هموم ثقافية

السينوغرافيا بيت المسرح

كلمة سينوغرافيا (Scenography) يونانية الأصل، مركبة من مقطعين هما: (Skini) وتعني: خشبة المسرح، أما (Grafo) فتعني كتابة أو وصف، أو رسم. وهي بالمعنى المهني: فن رسم المكان؛ أي البيئة المكانية والدرامية التي يعيش فيها الممثل والمشاهد معًا. وهي تشمل عناصر العرض كلها تقريبًا، باستثناء عنصر واحد هو التمثيل، علمًا أن بعض منظري المسرح عرّفوا فن التمثيل بأنه: فن رسم الشخصية أو الدور، وهذا –طبعًا- غير دقيق.

إنها علم وفن، يهتم بتأثيث الخشبة المسرحية، وهي هندسة للفضاء المسرحي الذي يوفر الانسجام التام، بين الصورة والصوت والحركة. ‏وبناء عليه يمكن تقسيم العرض المسرحي المنجز إلى قسمين هما: السينوغرافيا والممثل. فالسينوغرافيا تشمل كل ما هو مرئي على الخشبة ويشارك في العرض، من ديكور وإضاءة وملابس ومؤثرات ومستلزمات مسرحية، وقد يطال مقاعد الصالة وشكلها أيضًا، لكنها لا تشمل الممثل؛ لأنه العنصر الوحيد الحي الذي يتحرك ويتكلم ويشعر، وهذا لا يعني أن بقية الفنون لا تتكلم أو تتحرك أو تولد المشاعر لدى المشاهد، لكنها عناصر جامدة، وجدت أصلًا لخدمة الممثل، وحركتها تأتي بأمر من خارجها، من فنان آخر، لا يظهر على الخشبة، هو مصمم الديكور ومنفذ الإضاءة والموسيقى وغيرها. ثم إننا نستطيع الاستغناء عن هذه العناصر، بعضها أو كلها، دون استثناء، لكننا لا نستطيع أن نشاهد عرضًا بلا الممثل (الإنسان).

يستطيع الممثل بجسده ومشاعره الصادقة فقط، أن يجعل المكان ضيقًا أو واسعًا، صديقًا أو معاديًا، مزعجًا أم مريحًا. الشجرة أو العربة –مثلًا- لا تستطيع فعل ذلك، ومهما حاولنا، فهي لا تعطيك سوى معنى واحد. قد تساعد الإضاءة في إضافة تعبير جديد لها، وقد نحتال لنجعلها تتحرك، وهذا كل شيء. لكن العربة تصبح (شخصية) فاعلة، إذا تعامل معها الممثل، كما حدث للعربة في مسرحية بريخت (الأم شجاعة).

إن السينوغرافيا لا يمكن أن تكون بمعزل عن الممثل؛ وهذا يقودنا إلى مسألة مهمة، وهي أن التصميم أو اللوحة التي تكون جميلة في المعرض أو الصالون، قد تصبح قبيحة وزائدة في العرض المسرحي، إذا لم تكن فاعلة فيه، ولم تلعب دورًا دراميًا يتوافق معه. حدث ذلك في عصر الباروك عصر الزخرفة والبهرجة الزائدة، والتصوير الفوتوغرافي للمكان الذي تبين أنه لا مبرر له، فمهما فعلت لن تقنع أحدًا بأن ما يراه حقيقي.

لا توجد شجرة حقيقية على الخشبة، سواء كانت يابسة أو خضراء! نحن نعلم أنها شجرة غير حقيقية، لكن عندما يتعامل معها الممثل ويقطف منها الثمار بحرفية وصدق، نصدق ذلك، حتى لو كانت شجرة يابسة، تمامًا كما نصدق بريق الضوء في عين طفل، ونكاد نلمس بشرته الناعمة في لوحة رسمت على قطعة خام. هنا تكمن عظمة الفن وخطورته: في هذه اللعب المدهش وهذا التواطؤ العذب بين الممثل والمتفرج.

أجرى المخرج المسرحي الفرنسي المجدد جان فيلار: (1912- 1971) تجربة حول علاقة الممثل بالمكان والأشياء. وكانت فرضيته هي التالية: إذا كان الثلج يهطل في الخارج، ودخل الممثل من دون أن يضعوا على كتفيه قطنًا، فسوف ينتقدك المتفرجون، وإذا وضعت قطنًا على كتفيه، كي يصدقوا ذلك، فإنهم سوف يتساءلون، بعد مضي القليل من الوقت: أما آن لهذا الثلج أن يذوب!! وإن قمت برش مسحوق كيميائي أبيض يذوب بعد قليل، كي يصدقوا، فلن يصدقوك، بل سيسخرون منك، لأنهم يعلمون أنهم في المسرح، وأن الممثل دخل من الكواليس! فما هو الحل؟

يرى فيلار أن الحل الوحيد لهذه المسألة هو أداء الممثل. فإن كان مبدعًا حقيقيًا ودخل منكمشًا واتجه مباشرة نحو المدفئة، وهو يوحوح ويفرك يديه من شدة البرد، فإنه يستطيع، لا أن يقنع المتفرجين فقط، بل يجعلهم يشعرون بالبرد أيضًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق