تحقيقات وتقارير سياسية

كيف يرى الشارع الغربي المسلمين اليوم؟

كيف يرى الشارع الغربي المسلمين اليوم؟ سؤال جوابه بسيط جدًا. فبدايةً لا يستطيع الغرب التمييز بين سنّي وشيعي، وهو غير مهتم بهذه المعرفة، عدا ثلّة من المختصين أو المستشرقين، ولا يعلم الشارع الكثيرَ عن الفروق بين المذاهب الدينية الإسلامية، فهو مشغول بحياته اليومية وشؤونه وشجونه، ويتلقى الأخبار من التلفزيون الوطني، بل إن بعضهم يهتم فقط بأخبار المقاطعة التي يعيش فيها، والفكرة العامة السائدة اليوم -لدى شريحة كبيرة- هي أن المسلمين إرهابيون أو جهلة ومتخلفون، ولرصد المسلمين ونظرة الغرب إليهم، سنأتي على مثالين: الأول في فرنسا، والآخر في بريطانيا.

في إحدى مدن فرنسا الصغيرة نسبيًا، عام 2015، منحت إحدى الكنائس جزءًا من بناء تابع لها للجالية المسلمة، كمسجد لهم ليؤدوا الصلاة فيه، كان ذلك في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، أي قبل أعياد الميلاد بأسبوعين. في أول صلاة جمعة، قبل أسبوع واحد من أعياد الميلاد، صعد الخطيب المنبر، وبعد المقدمة المعروفة، طلب من المُصلّين عدم تبادل التهاني مع المسيحيين في عيد الميلاد، وكفّر مَن يقوم بذلك، مهددًا بنار جهنم وسوء العذاب.

سألتُ أحد الأصدقاء عن (فضيلة الشيخ)؛ فأجاب إنه من الجماعة السلفية، وكان لباسه يوحي بذلك، فهو عبارة عن “جلابية” حتى أسفل الركبة بقليل، ولحية متروكة بالكامل من أمد بعيد.

في هذا العام، عدتُ إلى المدينة ذاتها، فشاهدت في أحد الأسواق ثلاثة من السلفيين لهم المنظر ذاته، لحى طويلة و”جلابيات” قصيرة، وأحذية ذات ساق مرتفع، فسألت صديقي فأخبرني أن البلدية قد أغلقت المسجد الذي يرتاده السلفيون، واكتفت بالمسجدين الآخرين في المدينة، وسألته عن السبب فقال: لقد قام هؤلاء القوم بتوزيع منشورات تُحرّض الجالية المسلمة على عدم الاشتراك في أي انتخاب في “بلاد الكفر”، ووقعت هذه المنشورات بيد جهات حكومية فرنسية؛ فقررت البلدية إغلاق المسجد الذي سيطرت عليه الجماعة السلفية.

هذا ما شاهده الفرنسي من الإسلام في تلك المدينة الفرنسية، علمًا أن الجمعيات الخيرية الفرنسية لا تُفرّق بين فقير وآخر، ولا تسأل الفقير عن دينه ومذهبه، وتُعطي المسلمين أكثر من غيرهم، لأنهم الأفقر، وهذه الجماعة بالذات تُصرّ على المسلمين أن يقدموا زكاة الفطر بشكل عيني، وهذا مقصور على مادتين وهما (الكسكس والتمر)؛ فتتكدس عندهم أطنان منها كل عام، بعد أن حرّموا تقديم زكاة الفطر مالًا، علمًا أن بعض الفقراء من المسلمين هنا يعجز عن تسديد فاتورة الكهرباء أو الغاز.

أما في لندن، فانتشر مقطع مصور، منذ أيام، شاهده الملايين من البشر، وفيه أكثر من ألف امرأة يتّشحن بالسواد الكامل، في تظاهرة في وسط العاصمة البريطانية، يُطالبن بـ “العدالة لأجل الحسين”! ربما كان واجب الشرطة البريطانية أن تُحقق في مقتل الحسين، وتُلقي القبض على المتهمين! انتشرت آلاف التعليقات في الصفحات الإنكليزية التي تسخر من المشهد الخرافي، فالمواطن البريطاني المهتم بعشرات القضايا العامة الداخلية والشخصية، والمهتم بنسبة ارتفاع الضرائب وواقع بريطانيا السياسي والاقتصادي، بعد انفصالها عن الاتحاد الأوروبي؛ لن يكون بطبيعة الحال مهتمًا بقضية “خرافية”، وهي موت شخص مسلم، قبل نحو 1400 سنة، بل إن أحدهم بالكاد يمشي خلف جنازة أمه أو أبيه.

المشهد محزن ومبكٍ، سواء كان الإسلام السلفي أم الشيعي في الغرب، إذ إنهم يُقدّمون أسوأ ما يمكن عن الإسلام؛ ولذلك من السهل جدًا أن يلصق الأوروبيون صفة الإرهاب بالإسلام، بعد مشاهداتهم هذه التصرفات، وأن يصدقوا أي رواية سيئة عن المسلمين. وإن ما نظنّه مؤامرةً على الإسلام هو محض هراء، وبخاصة بعدما رأى العالم ما يجري في سورية، سواء كان إجرام (داعش) أم الميليشيات الطائفية المُدارة من طرف طهران.

توجهتُ بالسؤال إلى عدد من الفرنسيين: لماذا تسمح الحكومة لهؤلاء بالعيش في فرنسا؟ فكان الرد: لأن فرنسا تسمح بحرية المعتقد والكلمة، والنتيجة أن هؤلاء أحرار في أوروبا في ممارسة “عقائدهم القاتلة”، وبعدها هم أحرار بالذهاب إلى سورية وغيرها، ليُمارسوا التكفير والقتل الذي تشتكي منه اليوم كل الحكومات الغربية، ليعيش ملايين البشر في دوامة حرية المعتقد وحرية القتل.

أغلب الظن أن هذه الحال ستستمر طويلًا، إذا لم يُنشئ المسلمون -سُنّة وشيعة- مرجعية حضارية تقبل الآخر، وتُصحح كل هذه التشوهات التي تجعل الإسلام دينًا للقتل والسحق والرجم والتكفير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق