تحقيقات وتقارير سياسية

الشرق الأوسط

أخذ هذا المصطلح طريقه إلى التداول، مع نهاية القرن التاسع عشر، واستُعمل بغرض سياسي للإشارة إلى المنطقة الجغرافية الممتدة على بقايا ما كان يطلق عليه الشرق الأدنى، بالنسبة للأوربيين، وصولًا إلى حدود الشرق الأقصى، وهي عمليًا تمتد على أجزاء واسعة من قارة آسيا وبعض الأجزاء الشرقية من أفريقيا، وقليل من قارة أوروبا، وذلك بحسب تمدد أو تقلص الرغبة الدولية، في تحديد خرائطه.

استعمل مؤسس (الصهيونية) تيودور هرتزل هذا المصطلح عام 1897؛ ليشير إلى وجوب قيام “كومنولث شرق أوسطي”، تقوده اقتصاديًا دولة (اليهود)، وورد المصطلح مع بداية القرن العشرين في مقال صحفي لضابط بريطاني، وكذلك في عدة مقالات لفالنتاين شيرول مراسل جريدة (التايمز) اللندنية، في سلسلة بعنوان (المسألة الشرق أوسطية) التي جُمعت فيما بعد بكتاب.

يقصد بعض مستخدمي هذا المصطلح منه الدلالة إلى مجموعة الدول العربية التي تقع شرقي البحر الأبيض المتوسط، وكذلك دول الخليج العربي، بالإضافة إلى إيران وتركيا، لكن هنالك من ضم إليه بعض دول أفريقيا المجاورة للبحر الأبيض المتوسط، وقد ورد تعريف له في (الوكالة الدولية للطاقة الذرية) عام 1989 بأنه المنطقة الجغرافية الممتدة من “ليبيا غربًا إلى إيران شرقًا، ومن سورية شمالًا إلى اليمن جنوبًا”، بالمقابل هناك من يحدده فقط بأنه مجموعة الدول العربية الواقعة في القسم الآسيوي، شرق المتوسط.

من المرجح أن استعمال الباحثين والسياسيين الغربيين، لهذا المصطلح، يختلف عن استخدام أبناء المنطقة، فهو بالنسبة إلى الغرب يتضمن تعريفًا سياسيًا أكثر منه جغرافيًا، فيتمدد أحيانًا ليشمل أفغانستان وبعض الدول الإسلامية، في تلك المنطقة من قارة آسيا، ليدل على التركيبة السكانية وليس الجغرافية، على الرغم من تنوع عناصرها عرقيًا ودينيًا.

تشير المعطيات إلى أن مصطلح (الشرق الأدنى) الذي استعمل مع الغزوات البعيدة والتوسع الاستعماري للإمبراطوريات في القرنين الماضيين، بدأ بالتراجع أمام استخدام تعبير (الشرق الأوسط) وتوسع المساحة الجغرافية التي يمكن أن يشملها، وبخاصة خلال الحرب العالمية الثانية، حيث وصلت حتى حدود الهند.

تعرف الإدارة الأميركية (الشرق الأوسط)، بأنه الشمال الأفريقي المحاذي للبحر المتوسط، بداية من المغرب حتى حدود الهند شرقًا، ليشمل باكستان، ويشمل أيضًا من الشمال تركيا وصولًا إلى الجزيرة العربية في آسيا جنوبًا، والسودان في أفريقيا مع (القرن الأفريقي) الذي يضم أريتريا وأثيوبيا وجيبوتي وكينيا والصومال.

يشير البعض إلى أن جزيرة قبرص في البحر الأبيض المتوسط، هي ضمن الجغرافيا التي تشكل الشرق الأوسط، كذلك الجمهوريات الإسلامية الخارجة من الاتحاد السوفيتي سابقًا، وبجميع الأحوال، يتم الإشارة إلى (الشرق الأقصى) كدلالة على اليابان والصين والدول المحيطة أما (الشرق الأدنى) فكان يطلق على الهند وباكستان وإيران وكافة الدول المجاورة.

هذه المصطلحات التي استخدمت للدلالة السياسية أكثر من الجغرافية، يمكن فهم بعض أهدافها وغايات استعمالها، من خلال استخدام كلمة (الغرب) كمصطلح، فهو يدل على دول أوروبا الغربية بالإضافة إلى الشمال الأميركي (الولايات المتحدة الأميركية وكندا)، ولا يشمل دول أوروبا الشرقية أو بقية دول القارة الأميركية، لتبدو الغاية منه سياسية تدل على نمط تفكير.

إن التحديد الجغرافي لمنطقة (الشرق الأوسط) كان يتبع مصالح ونفوذ الدول، وبالذات الرغبات البريطانية والفرنسية وخاصة بعد اتفاق سايكس–بيكو، وذلك حسب التمدد الاستعماري، وكانت فرنسا تطلق مصطلح (الشرق الأوسط)، في بداية القرن العشرين، على دول المشرق العربي الواقعة تحت سلطة الدولة العثمانية، بينما بريطانيا كانت تضيف إلى تلك الدول إيرانَ وأفغانستان ومصر.

بعد الحرب العالمية الأولى، أخذت بريطانيا تطلق على منطقة سورية ولبنان وفلسطين والأردن ودول الخليج العربي، بالإضافة إلى مصر مصطلح (الشرق الأوسط)، بينما تطلق على العراق وإيران وأفغانستان مصطلح (الشرق الأدنى)، وهكذا كانت هذه المصطلحات يتوسع استعمالها جغرافيًا أو يقل، بحسب السيطرة والنفوذ والمصالح.

بعد الحرب العالمية الثانية والاعتراف الدولي بـ “إسرائيل”، أخذت القضية الفلسطينية بعدًا شرق أوسطي، وبدأ تعميمها بالمصطلحات على أنها إحدى قضايا (الشرق الأوسط)، وربما الغاية من ذلك إبعادها عن كونها قضية عربية، فتبدو “إسرائيل” -جغرافيًا- كجسم طبيعي ضمن منظومة (الشرق الأوسط) مختلفة القوميات والأعراق والديانات، بينما ستبدو كيانًا غريبًا إذا ما بقي استعمال الدول العربية أو المشرق العربي، وهذا يتقابل مع استعمال هرتزل له، في نهاية القرن التاسع عشر، ودعوته لقيام “كومنولث شرق أوسطي”، تقوده اقتصاديًا دولة (اليهود).

الاستعمال الحديث للمفهوم، وخاصة بعد حرب أفغانستان والعراق وظهور مصطلح (الشرق الأوسط الجديد)، أخذ يتجه إلى إعادة الهيكلة السياسية والجغرافية للمنطقة، وهي مبنية في بعض الدول على مفهوم (البلقنة)، بما فيها احتمالية تقسيم تركيا كما العراق، وإن اللعب بالألفاظ بالنسبة للسياسة الخارجية الغربية التي بنت أحلافها العسكرية الجديدة، بناء على الحرب على الإرهاب، وتحديد تموضع الإرهاب بمنطقة (الشرق الأوسط)، ليصبح مبررًا إضافيًا للعمل على مفهوم (الفوضى الخلاقة) التي بدورها تعيد تشكيل المجتمعات الداخلية بالدول، لتحديد شكلها فيما بعد ضمن خرائط (الشرق الأوسط الجديد) الذي أصبحت خارطته الكلية تقارب الخرائط التي وضعت قبل الحرب العالمية الأولى، استنادًا إلى فوضى الحروب وتقاسم المصالح. (ح. ق)

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق