أدب وفنون

التيس الذي نطحَ عمران على الحدود

(عمران) شابٌ بريءٌ طيِّب، كأنه من جنس العصافير أو الملائكة، لكنه من المناحيس المفاليس.

سافر ذات يوم إلى دولة عربية ليجربَ حظَّه هناك، بعد أن انسدَّتْ أمامَهُ في بلده دروبُ الرزق، ونوافذُهُ، وأصغرُ ثقوبُه!

اسم تلك الدولة، دعونا من الأسماء، فالدول اليعربية -حمدًا للمولى- متشابهة في كلِّ ما يسوء ويُحرق القلب!

وقبل سفره الميمون أو المنحوس جاءَهُ صاحبه: (أبو حسُّـون)، وقال له:

– حبيبي عمران.. دخيل عينك بما أنك رايح إلى (……) سأبعث معك هذه الأمانة. ممكن؟

– ولو يا أبو حسُّون. أنت تأمر.

لم تكن الأمانة شيئًا ثقيلًا. إنها دستة أوراق لها غلاف، أقصد أنها كتاب، والكتاب عنوانه: (التمارين الرياضية لمرضى القلب). حَمَلهُ عمران بحماسة زائدة، حينما علمَ أن شقيق صاحبه مصابٌ بمرض القلب، وهذا الكتاب مفيدٌ له.

عندما وصل عمران إلى حدود البلد المسافر إليه فَنْجَرَ عينيه، وارتخى حنكه من غرابة ما رآه، فهو لم يسافر من قبلُ إلى خارج بلده.

قال لنفسه: ما هذا؟! بنادق هنا وهناك! جنود فوق وتحت! أكياس رمل! أسلاك شائكة! تفتيش، تدفيش! هل هذه جبهة حرب؟!

كان يعتقد أنَّ الانتقال من بلد عربي إلى بلد عربي آخر، كالانتقال من حضن الأم إلى حضن الأب، أو من غرفة إلى أخرى داخل المنزل.

زادتْ حالته سوءًا، وتضاعف ارتخاءُ حنكه، حينما دخل إلى مبنى كبير فيه عدد من شاشات الكمبيوتر، يجلس وراءها موظفون وجوهُهم لا تضحك لطبق الورد! وشفاهُهم مقلوبة متأهبة للصراخ أو الشتم! كأنهم زعلانون من شيء لا يعرفه! وقف أمام إحدى الكوى الزجاجية مادًا يدَهُ بجواز سفره، ليضعوا له تأشيرةَ الدخول عليه، لكنَّ الموظف نَهَرهُ قائلًا:

– ارجعْ إلى الوراء.. مكانُكَ هناك مع الأجانب.

تراجعَ دائخًا، كأنَّ تيسًا نطحَهُ دون أن يفهم شيئًا! لكنَّ أحدَ الواقفين شرح له أن العرب إذا لم يكونوا من سكان هذا البلد، فتصنيفهم من الأجانب، وعليهم أن يذهبوا إلى الكوة الثانية.

– يا ألطاف الله! معقول؟!

أما المفاجأة الأفظع والتي نطحَهُ معها التيس نطحةً ثانية أقوى من الأولى، فحصلتْ عندما قاموا بتفتيش حقيبته! ما كاد المفتش يرى كتاب (التمارين الرياضية لمرضى القلب) حتى نَقَزَ إلى فوق، كأن عودًا شكَّه في مؤخرته، وسأله:

– ما هذا؟!

قال عمران ببساطة:

– كتاب.

– كتااااب!

كاد عمران يبول على نفسه، وهو يرى فمَ المفتش مفتوحًا كمغارة كبيرة!

هل صار الكتاب دون أن يدري بعبعًا؟ هل صارت أوراقه الرقيقة كالأسلحة المهرَّبة، وكلماتُه كالمخدرات التي يسمع بها ولا يعرفها؟!

وسائل الإعلام في كل الدول العربية تحكي وتحكي عن أهمية الكتاب، وتسميه: رسولَ الثقافة.

عبارة: (خيرُ جليس في الأنام كتابُ) منقوشة بخط عريض على أبواب المكتبات في المراكز الثقافية.

أبوه عندما رسبَ في امتحان البكالوريا لَكَزَهُ في صدغه، وقال: (ولكْ يا ابن الذين… لو أنك نمتَ وصحوتَ مع الكتاب؛ لكنتَ اليوم من أول الناجحين).

حاولَ عمران أن يشرحَ للمفتش أن هذا الكتاب يتعلق بالرياضة، ولا علاقة له بالسياسة أو المحظورات، لكنَّ المفتش قاطعَهُ غاضبًا:

– رياضة.. مياضة. كلُّه ممنوع.

مفتش آخر قال لعمران بنبرة لينة نسبيًا:

– هل هذا الكتاب موجود في بلدنا؟

ردَّ عمران بعد تفكير:

– لا أظن، فلو كان موجودًا ما طلبَهُ شقيقُ صاحبي الذي أحمله إليه.

– ما دام غير موجود، فهو ممنوع.

ثم تابع المفتش، وقد قرأ الدهشة في عينَيْ عمران:

– ليس الأمر بيدنا، لدينا تعليمات، ولكنْ نصيحة لوجه الله، اكرهْ هذا الشيء الذي سبَّبَ لك الإحراج الآن. اكرهْهُ، والعنْهُ، واشتمْ مَنْ صنعَهُ كي لا تحمله معك في أي سفرة قادمة.

ابتعدَ الكتابُ في يد المفتش، وودَّعَ التيسُ عمرانَ بنطحة لا ينساها!

مقالات ذات صلة

إغلاق