مقالات الرأي

ظاهرة عزوف السوريين عن السياسة

عقودًا طويلة، بقي العمل السياسي المعارض محظورًا في سورية؛ وقد أفضى ذلك الحظر إلى بروز ظاهرة العمل السياسي السري (تحت الأرض)، حيث لجأت الأحزاب السياسية المعارضة إلى طرق سريّة في التنظيم، كان لها أثر كبير في عرقلة نموها داخل المجتمع السوري، خصوصًا بين الفئات التي تستهدفها، وإضافة إلى السبب الأمني المباشر، كانت هيمنة حزب البعث على النقابات شبهَ مطلقة، على الأقل منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي؛ وهو ما حرم الأحزاب السياسية من التفاعل مع بيئات خصبة للنضال السياسي، وفرض على أحزاب المعارضة أن تعمل ببطء على المستوى التنظيمي، في أجواء تتسم بالتضييق، ولا تخلو من المخاطر.

كانت استراتيجية السلطة السياسية، خلال عهد الأسد الأب، تقوم على منع التراكم في البناء التنظيمي لأحزاب المعارضة، عبر القيام بحملات اعتقال خلال كل بضعة سنوات، بحيث تحتاج الكوادر التي لم تتعرض للاعتقال إلى وقت طويل كي تعيد ترميم أحزابها، وقد نجحت تلك السياسة في تهميش الأحزاب المعارضة، وشلّ أي فاعلية حقيقية لها، وتحويلها إلى مجموعات نخبوية إلى حد بعيد، حتى إن بعضها كان يهرب إلى العمل التثقيفي السياسي، لتجنب الصراع المباشر مع السلطة السياسية، وعدم دفع أثمان مجانية، والتضحية بحيوات كوادره.

ونظرًا إلى الصراع المسلح بين السلطة السياسية وتنظيم (الإخوان المسلمين)، في نهاية سبعينيات القرن الماضي، بكل ما احتواه من تفاصيل كارثية؛ أقرّ مجلس الشعب القانون رقم 49، في السابع من تموز/ يوليو 1980، وقد جاء في المادة الأولى منه “يعتبر مجرمًا، ويعاقب بالإعدام كلّ منتسب إلى جماعة (الإخوان المسلمين)”، وكان هذا كافيًا لتغييب (الإخوان المسلمين) عن المشهد السياسي المعارض، لكن ما طال (الإخوان المسلمين) طال نظراءهم من أحزاب المعارضة، بدرجة أقل، فإذا كانت السلطة السياسية لم تسنّ قانونًا يقضي بإعدام المنتسبين إلى تلك الأحزاب؛ فإن التعذيب والاعتقال لسنوات طويلة للكثير من كوادرها، إنْ لم يكن لمعظم الكوادر (كما في حال رابطة العمل الشيوعي)، كان كافيًا لجعلها في حكم المغيبة عن المشهد السياسي، وحرمانها من التأثير فيه.

مع وفاة حافظ الأسد في عام 2000، وتوريث الرئاسة للأسد الابن، كانت الأحزاب المعارضة قد وصلت إلى مرحلة الهشاشة في بناها التنظيمية، وتقلّص عدد كوادرها على نحو مريع، ولم يبق فيها سوى قلة من الأعضاء، فقد كان عقد التسعينيات حافلًا بتغيّرات كبرى، أهمها سقوط الاتحاد السوفيتي، ونهاية الحرب الباردة، وإطلاق مؤتمر مدريد للسلام، وحرب الخليج الثانية، وقد تركت تلك الأحداث -بما تشكله من رمزية سياسية عالية- أثرَها في الأحزاب المعارضة التي دخلت مرحلة مراجعة لبرامجها، من دون أن تستطيع بلورة رؤى سياسية وتنظيمية جديدة ذات فاعلية.

إن استحضار لوحة العمل السياسي المعارض في سورية، ولو على عجالة، يبدو مهمًا وأساسيًا، في فهم ظاهرة عزوف السوريين عن العمل السياسي المنظم بعد الانتفاضة السورية في 2011، على الرغم من التغيّرات النوعية التي حدثت خلال السنوات الست الأخيرة، خصوصًا من أجل تثبيت نقطة رئيسية، وهي أن الأحزاب المعارضة، لحظة الانتفاضة السورية، كانت في أضعف حالاتها التنظيمية، ولم تكن سوى مجرد عناوين لمحتوى ضعيف، تعتمد على رموز تاريخيين اكتسبوا احترامهم من تجربة السجن المريرة التي قضوها في معتقلات السلطة السياسية، ولهم حضور إعلامي يتجاوز إمكانات أحزابهم التنظيمية، وربما كان تنظيم (الإخوان المسلمين) هو الأكثر قوة وتنظيمًا نتيجة لإعادة بناء نفسه وعلاقاته في الخارج، على مدار نحو ثلاثة عقود.

ونتيجة لعدة عوامل، تحتاج إلى شرح وتفصيل بشكل مستقل، فقد نشأت الكيانات السياسية الجديدة، بعد الانتفاضة، على أساس ائتلافي بين قوى سياسية معارضة وشخصيات وطنية وثورية، وكان أولها “المجلس الوطني” في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، والذي أخذ في تركيبته عدة اعتبارات، منها الإثني والطائفي، ويعدّ (الإخوان المسلمون) القوة الأبرز فيه، وكانت المهمة الأساسية للمجلس، ومن بعده “الائتلاف الوطني”، تمثيلَ السوريين، وهو العنوان العريض، لكن المضمون الأساس -كما هو معلوم في أي صراع سياسي- هو الوصول إلى السلطة.

وقد سادت في الأوساط المعارضة، منذ بدء الانتفاضة السورية، حالة تسفيه وتقزيم لفكرة نشوء الأحزاب السياسية، انطلاقًا من فهم خاطئ للصراع، وهو أنه صراع قصير الأمد، وأن السلطة السياسية في دمشق قد تنهار في أي لحظة؛ وبالتالي فإن المطلوب وجود حالة سياسية تمثيلية للسوريين، وإرجاء العمل السياسي الحزبي إلى المرحلة الانتقالية، كما تضمّن ذلك التصور الخاطىء رغبةَ قوى مسيطرة في مؤسسات المعارضة الكبرى، في عدم بروز أحزاب قوية، تشكّل حالة منافسة، وبالفعل فقد خلت الساحة من محاولات جادة لتأسيس أحزاب سياسية، وهو ما ظلّ ساري المفعول -بشكل أو بآخر- حتى اللحظة.

وعلى الرغم من هذا المناخ، فقد تأسست بعض الأحزاب السياسية المعارضة، وهي أحزاب أقرب إلى الخط الوطني الديمقراطي العلماني، لكنها دخلت بعد تأسيسها في أزمة البناء التنظيمي، حيث فرضت الأوضاع الناشئة خلال السنوات الأخيرة، بما تتضمنه من إحباط من الوضع الوطني العام، وفشل القوى السياسية التمثيلية من إدارة الصراع، بل دخولها في انقسامات حادة، وشبهات فساد كبيرة، وارتهان للقوى الإقليمية، فرضت تلك الظروف حالة عزوف لدى السوريين تجاه العمل السياسي المنظم، خصوصًا أن معظم السوريين القادرين على التعبير عن أنفسهم بشكل حر يعيشون في بلدان اللجوء، ويعانون من اضطرابات وضعهم الجديد.

لكن السؤال الأهم في هذه الحالة هو: هل يمكن التفكير بمستقبل العمل الوطني والسياسي من دون أحزاب سياسية ذات قدرة تنظيمية جيدة؟

إن الأحزاب التي نشأت خلال السنوات الماضية، أو التي يمكن أن تنشأ لاحقًا، مطالَبةٌ بالاشتباك جديًا مع حالة العزوف، وبناء آليات صحيحة لتفكيكها، نحو إنضاج حالة سياسية جديدة، تخص مجمل العمل الوطني والسياسي في سورية.

مقالات ذات صلة

إغلاق