قضايا المجتمع

أطباء (sams): مرضى الغوطة الشرقية ينتظرون حتفهم في بيوتهم

“يوجد في الغوطة الشرقية 107 أطباء فقط، فيهم طبيب أورام واحد، وجرّاح أعصاب واحد، يعالجون نحو 400 ألف شخص هم سكان الغوطة الشرقية، وهؤلاء الأطباء -في كثير من الظروف- ليسوا قادرين على تقديم أكثر من مجرّد تشخيص للمرض، بسبب النقص الحاد في الأدوية والإمدادات الطبية”.

جاء ذلك في تقريرٍ للجمعية الطبية السورية الأميركية (SAMS)، حذّرت فيه من كارثية الوضع الصحي في الغوطة الشرقية؛ بسبب الحصار الطويل الذي بدأ قبل نحو أربع سنوات، وما زال مستمرًا حتى الآن، وانعكس أثره على القطاع الطبي، مؤكدةً “الحاجة الملحة إلى كسر هذا الحصار”.

الدكتور محمد كتّوب مدير المناصرة بمنظمة (SAMS) تحدث لـ (جيرون) عن الوضع الحالي في الغوطة الشرقية قائلًا: “في بداية الحصار، استخدم الناس الأنفاق لإدخال البضائع، أما الآن فالوضع تغيّر إلى الأسوأ، وعادت الأمور إلى ما كانت عليه عام 2013، وذلك بسبب الإغلاق التام للطرقات، بعد اتفاقية برزة وسيطرة النظام على المنطقة هناك”، وأضاف: “التجار بالكاد يستطيعون إدخال كميات قليلة من المواد بين الحين والآخر، بسبب تشديد النظام لحصاره على الغوطة الشرقية”.

بحسب كتّوب، “لم يبقَ للغوطة الشرقية سوى مصدر وحيد لإدخال المواد الغذائية والطبية، وهو قوافل الأمم المتحدة التي تأتي من دمشق، وهذه القوافل شحيحة -كمًّا ونوعًا- لأنها تحتاج إلى موافقة من الخارجية والأمن السوري، لذلك يوجد تقنين كبير بمنح الموافقات ورقابة شديدة على المواد التي تدخل، ولا سيما المواد الطبية وبالذات المواد الجراحية، وتلك المستخدمة في العمليات والأدوية اللازمة، لعلاج الأمراض المزمنة كغسيل الكلى”.

طول فترة الحصار والرقابة على نوعية المواد الطبية المسموح بإدخالها للغوطة الشرقية؛ جعلها يومًا بعد يوم، تفقد قدرتها على علاج المرضى وتقديم الخدمة الطبية للمدنيين؛ ما أدى إلى كثرة الوفيات التي كان آخرها وفاة الطفل أسامة، في أيلول/ سبتمبر2017؛ بسبب إصابته بالتهاب الدماغ الفيروسي، وعدم توافر الدواء اللازم لإنقاذ حياته، على الرغم من أنه متاح على بعد عدة كيلو مترات.

تغطي (sams) 35 بالمئة من خدمات العمل الطبي في الغوطة الشرقية التي تأتي في المرتبة الثانية بعد إدلب، من ناحية الخدمة الطبية المقدمة. في هذا الصدد، قال كتّوب: “قبل سقوط حلب، كانت الغوطة الشرقية ثاني منطقة نقدم لها الخدمات، وذلك من خلال إرسال الأموال إلى مكاتبنا في الداخل، وهم يقومون بعمليات الشراء، من خلال أشخاص لديهم القدرة على تهريب المواد الطبية للداخل، كما نُظّمت عدة مشاريع في الغوطة الشرقية، كتصنيع بعض المواد الطبية، سواء كانت أدوية أو بعض التجهيزات الأخرى، وذلك بحكم وجود بعض الطاقات البشرية (طبعًا العدد قليل جدًا) القادرة على إدارة العمل الطبي”.

مع استمرار حصار الغوطة الشرقية، تعرضت التجهيزات الطبية الموجدة في المشافي، وبخاصة الأجهزة كبيرة الحجم، للأعطال، وأصبحت بحاجة إلى صيانة، كجهاز (الطبقي المحوري) الذي يعمل منذ 3 أو4 سنوات، وهو جهاز معقّد لا يستطيع أحد إصلاحه إلا الشركة المصنّعة له، إضافة إلى أجهزة القسطرة القلبية المعقدة.

أمام هذا الواقع الكارثي، لم تعد المخاوف تقف عند حد القصف والإصابات الحربية، وفي هذا الشأن، علق كتّوب: “بسبب عدم وجود الاحتياجات الأساسية الكهرباء والتدفئة والمياه النظيفة، بدأت تظهر أمراض سببها المياه الملوثة، لأن الناس تعتمد على الآبار السطحية، وهي معرضة للتلوث أكثر بكثير من المياه الجوفية أو مياه الينابيع، وأدى هذا إلى انتشار مرض التيفوئيد، حيث تقدر الكوادر الطبية التابعة لمنظمتنا وجود 600 حالة تيفوئيد حتى الآن، إضافة إلى انتشار أمراض أخرى كالحصبة والسامونيلا والسل”.

على الرغم من بساطة علاج هذه الأمراض، لكنها بحاجة إلى قدرة وجهد كبيرين، وهذا يؤدي إلى إرهاق الأطباء بشكل دائم بسبب قلة عددهم، فتبعًا لعدد الأطباء المتبقين وهو 107، يوجد طبيب واحد لكل 3600 مريض قياسًا بتعداد سكان الغوطة الشرقية وهو 400 ألف نسمة، بينما في عام 2010 كان هناك طبيب واحد لكل 600 مريض، وهذه الأرقام تعبّر عن كارثية وضع القطاع الصحي، “في أثناء السلم، كان هناك نقص في الأطباء، فكيف سيكون الوضع حاليًا أثناء الحرب!” يقول الدكتور كتّوب متسائلًا.

المشكلة الأكبر تكمن في أنواعٍ أخرى من الأمراض التي لا يتوافر علاجها في الغوطة أساسًا، كالأورام السرطانية، وفي هذا الشأن أوضح كتوب: “يوجد طبيبة أورام واحدة فقط في كل الغوطة، وللأسف تفتقر إلى وجود وسائل التشخيص، وهذا يعني أنه حتى لو تم تأمين الأدوية فهذه الطبيبة غير قادرة على تحديد الجرعة اللازمة، لأنها لا تملك وسائل تشخيص، وبالتالي من المفترض أن يخرج هؤلاء المرضى من الغوطة الشرقية، لتلقي العلاج اللازم في دمشق”.

بدوره قال الطبيب حمزة من الغوطة الشرقية لـ (جيرون): “بسبب شح الأدوية، يجري تقييم حالة المرضى وتُعطى الأفضلية للحالات الأكثر حرجًا، كما تم تخفيف عدد العمليات الجراحية بشكل كبير، على حساب الاستمرار في تقديم الخدمة العلاجية، فضلًا عن نقص الأدوية الوريدية وأدوية التخدير التي تخصّ العمليات الجراحية، حيث اضطرت الكوادر الطبية إلى علاج مصابي القصف الأخير وعددهم 22، من دون تخدير”.

وأضاف: “حاليًا كل المراكز تعمل بشكل جزئي، فهناك الكثير من المرضى الذين يصف لهم الأطباء أدوية لا يجدونها، أكثر من 70 بالمئة من الوصفات الطبية لا يستطيع المرضى توفيرها”.

في الأسبوع الماضي، دخلت قافلة إلى منطقة حرستا، وفي الشهر الماضي دخلت قافلتان إلى دوما، وقافلة إلى منطقة المرج، “لكن هذه القوافل لم تستطع الوصول إلى القطاع الأوسط في الغوطة، وهو يُعدّ الأكبر ويبلغ عدد سكانه 250 ألف نسمة”، بحسب الطبيب حمزة الذي شدّد على أن “قلة المواد التي تحملها هذه القوافل تُعدّ استهزاءً بالقطاع الصحي”.

في آب/ أغسطس 2017 توفي 4 أطفال في الغوطة الشرقية، بسبب عدم توافر الأدوية اللازمة لعلاجهم، وبحسب أطباء (sams)، “تم تقديم قائمة تضم 330 مريضًا بحالة حرجة للجهات الصحية المختصة في دمشق من أجل إجلائهم من المنطقة، لكن من دون جدوى”.

ختمت (sams) تقريرها بأن “محنة الغوطة الشرقية تسلط الضوء على آثار تكتيك (الحصار والتجويع) الذي يُستخدم في 34 مكانًا محاصرًا في جميع أنحاء سورية، ودعت إلى اتخاذ خطوات فورية، لإنهاء حصار الغوطة وجميع المناطق الأخرى المحاصرة في سورية”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق