هموم ثقافية

الفن كمُخلّص

استوقفني، في نشرة أخبار (الجديد) بتاريخ 20 أيلول/ سبتمبر، مشهدُ فرقة موسيقية من الأطفال السوريين والفلسطينيين، يعزفون على آلات موسيقية مختلفة أغانيَ بديعة، من أغاني التراث إلى الأغاني المُعاصرة، وطبعًا تحت إشراف مُدرّسين في الموسيقى. ولا يخفى على المُشاهد كم كان هؤلاء الأطفال سعداء، سعادة تحقيق الذات والفرح النقي الحقيقي النابع من أعماقهم. الموسيقى الراقية أنسَتهم مأساتهم، وأنستهم وحشية العالم، وكم كانت فكرة عميقة وصحيحة، حين قال المُدرب الذي درب الأطفال على العزف وإنشاء فرقة موسيقية، إن أحد أهم الأسباب التي أوصلت الشعب العربي عامة إلى مآسيه وانهيار القيم والبؤس والفقر والعنف، هو احتقار الفن. لم تتسع نشرة أخبار سريعة لمناقشة تلك الفكرة المهمة، لكني وجدت نفسي أنسحب إلى الماضي، حين كنت تلميذة في المدرسة. في كل المراحل الدراسية، كانت الحصص المُخصصة للرسم والموسيقى مسروقة وغير موجودة، إنها حصص “فراغ” كما يسميها الطلاب؛ إذ كانت حصة الرسم أو الموسيقى للدراسة وكتابة الوظائف في مواد مختلفة كالرياضيات واللغة العربية والأجنبية، ولم نتعلم شيئًا من الموسيقى والرسم، والوضع مستمر حتى الآن! فثمة نظرة دونية إلى الفن، كما لو أنه مجرد لعب لا قيمة له، وهو “لا يُطعم خبزًا” –كما يؤمن معظم الأهالي– ولا أنسى الطالبة في صفي التي كانت فعلًا عبقرية في الرسم، كيف كانت تتعرض للتقريع من أهلها، لأنها تضيع وقتها الثمين في الرسم، بدل دراسة بقية المواد الدراسية! وللأسف كفّت نهائيًا عن الرسم بعد زواجها، بل صارت هي نفسها تنظر إلى موهبتها كشيء ثانوي في شخصيتها وحياتها. ماتت موهبتها العظيمة، بسبب العقلية الاجتماعية التي تنظر إلى الفن كعامل هامشي، لا قيمة له في الحياة، ولا يطعم خبزًا، كالطب والصيدلة والهندسة مثلًا. وأذكر حالة مماثلة لقريبة لي، كانت تتمتع بموهبة صوتية مُذهلة، وكان صوتها أجمل من صوت ماجدة الرومي، لكنها كانت هي نفسها تسخر منا، حين نشجعها لتصير مطربة، إذ كانت تؤمن بأن كل من يعمل في الفن سيئ السمعة، وهي فكرة تشربتها من محيطها، لكنها كانت ترتل في الكنيسة مرة في السنة بمناسبة صلاة الجناز (موت السيد المسيح)، وحين كان صوتها يعلو في الكنيسة بترتيلة (اليوم عُلق على خشبة)؛ كان المصلون يرتعشون من عظمة صوتها وتأثيره فيهم، لكنها اكتفت بتلك الترتيلة مدى حياتها، ودفنت موهبة عظيمة في مقابر الإهمال واللامبالاة، بل كانت تنطوي من الضحك، حين نقول لها إنها أجرمت في حق نفسها، وإن عليها أن تعطي موهبتها حقها وتصير مطربة، وإن الكثير من أهل الفن محترمين مثل فيروز وصباح وماجدة الرومي وأم كلثوم، وإنها يمكن أن تجمع بين حياتها الزوجية والغناء؛ لكنها لم تكن تقتنع بكلامنا، بل تنفجر ضاحكة، وتقول إن سمعتها أهم شيء في حياتها، وإن سمعة أولادها تتأثر حين تصير مطربة.

حسب العقلية الاجتماعية المُتخلفة (بشكل عام)، يتم احتقار موهبة الأنثى أكثر بكثير من موهبة الذكر، لأنه يتمتع بحقوق وامتيازات أكثر بكثير من الأنثى، فأحد أصدقائي تحدى أهله على الرغم من أنهم أجبروه على دراسة الهندسة، لكنه درس الموسيقى وشكل فرقة موسيقية كبيرة، تقيم الحفلات القيمة في دول عديدة، ولو أنه كان فتاة؛ لكان من الصعب أو المستحيل عليه أن يتحدى أهله، كما فعل وهو مهندس.

كانت المرحلة الابتدائية تضم صفوفًا للفتيات فقط، وكانت حصص الرسم والموسيقى مُلغاة؛ إذ كنا نجلس في الصف نكتب وظائفنا أو يطلقوننا في الباحة لنلعب! وكنا -بسذاجة الطفولة- نفرح حين يطلقوننا، لكن كانت حصة التدبير المنزلي قائمةً، فأهم واجب للمرأة أن تتعلم الخياطة والطبخ. كانوا يعدوننا لنكون زوجات المستقبل الناجحات! لأن المرأة إن أرادت أن تحقق ذاتها وموهبتها؛ اتهِمت بأنها تُهمل أسرتها وبأنها أنانية، وغالبًا ما يُطلقها زوجها.

أتحدث عن المرأة تحديدًا؛ لأنها نصف المجتمع، ولأنها هي من يُربّي الأطفال، ويغرس القيم والأخلاق في عقولهم.

ما أريد أن أصل إليه هو المفهوم، أو حجر الأساس للفن، فثمة ربط بين النظرة التحقيرية والتهميشية إلى الفن، وبين النظرة إلى المرأة، كشخص تابع دومًا للرجل، سواء كان أبًا أم زوجًا أم أخًا. وأعرف زميلة لديها أربع بنات جامعيات تقول لهن: عليكن اصطياد عريس في الجامعة وإلا؛ فمن الصعب زواجكن فيما بعد. وكأن الغاية الأساسية من دراستهن الجامعية هي اصطياد العريس اللقطة، وليس العِلم!

الفن مُهمّش في عالمنا العربي، ومُحتقَر لدى الكثيرين، خاصة حين نجد امرأة مبدعة في الموسيقى أو الغناء أو الرسم، تكون الحرب عليها أشد شراسة، لأن سمعة الأسرة كلها متعلقة بها، ولأن شرف الرجل ليس في جسده، بل في جسد امرأة (زوجة، أخت، ابنة عم.. إلخ)! لو أننا تركنا للفن أن يقوم بدوره الذي هو ترقية النفوس وإعلاء إحساسها بالجمال والقيم النبيلة؛ لما وصلنا إلى هذا الدرك من الانحطاط والعنف. وكما يقول الفيلسوف الفرنسي أندريه جيد: غاية الحياة هي الفن.

كم كنت فخورة بالفرقة الموسيقية لأطفالٍ كان العنف يفغر فاه لابتلاعهم، أطفال من فلسطين وسورية تمكنوا، بإشراف مدربين، من إنشاء فرقة موسيقية رائعة، يعزف الأطفال فيها على مُختلف الآلات الموسيقية.

الفن يُرقي النفس، والحسّ الجمالي والفني مضاد قوي للعنف. ولا يوجد أي شك بأن العنف والإجرام سينخفضان كثيرًا بوجوده. ترى متى سيعود الاحترام للفن، وتعود حصص الموسيقى والرسم بشكل حقيقي إلى مدارسنا في العالم العربي!

مقالات ذات صلة

إغلاق