مقالات الرأي

من يمثّل السوريين؟

كشف المأزق الوطني السوري، في سياق تحوّله إلى صراع مركّب سياسيًا وعسكريًا، عن أزمة التمثيل الوطني للسوريين، كما أن الانتفاضة السورية -في جوهرها- هي ردّة فعل تاريخية على احتكار تمثيل السوريين، وحصر هذا التمثيل بحزب محدد، وملحقاته من مؤسسات شكلية، ومنها ضمنًا أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، التي وُجدت لتضفي الشرعية على احتكار حزب البعث للتمثيل، بالإضافة إلى احتكار النظام السياسي للفضاءات العمومية، من نقابات واتحادات وإعلام، وإغلاق كل المنافذ أمام السوريين لإنتاج تمثيلهم السياسي، وإخضاع المعارضة عبر المؤسسات المحتكِرة للعنف، ومنعها من إحداث تراكم في نشاطها وعملها، بين مختلف الفئات الاجتماعية.

منذ أن كسرت الانتفاضة السورية احتكارَ التمثيل، عبر كشفها زيف تمثيل النظام السياسي ومؤسساته للسوريين؛ راحت تتولّد، على جبهة المعارضة السياسية بشكلٍ خاص، كياناتٌ سياسية، تهدف إلى إعلان إنهاء احتكار النظام السياسي للتمثيل الوطني، وإيجاد ممثل آخر بديلًا عنه، وفي هذا السياق، فإن “المجلس الوطني السوري”، ومن بعده “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”، حاولا أن يكونا ممثّلين للشعب السوري، وقد سعى “الائتلاف الوطني”، على نحوٍ خاص، إلى احتكار ذلك التمثيل، خصوصًا مع الاعتراف الكبير الذي ناله بعد تأسيسه، من أكثر من مئة دولة.

وقد بدا واضحًا أن الطريقة التي أسس فيها “المجلس الوطني”، ومن ثم وريثه “الائتلاف الوطني”، قد رجّحت كفة “الإخوان المسلمين” في المؤسستين، ولم يكن إشراك التلوينات السياسية الأخرى، ذات الطابع الليبرالي والعلماني والإثني (المجلس الوطني الكردي)، سوى محاولة لإضفاء الشرعية على عمل الفصيل الأكثر وزنًا، وأثبتت التجربة أن كل التلوينات السياسية سابقة الذكر، لم تتمكن من إحداث التوزان المطلوب في عمل “الائتلاف الوطني”، وبقيت خارج دائرة التأثير على الخط السياسي للائتلاف، وهو أمر طبيعي نظرًا لكونها في الأساس كيانات هشة، ولا تمتلك بنى حزبية صلبة، ولا تحظى بالامتداد الجماهيري المطلوب؛ وبالتالي فإن دورها -في أحسن الأحوال- ظلّ دورًا وظيفيًا، لا يختلف كثيرًا عن دور أحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية” في التأثير على قرارات حزب البعث.

قبل المضي في توصيفنا لأزمة تمثيل السوريين، لا بد لنا من التوقف عند معطى رئيس، هو أن “الائتلاف الوطني” لم يتمكن من بناء خطاب سياسي واضح ومتماسك، حول استخدام الفصائل العسكرية “المعارضة” للسلاح، وقد بدا صمته عن تكاثر الفصائل الراديكالية تواطؤًا معها، أو قبولًا بها، خصوصًا أن العلاقة بين الكثير من تلك الفصائل وبين “الإخوان المسلمين” هي علاقة شبه عضوية، وبوصفهم، أي “الإخوان المسلمين”، الفصيلَ المهيمن على “الائتلاف الوطني”؛ فقد فشلت كلّ القوى الأخرى المنضوية في “الائتلاف الوطني”، في رفع غطاء الشرعية عن الفصائل العسكرية الراديكالية.

كان لهذا المعطى دور رئيس، بالإضافة إلى معطيات أخرى، في رسم ملامح الصراع الوطني، وتحويله من صراع أساسه فكّ الارتباط مع نظام العنف والاستبداد، وبُناه الاحتكارية، وإقامة دولة ديمقراطية، ونظام سياسي قائم على التعددية، يسمح بأفضل تمثيل للسوريين ومصالحهم، إلى صراع على السلطة بين النظام والقوى الإسلامية، على اختلاف مسمياتها وأيديولوجياتها.

إن هذا التحوّل جعل فئات واسعة من السوريين لا ترى نفسها ممثلةً في “الائتلاف الوطني” الذي ادّعى تمثيل السوريين، كما أنها تدرك ما وصل إليه النظام من تورّط في العنف والقتل والتهجير القسري، وتجده المسؤول الأول عما وصل إليه الوطن السوري من مآلات كارثية، كما أن جزءًا مهمًا من المجتمع الدولي أدرك الفشلَ الكبير للائتلاف الوطني، بل دورَه في شرعنة العمل المسلح للفصائل الراديكالية، من خلال غض النظر السياسي عن دورها، كما أن تصريحات كارثية صدرت عن بعض قادته، من مثل جورج صبرا ومعاذ الخطيب، وميشيل كيلو، رفضت إدانة “جبهة النصرة”، على الرغم من ارتباطها بتنظيم “القاعدة” الإرهابي.

ما ينطبق على فئات واسعة من السوريين لم تجد نفسها منحازة إلى النظام أو القوى الإسلامية، ينطبق أيضًا على الكثير من السياسيين السوريين والشخصيات الوطنية، والتي تجد أن الصراع العسكري فاقم مشكلة تهميشها، وعوضًا من أن تكون الانتفاضة السورية فرصةً لتعاظم دور القوى اليسارية والليبرالية والعلمانية، وخطها الديمقراطي، فقد وجدت نفسها على هامش الصراع الوطني، خصوصًا مع أسلمة الساحة العسكرية، وتوجيه الدعم الإقليمي إلى جهات سياسية محددة، وفتح المنابر الإعلامية ذات الشعبية الواسعة، أمام شخصيات تتقاطع في خطابها وتوجهاتها مع توجهات الدول الإقليمية المنخرطة في الصراع السوري.

لقد ولدت العديد من المبادرات لتمثيل القوى الوطنية الليبرالية والعلمانية واليسارية الديمقراطية، لكن من دون أن تكون قادرة على توليد هيئات سياسية فاعلة، أو التأثير في مجرى الأحداث، بل إن بعضًا من تلك المبادرات تمّ اختصاره، في معظم الأحيان برموز معينة؛ ما أفقدها أبسط مبادئ الشرعية، ونقصد هنا مرجعية المؤتمرات التي انبثقت عنها، فظهرت تلك المؤتمرات، كأنها ترويج لأشخاص بعينهم.

اليوم، مع تراجع الأعمال العسكرية في الميدان، وظهور مؤشرات واضحة على عزل القوى الجهادية من أجل توجيه ضربة حاسمة لها، كمقدمة لإنهائها؛ فإن الكيانات السورية التي ادّعت تمثيل السوريين تبدو في أسوأ حالاتها، خصوصًا مع الأزمة الخليجية الراهنة، والتي انعكست -بشكلٍ خاص- على “الائتلاف الوطني”، و”الهيئة العليا للمفاوضات”، وهو ما يجعل الحاجة إلى إعادة بناء جبهة معارضة ليبرالية علمانية ديمقراطية أمرًا غاية في الأهمية، لكن ليس للادعاء بأنها تمثل السوريين، بل لتعمل من أجل فتح الأفق السياسي، في أي مرحلة انتقالية، لإيجاد أرضية حقيقية لتمثيل السوريين، وإنهاء عصر الاحتكار التمثيلي لهم، ومن دون ذلك، فإن أي حديث عن مرحلة انتقالية -مهما كانت صيغتها- لن يكون سوى مجرد ذرٍّ للرماد في العيون، وسيكرّس الأزمات التي وجدت خلال السنوات الست الماضية، بدلًا من أن يوجد السبيل إلى حلها.

مقالات ذات صلة

إغلاق