظروف حياته وحقوقه ومستقبله”، وقالت: “بقيت بعض الأنظمة متمسكة بأفكار تعدّ منفصلة تمامًا عن واقع الشباب وحاجاتهم، كما هو الحال في سورية، ومقاومة نظام الأسد لحركة تحرر الشعب السوري وقمعه الشديد لفئة الشباب الذي قاد الحراك السلمي منذ البداية، فهو يشكّل الخطر الأكبر على النظام، لكونه حراكًا مسلحًا بالفكر والمعرفة والرؤية الواضحة”.

أما الباحث الفلسطيني محمد مشارقة، فيرى أن هناك “عوامل عدة تدفع الأجيال الشابة في الغرب، إلى الانخراط غير المسبوق في الحياة السياسية، أبرزها إفلاس الطبقة السياسية أحزابًا ونخبًا، بخاصة مع تحول العمل السياسي، في العقود الخمسة الماضية، إلى شغل شركات العلاقات العامة واحتكارات الإعلام الكبرى التي حلت مكان القاعدة الحزبية أو الانتخابية، للصعود والمنافسة للبرلمان أو المواقع الحكومية؛ وقد أدى ذلك عام 2014 إلى فقدان الحزبين الرئيسين في بريطانيا (العمال والمحافظين) ما يزيد على 200 ألف بطاقة عضوية لكل منهما”.

أضاف مشارقة لـ (جيرون) أن “تصدّرَ الشباب للحياة السياسية في العديد من الدول الغربية مرتبطٌ بالأفكار الثورية الجديدة التي تستوعب التحولات الكبرى، وتلبي طموحات الأجيال الشابة ومصالحها، وأنا على يقين أن هذه الموجة الجديدة من الأفكار ستصل إلى شعوبنا العربية والأجيال الشابة التي باتت على اتصال بالعالم، من خلال وسائل التواصل والثورة التقنية التي حوّلت العالم إلى قرية صغيرة”.

في الموضوع ذاته، يرى الباحث ماجد العلوش أن “القوى الاقتصادية والإنتاجية الكبرى هي التي تملك -أولًا وأخيرًا- الآلةَ الإعلامية، وتستطيع توجيه الرأي العام، أو على الأقل إيجاد زاوية انحراف مرغوبة في التوجه الشعبي السائد لحظة الانتخابات”.

اعتبر العلوش، خلال حديثه لـ (جيرون)، أنه “في مقابل التراكم الرأسمالي المستمر (الماركسي)، تواجه أوروبا اليوم التناقصَ المستمر في معدلات النمو الاقتصادي، بعد انحسار مرحلة البحبوحة التي تلت الحرب الثانية، وفي مقابل الانفجار السكاني الذي سيلتهم كل الموارد ويذهب بالعالم (المالتوسي)، تواجه أوروبا الحالية مشكلة التناقص المستمر والمقلق في عدد السكان وارتفاع متوسط الأعمار، كما أن ارتفاع معدلات المساواة (تناقص حصة الأكثر غنى من الثروة القومية)، والذي هو منطق داخلي في النمو الاقتصادي، لا علاقة له بالتدخلات السياسية. (منحنى كوزنتس) أطاح به التبدل المعاكس الذي بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، لتزداد الهوة مجددًا وفق الدراسات الحديثة”.

وقال: “الرؤساء الجدد يركزون برامجهم على موضوعات الهجرة والاقتصاد والرفاهية، بعيدًا عن مسائل السياسة الدولية والتوسع، ويديرون ظهورهم للمسائل الثقافية التنويرية، وأولها الدولة الوطنية، من خلال النزعات العنصرية ضد المهاجرين، أو التقوقع العرقي (قد تصير كتالونيا بداية السبحة). أي هل الرئيس الشاب هو بداية التحول من الدولة الوطنية إلى شركة اقتصادية تمتلك مجلسًا بلديًا؟”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق