تحقيقات وتقارير سياسية

نادر جبلي لـ (جيرون): الدور الروسي في سورية نفوذ ومكاسب

قال نادر جبلي، الباحث في وحدة الدراسات القانونية في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، إن حدود الدور الروسي في سورية ومستقبله “تحكمه مجموعة من الحسابات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية المعقدة والمتشابكة”، وأضاف في حديث لـ (جيرون) أن هذه الحسابات “تجعل من إمكانية التنبؤ بمآلات الدور الروسي أمرًا بالغ الصعوبة”.

ورأى جبلي أن “روسيا ما كانت لتتغول في سورية وتمارس هذا الدور الذي تمارسه؛ لولا موافقة الولايات المتحدة على الموضوع، وبالشروط التي تريدها الأخيرة، وعلى رأسها الحفاظ على أمن دولة (إسرائيل)، وعدم التدخل في المشروع الأميركي في الشمال الشرقي”، معقّبًا أنه “ولأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، لا يمكن لروسيا الاستمرار طويلًا في هذه الحرب، فالاقتصاد الروسي مريض جدًا، بسبب العقوبات الغربية من جانب، وانخفاض أسعار النفط من جانب آخر”.

بقاء الدور الروسي الفاعل في سورية على المدى الطويل -بحسب جبلي- “يتطلب دولة منقوصة السيادة والاستقلال، لأن استقلالًا ناجزًا قد يعني نهاية للنفوذ الروسي، وطبعًا للمشروع الإيراني، ولكل المشاريع غير الوطنية؛ لذلك سيحرص الروس على سيادة منقوصة عبر اتفاقات طويلة الأجل، تبقي لهم تواجدهم العسكري المؤثر في سورية. وتوفِّر مناطق خفض التصعيد حلًا مؤقتًا جيدًا للروس، وتمنحهم الوقت الكافي لإيجاد حلول طويلة الأمد، حيث إن مناطق خفض التصعيد تجمد الصراع أو تخفف من حدته، دون أن تنهيه”.

حول توسيع روسيا لإطار تدخلها البري في سورية، قال: “لا يمكن لروسيا أن تتدخل بريًا على نطاق واسع، وأن تمارس نوعًا من الاحتلال العسكري التقليدي على سورية؛ لأن ذلك يعني ورطة كبرى لا تُعرف لها نهاية، ودخول مستنقع لا قِبَل لها بالخروج منه سالمة، يشبه المستنقع الأفغاني، ويعني تكلفة اقتصادية وبشرية لا قِبل لها بتحملها”.

وأكد على أن “الروس يرومون من دورهم في سورية تحقيق مصالح وأغراض عدة، وعلى غير صعيد، فعلى الصعيد الاقتصادي؛ سورية هي مستورد مهمّ للسلاح الروسي تاريخيًا، ولا يمكن التفريط به، وبيع السلاح من أهم مصادر الدخل الروسي، بعد النفط”، موضحًا أن روسيا “حظيت بعقود مجزية للتنقيب عن النفط والغاز، واستغلالها، في الحقول البحرية الضخمة والواعدة مقابل الشواطئ السورية، وهذه أيضًا يصعب التخلي عنها، لما فيها من روافع للاقتصاد الروسي”.

وفق جبلي، فإن “روسيا، على الصعيد الاقتصادي، ترى أن إمساكها بالورقة السورية سيمكّنها من دفع الغرب إلى تقديم تنازلات في موضوع العقوبات الاقتصادية الخانقة التي طُبقت عليها، على خلفية تدخلها في أوكرانيا واحتلال شبه جزيرة القرم”.

من الناحية العسكرية للتدخل الروسي في سورية، يقول: “إن موسكو تجد في سورية حقلًا مناسبًا وعمليًا ورخيصًا لتجريب أسلحتها الحديثة، وقد قالها بوتين صراحة في أحد مؤتمراته الصحفية: (إن العمليات في سورية تعد تدريبات عسكرية ذات كلفة رخيصة في ظروف حرب حقيقية)”.

يتابع جبلي: “ثم إن قاعدة طرطوس البحرية هي القاعدة العسكرية الروسية الوحيدة خارج سورية، والتي تقع في قلب الشرق الأوسط، وقرب المياه الدافئة، وستستبسل روسيا لعدم التفريط بها، كما أعتقد أنها ستستبسل في الاحتفاظ بقاعدة (حميميم) الجوية أيضًا، والتي حازت عليها بُعيد الثورة”، منبهًا إلى أن روسيا “على الصعيد الاستراتيجي أيضًا، ستسعى للبقاء لاعبًا رئيسًا في المنطقة، ورقمًا صعبًا لا يمكن لأحد تجاوزه؛ ما يمكِّنها من توظيف هذا الدور في صراعاتها مع الغرب بشكل خاص”.

يعتقد جبلي أن “المشكلة المستعصية أمام روسيا، والتي لا بد أن تجد لها حلًا، فور انتهاء الحرب، هي مشكلة الحفاظ على الأسد في السلطة، فالأسد هو أفضل من يمكنه تمكين روسيا من مشروعها وأهدافها، فهو عديم الوطنية والكرامة من جانب، ولا يهمه سوى كرسي السلطة ونهب البلاد. وهو يدين للروس بإنقاذه واستمراره من جانب ثانٍ. وهو الآن في أضعف حالاته، مسلوب القوة والإرادة من جانب ثالث. ومن ناحية أخرى، فلا يمكن الدفاع عن الأسد وتمكينه من الحكم، بعد أن فعل ما فعله ببلده وشعبه، ولا يفترض بروسيا اللاهثة وراء موقع عالمي أن تُبقي على دعمها لمجرم بمستوى الأسد”.

في ما يخص الملف الإيراني بالنسبة إلى الروس، قال: “لا يمكن عزل المشروع الإيراني وتحجيم دور إيران في سورية بوجود الأسد، ما يعني أن إيران ستبقى شريكًا قويًا ومزعجًا للروس في سورية”. وحول علاقة الروس بالدول الخليجية والشعوب العربية، يعقّب جبلي: “لا يمكن لروسيا تحسين علاقاتها مع معظم دول الخليج بوجود نظام الأسد، الذي تعدّه عدوًا لها. ومن جانب آخر ستحتفظ روسيا بغضب الشعوب الإسلامية عمومًا، بغض النظر عن موقف حكوماتها”.

عن إمكانية قبول الشعب السوري لروسيا بشكل عام، قال: “يمكن تخيل قبول عام بالروس وبدورهم ومصالحهم في حال قيامهم بخطوتين رئيستين: الأولى هي إزاحة الأسد وعصابته، والثانية هي تحجيم دور إيران وإفشال مشروعها”، موضحًا أن “الشعب السوري يدرك جيدًا أن لا أمل له ولبلده بالخلاص، بوجود النظام السوري والمشروع الإيراني، حيث لا يقوم أحدهما أو كلاهما إلا على أنقاض سورية والسوريين، لذلك يمكن التسامح والتساهل لهذه الدرجة أو تلك مع الروس، إذا قدموا للسوريين خدمة استئصال هذين الورمين”.

واختتم: “على الرغم من كل مساوئ الدور الروسي في سورية وتبعاته، إلا أنني أستطيع تلمس إيجابية واحدة، تتلخص في أن الدور الروسي لا بد أن يقوم على حساب المشروع الإيراني، وأن الروس لا بد أن يضعوا حدًا لهذا المشروع ولطموحات إيران في المنطقة، إن بحكم مصلحتهم في إبعاد شركاء أقوياء، أو بحكم مطلب اللاعب الإسرائيلي الكبير والمدلل، وهذه بالتالي مصلحة سورية بلا شك”، معللًا ذلك بأن “المشروع الروسي -على مساوئه- لا يقوم على تفتيت وتحطيم البلد وحرمانه من فرص النجاة، كما هو الحال في المشروع الإيراني. وهذا مجال مهمّ جدًا يمكن، بل يجب على المعارضة السياسية العمل عليه، بشيء من الحنكة والذكاء”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق