سورية الآن

ذكرى ناجي العلي.. مرارة الحنظل

لم يكن ناجي العلي مجردَ اسمٍ يمكن أن يسمعه العابرون في هذه الحياة، ولا مجرد فنان كاريكاتير يرسم لينعش البصر والخيال، ولا مجرد مثقف يكثف بخطوط قلمه سيرةَ شعب منكوب، ولم يكن فلسطينيًا يحمل قضية أهله وأحبائه ووطنه فحسب، بل كان تشكيلًا نادرًا من كل هذا وذاك، كان تاريخًا كاملًا للمعاناة الإنسانية، يُقرأ في كل مكان وآن. لقد اختصر ناجي العلي في سيرته خفايا البشرية حين تبتلع ذاتها، متخمة بثقافات وعسكر وسياسات وتحالفات لأنظمة محشوة بالهراء، وواقع يحيط به الضباب، وشعوب تُدفن مع آمالها على قارعة الانتظار.

أعلنت الشرطة البريطانية، يوم أمس الثلاثاء، عن فتح تحقيق جديد في مقتل رسام (الكاريكاتير) الفلسطيني ناجي العلي، وأطلقت على النداء الذي وجهته للحصول على معلومات بشأن الحادثة اسم (عملية أمازون)، وطلبت من الذين يملكون “معلومات” عن “رجل شوهد يبتعد بسيارته عن المكان” بعد الجريمة، بالإدلاء بها. بحسب (أ ف ب).

قال قائد شرطة مكافحة الإرهاب دين هايدون: إن “جريمة القتل الوحشية للسيد العلي أفجعت عائلته، وبعد 30 عامًا لا زالوا يشعرون بفقدانه”، ولفت إلى أن “الكثير يمكن أن يتغير خلال 30 عامًا… التحالفات تتغير”، وأضاف: “نعتقد أن هناك أشخاصًا لديهم معلومات يستطيعون المساعدة في إحضار المسؤولين عن الجريمة أمام العدالة”، واعتبر أن “الناس الذين لم يكونوا مستعدين للحديث وقت الجريمة، ربما أصبحوا الآن مستعدين للتقدم بمعلومات مهمة”.

وكان العلي قد تعرض لإطلاق نار، في 22 تموز/ يوليو عام 1987، في شارع آيفز في منطقة نايتسبريدج في لندن، ونقل إلى المستشفى ليدخل في غيبوبة استمرت أكثر من شهر، ثم أُعلن عن وفاته في 29 آب/ أغسطس 1987.

وقال شهود عيان للشرطة: إن رجلًا بعمر “25 عامًا” له ملامح “شرق أوسطية”، كان يحمل سلاحًا ويتبع العلي، ثم استطاع “الفرار بعد الهجوم”، وشوهد بعد دقائق من الحادثة رجل آخر في “الخمسينيات” من عمره، أنيق وله سحنة “شرق أوسطية”، يركض مسرعًا ويضع “يده اليسرى تحت سترته”، وهو يخفي شيئًا ليغادر بسيارة.

أوضح هايدون بأن المسلح كان “يتبع ناجي العلي لمدة 40 ثانية، قبل أن يطلق النار عليه، ورغم قصر مدة الهجوم، تمكن الشهود من توصيف المشتبه به وصفًا جيدًا”، وقد عثر على المسدس الذي اغتيل فيه العلي، بعد عامين من عملية الاغتيال، مرميًا في “أرض فارغة في بادينغتون”.

ولد العلي في قرية الشجرة الفلسطينية عام 1937، ولجأ مع أسرته بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين إلى لبنان، وعاش في مخيم (عين الحلوة) حتى أنهى دراسته، فغادر إلى الكويت وعمل كرسام (كاريكاتير)، في عدة صحف كويتية، ثم عاد إلى لبنان ليرسم في جريدة (السفير) حتى عام 1982، عاد بعدها للعمل مع صحيفة (القبس) الكويتية، وغادر بسبب التهديدات الأمنية إلى لندن عام 1985، وتابع عمله في مكتب (القبس) حتى اغتياله.

صمم العلي شخصية (حنظلة) ووضعها على رسوماته، أول مرة عام 1969، وقال معرفًا بها: “ولد (حنظلة) في العاشرة في عمره، وسيظل دائمًا في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين، وحين يعود حنظلة إلى فلسطين، سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه، لأنه استثناء، كما أن فقدان الوطن استثناء”، وعندما أصبح فيما بعد (حنظلة) مكتوف اليدين، علل العلي ذلك بقوله: “كتفته بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973؛ لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة”، وأضاف: “هنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر لا مطبّع”.

اقتحم العلي برسوماته المحظورات المختلفة، وهز الكثير من أركان الأنظمة والأحزاب والتيارات، وكشف عورات التفكير والشعارات والأيديولوجيات والوعود والعهود، ورافق القضية الفلسطينية كابنها البار، بكل نبضاتها وأناتها، وأصبحت ريشته وحدها بمثابة تنظيم أو منظمة، كحالة ثورية تتدفق إبداعًا وانتماء للإنسان في توقه الدائم للحرية، وتفيض وعيًا للسياسة ومطابخها، وللثقافة وازدواجيتها أحيانًا، وللأديان وتسخيرها في عباءة الأنظمة.

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت رسوماته (الكاريكاتيرية) بمثابة بيان سياسي، ولعل الكثير من أصحاب القرار كانوا يترقبون كيف سيعلّق العلي بخطوطه، على حدث أو مؤتمر أو اتفاق أو تصريح، وكانت شجاعته، في النقد وتشريح الواقع، ملفتة للجميع، ويمكن اعتبار بعضها قصة قصيرة متكاملة بشخوصها، أو فيلمًا متحركًا متقن الإعداد والإخراج والتعبير بلغة العيون والجسد والأعضاء، وما إلى ذلك.

لم يوارب العلي أو يساير أحدًا في مسيرته، على الرغم من كافة الصعاب المحدقة بعمله، بل إن شجاعته جلبت له الكثير من العداوات -بخاصة من أصحاب القرار- وكان هدفه الأساس في فضح وتعرية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وإحساسه بعذابات الناس المظلومة، هما المحرك الذي يكمن خلف فكره الذي حرك أنامله بتلك الرسومات، ليصبح جزءًا من ثورة شعبه ومن تاريخ المنطقة، وليبقى العلي بـ (حنظلة) الذي لم يلتفت إلينا، كدلالة على أن المشهد برمته ما زال بمرارة “الحنظل”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق