هموم ثقافية

احتواء الثقافة: السياسات الثقافية

حين أصر جمال عبد الناصر في عام 1962 على أن تقوم وزارة الإعلام بمهام ثقافية هي من صميم اختصاص وزارة الثقافة، أعلن له ثروت عكاشة، وزير الثقافة آنئذ، عن رغبته في الاستقالة. فما كان من عبد الناصر إلا أن قال له بالحرف: “أنا ما عنديش وزير يستقيل”! لكن ثروت عكاشة أصر على الاستقالة، وأصر عبد الناصر على رفضها، إلى أن توصلا إلى حل وسط: يُعلَنُ عن تعيين الوزير حاكمًا للبنك الأهلي، في جريدة (الوقائع) المصرية، قبل الإعلان عن التغيير الوزاري بخمسة عشر يومًا -وهو التغيير الذي جرى في أواخر عام 1962 وجمع الثقافة والإعلام في وزارة واحدة- لكن إجابة عبد الناصر في الرواية التي قصها عليَّ ثروت عكاشة على هذا النحو، بباريس عام 1990، صاغها في مذكراته بطريقة أخرى، لكنها لا تغيّر من دلالتها الأعمق: “إن نظامنا الرئاسي لا يعرف استقالة الوزير”!

لم يكن موضوع الخلاف، بين عبد الناصر ووزير الثقافة في حكومته، محض خلاف حول موضوعات تنظيمية في مهام كل من الوزارتيْن، كما قد يبدو من الوهلة الأولى؛ بل كان خلافًا سياسيًا بليغًا بامتياز. فالذي توخاه عبد الناصر من رفيق السلاح الذي خاض معه مغامرة 23 تموز/ يوليو 1952 واعتذر أن يكون في مجلس قيادة الثورة، ولم يكن يطيق العمل السياسي، لكنه كان، بفعل نشأته العسكرية وتكوينه الفكري، هو الأنسب من بين رجاله كي يقود الوزارة التي أرادها أن تكون للثقافة، يتجاوز بمراحل ما فكر به ثم خطط له وعمل من أجله ثروت عكاشة، خلال السنوات الأربع الأولى التي تولى فيها مهام وزير الثقافة بمصر. ولعل إضاءة سريعة على رؤية ثروت عكاشة للثقافة ولمهام وزارة للثقافة، كما طبقها في مصر آنئذ، يمكن أن تساعد على فهم الدلالة الأعمق للخلاف الذي نشب بينه وبين عبد الناصر، لا سيما أن بين يدينا مصدرًا لا يستهان به من أجل ذلك؛ إذ إن ثروت عكاشة كان، على ما نعلم، وزير الثقافة العربي الوحيد الذي كتب مذكراته وتحدث فيها -بوجه خاص- عن تجربته وزيرًا للثقافة خلال مرحلتيْن.

كان ثروت عكاشة على وعي منذ البداية بما ينتظره عبد الناصر منه، وما وافق عليه كمبدأ؛ فقد قال له وهو يشجعه في أول يوم عمل له كوزير: “(…) واثق أنك سوف تستطيع أن تشكل رباطًا وثيقًا بين حركة المثقفين وحركة الثورة، لتخلق منهما وحدة فعّالة..(..)”. طلب الوزير ثروت عكاشة إلى عبد الناصر أن يمهله فترة يعمل خلالها على وضع خطة ثقافية متكاملة، يشارك في تحديد عناصرها ورؤيتها مجموع العاملين في المجال الثقافي بمصر؛ إذ لم تكن هناك -في الحقيقة- تقاليد في العمل الثقافي الرسمي في البلدان الأخرى، عربية أو غربية، يمكن استلهامها.

كانت المؤسسة الثقافية الوحيدة التي تقوم مهمتها على تنسيق جهود الهيئات الحكومية وغير الحكومية، العاملة في مختلف الميادين التي أنشئ لأجلها، تتمثل في المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية. أما النشاطات الثقافية التي اعتمدت، خلال الفترة السابقة على توليه الوزارة، فكانت مصلحة الفنون، ومركز الفنون الشعبية، وبرنامجًا ثقافيًا إذاعيًا هو “البرنامج الثاني”. لذلك، كان أول ما فعله ثروت عكاشة، أن استشار من حوله عددًا من كبار المثقفين المصريين، حول ما يمكن أن تكون عليه مهمة هذه الوزارة الوليدة للثقافة. وكان أن توصل إلى فكرة تنظيم مؤتمر عام، يشارك فيه أكبر عدد من كتاب ومفكري وأدباء وفناني مصر، يتداولون خلاله ما أطلق عليه ثروت عكاشة “السياسة الثقافية”، أو الإطار العام للعمل الثقافي. وهو المؤتمر الذي عقد عام 1959 وشاركت فيه طوال أسبوع كامل، وجوه مصر المهمة في الفكر والأدب والفن والمسرح والغناء، فضلًا عن العاملين في مجال بث الثقافة وتنظيم أنشطتها. ولم يتوان عن المشاركة فيه ألمع هذه الوجوه آنئذ، مثل طه حسين وحسين فوزي ويحيى حقي وأم كلثوم وأبو بكر خيرت، ويوسف وهبي، على سبيل المثال لا الحصر. وكانت نتيجة المؤتمر أن تطابقت رؤية الوزير مع رؤية المشاركين فيه. رؤية تقوم على سلوك طريقيْن معًا وفي الوقت نفسه: أن يتمكن المواطن في أرجاء مصر كلها من قطف ثمرات الثقافة العاجلة في المجالات كلها، من ناحية، وإنشاء المعاهد الفنية المنوعة والمختصة لتربية وإعداد جيل جديد من المبدعين، من ناحية أخرى. هذا فضلًا -بالطبع- عن تصميم وتنفيذ مشروعات ثقافية كبرى لا يقوى الأفراد على تحقيقها. هكذا ولدت المؤسسات الثقافية الكبرى كقصور الثقافة، وأكاديمية الفنون مع أركانها الأربعة: المعهد القومي العالي للموسيقى والمعهد العالي للفنون المسرحية والمعهد العالي للسينما ومعهد الباليه؛ كما أنشئت -أيضًا- فرقة الموسيقى العربية والأوركسترا السمفونية والفرقة القومية للفنون الشعبية. وأنجزت مشاريع كبرى بإسهام دولي واسع كالمشروع الهائل من أجل الحفاظ على آثار النوبة، ومعبد أبو سمبل على رأسها، عند بناء السد العالي. وجنبًا إلى جنب، بدأت ثمرات النتاج الثقافي تقدم للجمهور الواسع، لا في العاصمة أو في المدن الكبرى فحسب، بل كذلك في مدن الأقاليم. لكن تلك المؤسسات والمشروعات على أهميتها -كما نراها اليوم وقد صارت جزءًا لا يتجزأ من المشهد الثقافي المصري- ظهرت في حينه على ما يبدو، وكأنها موجهة للنخبة في المدن الكبرى.

هكذا، ومع ظهور التلفزيون عام 1961 أداة إعلامية وترفيهية وإلحاقه بوزارة الإعلام، بدأت هذه الأخيرة في إنجاز مشروعات ثقافية خاصة بها، ولا سيما في مجاليْن هما من صميم اختصاصات وزارة الثقافة: العروض المسرحية على اختلافها ونشر الكتب الموضوعة أو المترجمة. واستثار ما كانت وزارة الإعلام تتمتع به من إمكانات مالية وضعت بتصرفها، تستطيع بها منافسة وزارة الثقافة والتفوق عليها من ناحية، وعزوفها عن تقديم ثمرات النتاج الثقافي للوزارة الوليدة، مما أدى إلى اضطراب في الحقل الثقافي، عبرت عنه هذه الازدواجية في طبيعة “الإنجاز الثقافي”، والذي بدا وكأن عبد الناصر وراءه، حين لم ير بدًا في نقاشه مع ثروت عكاشة حول الأمر، إلا أن يفصح عن رغبته في توحيد الثقافة والإعلام في وزارة واحدة، وموافقته على ما كان وزير الإعلام ينجز ما طلب إليه تنفيذه، ربما لأن هذا الأخير كان ينجز -في نظر عبد الناصر- ما كان ينتظر من ثروت عكاشة أن يفعله، أي: أن يشكل رباطًا وثيقًا بين حركة المثقفين وحركة الثورة؛ ليخلق منهما وحدة فعّالة.

كان ما شكا منه ثروت عكاشة إذن يتمثل في ما بدا له طريقة في كسر وحدة السياسة الثقافية في مفهومها الأولي، وفي طريقة تنفيذها ضمن الحكومة الواحدة، وعرقلة ما عمل على وضع أسسه من خلال تفضيل الكمِّ على الكيف في كل مجال: المسرح والفن والكتاب.

سيغادر ثروت عكاشة وزارة الثقافة رافضًا نظرة عبد الناصر، وهي النظرة التي سيضطر إلى التخلي عنها بعد سنوات أربع، في عام 1966، حين طلب من جديد إلى صديقه أن يتولى أمورها، وهي الفترة الثانية التي استمرت أربع سنوات، حتى عام 1970.

لا شك أن هذا النوسان بين سياستيْن قد ترك آثاره على أرض الواقع الثقافي في مصر، طوال تلك المرحلة التي بدأت مع إنشاء الوزارة عام 1958، والتي كانت الدولة خلالها قد احتكرت المجال الثقافي العام بصورة كاملة. ما كان بالطبع للمؤسسات أو المشروعات الثقافية الكبرى -المشار إلى بعضها قبل سطور- أن توجد لولا الدولة وقدراتها. لكن ذلك لا يمكن أن ينسينا أن هذا الاحتكار كبح مبادرات المجتمع الفردية التي كان العديد مكنها قائمًا قبل 23 تموز/ يوليو، والتي كان يمكن الاستمرار في تشجيعها ودعمها، لا سيما أن معظمها كان منسجمًا مع تطلعات هذا الوزير الطموح الذي كانه ثروت عكاشة.

هنا، لا يجدر بنا أن نتجاهل شهادة أحد كبار المفكرين المصريين، حول مسألة “هيمنة الدولة” على الثقافة، ونعني به لويس عوض الذي كتب: “إن ما يسمى تحرير الثقافة من وصاية الدولة المقترنة بمسؤولية وزارة الثقافة عن الثقافة هو محض وهم كبير؛ لأن وزارة الثقافة في قمة المركزية الناصرية لم تفرض وصاية على فنان أو أديب، بل تركت أكثر الزهور تتفتح. (…). الوصاية على الفن والأدب، لا. إنما كانت الوصاية على الفكر وحده”.

“كانت الوصاية على الفكر وحده”، ألِأن الفكر ليس كالأدب والفن حمّال أوجه؟

مقالات ذات صلة

إغلاق