تحقيقات وتقارير سياسية

(داعش) مشروع مُشاع أليس لإيران الحق في استثماره؟

أثارت تصريحات الناطق باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، مطلع أيلول الجاري، ردات فعل صاخبة، على المستوى الإعلامي؛ إذ أفصحت هذه التصريحات عن انتقادات إيران الشديدة لسلوك قوات التحالف الدولي التي تحاول “محاصرة ومراقبة” الحافلات التي تقلّ عناصر تنظيم (داعش) وعائلاتهم التي انطلقت من الحدود اللبنانية السورية متجهة إلى محافظة دير الزور، عبر البادية السورية، وقد شحنت إيران مجمل انتقاداتها بمطلب إنساني، يقضي بضرورة توفير كل الشروط الإنسانية واللوجستية الضرورية لتأمين حافلات (داعش)، إلى حين وصولها إلى مكانها المتفق عليه، وذلك بموجب (الصفقة) التي أُبرمت بين (داعش) و”حزب الله” اللبناني.

ثمة ما يبرر الصخب الإعلامي الناشئ من غرابة المطلب الإيراني “الإنساني”، حيال تنظيمٍ يكاد يُجمع العالم على أنه تنظيم إرهابي ظلامي، علمًا أن إيران تبرر عدوانها على الشعب السوري بذريعة محاربة هذا التنظيم. ثمة مبرر آخر، وهو دهشة العالم أجمع من النبرة الإنسانية في الخطاب الإيراني، تلك النبرة التي كانت غائبة تمامًا، حين مات العديد من الأطفال والشيوخ ضحية حصار ميليشيات إيران لبلدات سورية عديدة (مضايا، الزبداني، داريا، حي الوعر) وسواها الكثير، ولكن السؤال الأهم: لماذا في هذا التوقيت بالذات أظهرت إيران تعاطفها مع (داعش)! ولماذا سكت الروس ونظام الأسد وجميع أعداء (داعش) “الافتراضيين” عن هذا التعاطف! ثم: هل إيران و”حزب الله” وحدهما من استثمر تنظيم (داعش) ومشتقاته في سورية؟

لستُ من القائلين: إن (داعش)، بقضها وقضيضها، هي صناعة مخابراتية خارجية، أوجدها المتآمرون على القضية السورية والدين الإسلامي، وكذلك لست ممن يعتقدون أن (داعش) مقطوعة الصلة بالأيديولوجيا الإسلامية، بل من المؤكد لديّ أن التنظيم –من حيث البنية الفكرية– هو نتاج منظومة فقهية إسلامية، ما زالت تهيمن على معظم المؤسسات الدينية في البلدان الإسلامية.

(داعش) هي نتاج العقل الديني الذي لم يستطع تجاوز الإرث الفقهي “الإمبراطوري”، وفقًا للدكتور محمد مختار الشنقيطي، هذا العقل الذي لم يستطع أيضًا -بحكم تخلفه- استيعاب القيم والمفاهيم الإنسانية الكونية الحديثة، كحرية الاعتقاد والديمقراطية ومفهوم المواطنة والكرامة الفردية، ومؤكّد لديّ أيضًا، أن أعضاء (داعش) ومشتقاتها ليسوا جميعهم غرباء وافدين إلى الأرض السورية، بل إن قسمًا كبيرًا منهم هم من أبناء جلدتنا، بل من أهلنا وأبناء مدننا وبلداتنا وقرانا، انخرطوا -بملء قناعاتهم- في صفوف التنظيمات الإسلامية المتشدّدة، بل مارسوا حيال أهل بلدهم ممارساتٍ شنيعة غاية في الوحشية. ولكنّ هذا التأكيد على العوامل المحلية لـ (داعش) لا ينفي على الإطلاق قدرة العامل الخارجي على اختراق هذه التنظيمات، واستثمارها، وتوظيفها في الوقت المناسب؛ لتنفيذ مآربه وأغراضه، ولعلّ هذا ما أفلح فيه معظم أعداء الثورة السورية. ألمْ تطلق السلطات السورية، في الأشهر الأخيرة من العام 2011، العديدَ من أمراء (داعش) والقياديين في تنظيم القاعدة، وهي تعلم إلى أين سيذهبون، وماذا سيفعلون! ألمْ تستهدف الفصائل الإسلامية المتطرفة فصائلَ الجيش الحر، أكثر بكثير من استهدافها لقوات نظام الأسد؟ إن المشهد الميداني العسكري في سورية، منذ نهاية العام 2013، يفصح بوضوح عن أن مجمل المناطق المحررة التي استعاد نظام الأسد السيطرة عليها استعادها بفضل (داعش) التي غالبًا ما تُؤثر الانسحاب أمام قوات النظام أو تكتفي بمعارك شبه وهمية.

لم يكن تنظيم (داعش) عامل استثمار أسدي لمحاربة قوى الثورة السورية فحسب، بل كان مشروعا استثماريًا مهمًا، لمعظم الأطراف الدولية والإقليمية ذات المصالح المتصارعة في سورية، علمًا أن هذا العدو (الافتراضي) ظل بمنأى عن استهداف أقوى دولتين مؤثرتين في المشهد السوري؛ إذ لا يمكن أن يغيب عن الذاكرة السورية كيف تمكن تنظيم (داعش) عام 2014 من نقل كميات هائلة من العتاد الحربي الثقيل، بما في ذلك صواريخ (سكود)، على مدى أيام متتالية، من مدينة الموصل العراقية إلى مدينة الرقة السورية، عبر مسافة طولها نحو 600 كم، دون أن تكون لطائرات أميركا التي لم تكن تفارق الأجواء السورية أي ردة فعل، علمًا أن الطائرات الأميركية ذاتها كانت تصطاد الأفراد على دراجاتهم النارية، أثناء حربها على (داعش)، في كوباني عام 2015.

وحين قرر بوتين تنفيذ استراتيجية الحسم العسكري، وبدأ عدوانه الجوي على السوريين، في أيلول/ سبتمبر 2015، كان شعار الحرب على الإرهاب، مشفوعًا بوجود (داعش)، هو ذريعته الأقوى، وفي الوقت الذي كان في طليعة أولويات روسيا إعادةُ السيطرة على حلب، تؤازرها على الأرض الميليشيات الطائفية العراقية واللبنانية، كانت أهم معاقل تنظيم (داعش) -آنذاك– في الريف الشمالي لمدينة حلب، وفي مدن (الباب، ومنبج، وجرابلس، والرقة)، إلّا أن طائرات بوتين وزواحف إيران كانت تستهدف مدينة حلب التي شهدت جريمة من أكبر جرائم العصر، حيث تم استئصال نصف سكانها، وتشريدهم، ونهب بيوتهم وممتلكاتهم.

لقد تحاشت الأطراف الدولية ذات النفوذ العسكري الأقوى في سورية تنظيم (داعش)، منذ منتصف العام 2013، وأتاحت له المجال بالتمدد والتوغل داخل الأرض السورية، كما أتاحت له حيّزا ممتازًا لإنشاء إماراته، فضلًا عن قتله وتنكيله بآلاف السوريين، واستنزافه لقوى الثورة، ولكن يبدو أن إدارة الصراع باتت تأخذ منحًى آخر؛ ما دفع تلك الأطراف ذاتها إلى التنافس والتدافع على محاربة (داعش)، ولعل مدينة دير الزور هي المثال الحي، حيث يتنافس على أطرافها الأميركيون والروس وقوات الأسد، والجميع يريد محاربة (داعش) التي ما كان لها المكوث في دير الزور، طوال ثلاث سنوات، لولا رضى هذه الأطراف المتنافسة على قتالها.

ربما يرى الإيرانيون أنهم على حق في استنكارهم للموقف الأميركي الرافض للصفقة، بين “حزب الله” و(داعش)؛ لأن لسان حالهم يقول: لسنا الوحيدين ممن استثمر (داعش)، لقد استثمرها الروس والأميركيون، فهل استثمارها حرامٌ على “حزب الله”، وهو الأقرب لها منهجًا وسلوكًا؟!

مقالات ذات صلة

إغلاق