تحقيقات وتقارير سياسية

سرقة وفق “القانون” – الاستيلاء على موارد المياه في الجولان المحتل

يتميز الجولان بخصوبة التربة وجمال تضاريسه ومناخه المتوسط (مناخ البحر المتوسط) ذي الفصول الأربعة، الشتاء البارد الماطر، والصيف الجاف الحار، وفصلي الربيع والخريف الانتقاليين. أما بالنسبة إلى هطولات الأمطار؛ فيلاحظ ازدياد كميات الأمطار والثلوج، كلما اتجهنا شمالًا مع ازدياد الارتفاع، حيث تراوح كميات الأمطار في الجنوب بين 400–500 مم، وفي الوسط تصل إلى 800 مم وإلى 1500مم على جبل الشيخ شمالًا؛ ما يجعل الجولان غنيًا بالمياه والينابيع والأنهار، وأهمها اليرموك، بانياس، الحاصباني والوزاني (حامد الحلبي، الجولان المحتل – لمحة تاريخية، 1996).
ولذلك؛ أولى زعماء المنظمة الصهيونية أهمية خاصة لجبل الشيخ، باعتباره “أبو المياه” والمصدر الحقيقي لفلسطين، وادّعوا أن فصله عن حدود الدولة العبرية المستقبلية سيوجه ضربة حقيقية إلى جذور الحياة الاقتصادية لهذه الدولة. (نزيه بريك، دراسة حول العلاقة بين الاحتلال ومصادر المياه، 2012). ومع احتلال الجولان عام 1967 تكون قد تحققت أطماع زعماء المنظمة الصهيونية وقادة “إسرائيل” وخططهم التوسعية المتمثلة بجعل الأراضي الواقعة إلى الشمال والشمال الشرقي من فلسطين، وتضم جبل حرمون (جبل الشيخ) ومنابع الأردن ونهر الليطاني نهر اليرموك وروافده، ضمن حدود الدولة العبرية.
في سياق الجهود المبذولة لجعل الجولان وجبل الشيخ ضمن حدود الدولة العبرية، بعث الزعماء الصهاينة، في 3 شباط/ فبراير 1919، بمذكرة لمؤتمر الصلح المنعقد في باريس، تضمنت تصورًا متكاملًا لحدودها. ومن جملة ما احتوته المذكرة: “أن جبل الشيخ يعتبر حيويًا بالنسبة إلى دولتنا المستقبلية، باعتباره يشكل مصدرًا غنيًا بالمياه، وأن سلخ هذا الجبل عن هذه الدولة من شأنه أن ينزل بها ضربة حقيقية”.
بعد احتلال الجولان عام 1967، أصدر القائد العسكري لقوات الاحتلال الإسرائيلي أمرًا عسكريًا (الأمر العسكري رقم 120 لعام 1968)، عين بموجبه مسؤولًا، وضعت جميع مصادر المياه تحت سلطته، وخولت له كافة الصلاحيات المتعلقة بأعمال المياه، وحظر على أي شخص القيام بأعمال تمس المياه إلا بموجب ترخيص صادر عن المسؤول، ووفقًا لشروط الترخيص. وقد أتاح الأمر العسكري رقم 120 بشأن مصادر المياه، لسلطة الاحتلال السيطرة على بحيرة مسعدة الطبيعية التي تتسع لـ 8 مليون متر مكعب، وتحويل مياهها إلى المستوطنات التي أقيمت في الجولان، علمًا أن هذه البحيرة محاطة بتلال من الأشجار المثمرة، أهمها التفاحيات والكرز، وتعود ملكيتها إلى السكان العرب السوريين الذين تم حرمانهم من الاستفادة منها لغاية وقت قريب.
انتهجت سلطات الاحتلال مختلف السياسات التوسعية الهادفة للاستيلاء على جميع مصادر المياه الموجودة في الجولان المحتل، حيث قامت بوضع اليد والسيطرة على منابع نهر بانياس الموجودة في الجهة الشمالية الغربية من الجولان والاستئثار بها. ويبلغ المنسوب السنوي لهذا النهر 125 مليون متر مكعب من المياه، توظفها “إسرائيل” في خدمة المستوطنات التي أقامتها في الجولان، ولري سهل الحولة والكمية الباقية تصل لتصب في بحيرة طبريا (نزيه بريك، المصدر نفسه).
إضافة إلى ذلك، تتصرف بكميات كبيرة من مياه نهر اليرموك، تصل إلى 380 مليون متر مكعب. ويتمتع هذا النهر بمنسوب سنوي يقدر بـ 500 مليون متر مكعب، حيث أقامت “إسرائيل” مضخات على هذا النهر لضخ مياهه إلى بحيرة طبريا، ومن ثم سحبها إلى وسط وجنوبي “إسرائيل”، لأغراض الري والاستعمال المنزلي. أضف إلى هذا أن “إسرائيل” تستفيد من نحو 307 مليون متر مكعب من المياه، هي المنسوب السنوي لأنهر ووديان مصدرها الجولان المحتل، ومعظمها يصب في حوض بحيرة طبريا.
فضلًا عن الاستيلاء على مصادر المياه الطبيعية في الجولان، شيدت سلطة الاحتلال 18 بركة صناعية، باستطاعتها استيعاب نحو 60 مليون متر مكعب من مياه الأمطار والينابيع والوديان، تتم تعبئتها في فصل الشتاء وتستخدم لري الأراضي الزراعية التابعة للمستوطنين طوال فصل الصيف، كما قامت بحفر عشرات الآبار الارتوازية في سائر أنحاء الجولان المحتل، لتحصل على ملايين الأكواب من المياه الجوفية وتحويلها إلى المستوطنين وإلى داخل “إسرائيل” للاستعمال المنزلي. في المقابل، منعت المزارعين السوريين من حفر الآبار الارتوازية وتشييد البرك الصناعية، وحرمتهم من تجميع السيول والينابيع التي تجري خلال فصل الشتاء لاستخدامها في ري أراضيهم الزراعية.
تعدّ سياسة استيلاء المحتل الإسرائيلي على موارد المياه في الجولان مخالفة لأسس ومبادئ القانون الدولي المنصوص عليها في (اتفاقيات لاهاي) المتعلقة بقواعد الحرب البرية لسنة 1907، بشأن وجوب احترام الملكيات والأعيان الخاصة والعامة وعدم مصادرتها من قبل دولة الاحتلال، بصفتها المسؤول الإداري للمؤسسات والمباني العمومية والغابات والأراضي الزراعية التي تملكها الدولة المعادية، والتي توجد في الإقليم الخاضع للاحتلال، وينبغي عليها صيانة باطن هذه الممتلكات وإدارتها وفقًا “لقواعد الانتفاع” (اتفاقية لاهاي الرابعة، المادة 55).
وطبقًا لأحكام (اتفاقيات لاهاي) تستطيع دولة الاحتلال التدخلَ في الحياة الاقتصادية في الإقليم الذي تحتله (كمصادرة الممتلكات الخصوصية، الاستيلاء على الممتلكات المنقولة العامة، أو استعمال الممتلكات غير المنقولة التابعة للدولة صاحبة السيادة على الإقليم المحتل) فقط للأسباب التالية:
1 – للإيفاء باحتياجاتها العسكرية ومستلزماتها الأمنية (متطلبات العمليات والتحركات العسكرية لقوات الاحتلال ضمن الإقليم المحتل).
2 – لتغطية النفقات نتيجة الاحتلال الحربي.
3 – حماية وتوفير مصالح ورفاهية السكان المدنيين في الإقليم المحتل.

من الواضح أن القيود التي أوجدتها أحكام لاهاي، لضبط ممارسات قوات الاحتلال، كانت في غاية الدقة والوضوح، حين أجازت التدخل أو التعاطي مع الممتلكات الخاصة أو التابعة للدولة المعادية، فقط بمقتضى الشروط المذكورة أعلاه، إذ حظرت على دولة الاحتلال أي تدخل أو نشاط اقتصادي في الإقليم المحتل، بصورة منافية للاشتراطات التي جاءت في صلب هذه الاتفاقات، كتحقيق مكاسب اقتصادية لصالح دولة الاحتلال أو لمواطنيها أو لاقتصادها الوطني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق