أدب وفنون

كتابي الخاص

الكاتبة الكندية مارغريت آتوود غنية عن التعريف؛ فهي من أشهر الكتّاب في العالم، واسمها مرشح بقوة للفوز بجائزة نوبل، وهي تقترب من عقدها الثامن، وقد نشرت أكثر من خمسين كتابًا، وتُرجمت أعمالها إلى لغات عدة.

كان لي الحظ أن ألتقيها، في مهرجان دبي الأدبي العالمي، وأحضر حوارًا ممتعًا معها؛ حيث حاورتها كاتبة وصحفية هي روزي غولد سميث، الحوار كان باللغة الإنكليزية، لكن الأسلوب البسيط لمارغريت آتوود وتأنيها في الكلام، ساعداني على فهم وكتابة أفكار تلك الكاتبة العظيمة.

بداية، استوقفتني مارغريت بقامتها النحيلة الرشيقة، وشعرها الفضي، ووجهها المبتسم بتواضع ومحبة، إنها من الوجوه القليلة التي تشعر أنها محاطة بهالة من النور. تحدثت عن طفولتها في كندا، حيث عاشت في بلدة صغيرة، وكان قلة من الناس يملكون تلفازًا ومذياعًا، وبسبب فقر الحياة هناك، وجدت نفسها محكومة بالقراءة ثم الكتابة؛ فكانت الكتابة هي الفعل الأكثر حيوية وإيجابية في حياتها. ذكرتْ فكرةً أعجبتني للغاية، وهي أن النظام التدريسي في كندا، وتحديدًا في الصفوف الابتدائية الأولى، كان يعتمد فكرة أن يؤلف كل تلميذ كتابه الخاص، إذ مع بداية العام الدراسي، يطلب الأستاذ من كل طالب أن يؤلف كتابه الخاص، أي أن يصمم الغلاف، ولوحة الغلاف، والعنوان، وأن يكتب القصة التي يحب، أي أن كل تلميذ يقدم كتابًا من تأليفه للأستاذ.

قالت آتوود إنها بدأت الكتابة، مذ كانت في الخامسة من عمرها، وأن تشجيع الأساتذة للتلاميذ وتحفيزهم على الكتابة عن طريق تأليف الكتاب الخاص، هو الذي قذف بها إلى عالم الكتابة.

اعترفت أنها -في بداية مشروعها الكتابي- كانت لا تحسن رسم الشخصيات، فكانت شخصيات قصصها، كما لو أنها كائنات فضائية، ثم تعلمت مع التجربة وتثقيف نفسها كيف تعبر بدقة وشفافية عن شخصياتها.

وحين سألتها المحاورة عن كتبها، ولا سيما رواياتها وعن تمتع آتوود بقدرة تنبؤية لما سيحدث، قالت: إن كتبها لا تتمتع بقدرة تنبؤية لما سيحدث في حياة الناس من أحداث، لكنها تعرف جيدًا كيف تقرأ الواقع، وكيف تستنتج ما يمكن أن يحصل، وذكرت أن الولايات المتحدة الأميركية تخاف من الديمقراطية، وأن أميركا تحب أن تعتمد على العقلية الدينية.

اهتمت مارغريت آتوود في كتاباتها بعادات الناس وما يأكلون وما يلبسون، وذكرت أنها أرادت أن تكون مصممة أزياء في بداية حياتها، وفي كتبها طرحت العديد من القضايا المهمة حول المرأة وجسدها، وعلاقة المرأة بالرجل، وربطت هذه العلاقات بالنظام السياسي.

تحدثت مارغريت آتوود بشفافية وصدق وبساطة عن تجربتها الغنية -ككاتبة- وقرأت مقاطعًا من أعمالها، ثم قرأت الشاعرة الإماراتية نجوح الغانم، مقاطعًا مترجمة إلى العربية من أعمال آتوود.

ساعة غنية وممتعة شملتني بسحرها، وأنا أستمع مع حشد كبير من الكتاب والمبدعين، إلى الحوار مع مارغريت آتوود…

لكن أكثر ما ثبت في ذهني هو فكرة أن يكون لكل تلميذ كتابه الخاص، حبذا لو تعمم هذه التجربة في مدارسنا الابتدائية في سورية؛ لأنها أنجح وأروع فكرة، كي نحفـّز الطالب على أن يكتشف قدراته وينمّيها، وكي نكتشف ويكتشف جوانب الإبداع الكامنة في شخصه…

أستطيع أن أتخيل مئات الكتب التي سيكتبها المبدعون الصغار، ومئات الأفكار الرائعة والإبداعية التي سيفرزها العقل الذكي الخام، لأطفال يحتاجون إلى كل رعاية واهتمام الكبار.

كتابي الخاص، فكرة بسيطة جعلت طفلة كندية، تعيش في بيئة مغلقة فقيرة، كاتبةً عظيمة…

يا حبذا لو يكون لكل طفل سوري كتابه الخاص، وتهتم وزارة التربية والتعليم بمشروع اسمه كتابي الخاص.

مقالات ذات صلة

إغلاق