مقالات الرأي

أَضِعْ للفقير “حماره”

طوال ست سنوات من عمر الثورة السورية، لم يتوانَ أحد عن الطعن بقواها الحية، وبإمكانية انتصارها الذي كاد أن يتحقق في بداياتها عام 2012، قبل أن يُطلق العالم يدَ القتلة في الهولوكوست السوري، من إرهاب (داعش) و(القاعدة) و(حالش) وغيرهم، إلى إفلات إرهاب الدولة الحاكمة على شعبها، بإشرافٍ وغض طرفٍ من كل قوى الصراع، بل بإفلات إرهاب دول متعددة كروسيا وإيران وأميركا و”إسرائيل” والعراق، وكل الميليشيات المتطرفة الملحقة بهم، وكأن حربًا عالمية ضروسًا تدور رحاها على الأرض السورية، بكل أسلحة الدمار المُستخدمة عادة في حروب كهذه، وحتى المحظور منها دوليًا، مع سعي كل تلك الأطراف التي تتناقض مصالحها الاستعمارية مع انتصار الثورات، للمساهمة في حرف مسار الثورة نحو نقيض أهدافها المتمثّلة بالحرية والديمقراطية ودولة المواطنة، وهو ما تجسد بوضوح عند الجهات المتطرفة التي تلقّت الدعم الحقيقي والتسليحي، بينما مُنع الدعم عن المعارضة المعتدلة، في محاولة متقصدة لإضفاء سمة التطرّف الإسلاموي والإرهابي عليها، حتى ممن ادعى صداقته للشعب السوري، وعلى رأس القائمة السياسة الأميركية التي لم تكف -منذ البداية- عن اللعب مع المعارضة على قاعدة المثل القائل “إذا أردت أن تُفرِح الفقير أضعْ له حمارَه ثم دعْه يجدْه”؛ لتجعل البحثَ في مسألة رحيل الأسد أو بقائه سقفَ مطالبات المعارضة وطموحاتها، عبر مسلسل مؤتمرات جنيف التي لم تكف بدورها عن السعي لخفض سقف التوقعات والآمال، من خلال تركيزها على مسألة استبعاد مناقشة مصير الأسد، وهي المسألة التي ترتبط بها كل الحلول الأخرى، واقتصار الحل القادر على حسم المعارك وصنع المعجزات بالحل السياسي دون غيره، بينما حلولهم العسكرية، بكل عتادها وطيرانها، تستفيد من هذا الإلهاء ومن إطالة عمر الأزمة؛ لتحقيق المكاسب وتحقيق التقسيم وتوزيع المصالح والحصص على الأرض عمليًا، ولصالح إعادة تدوير النظام القائم برئاسته الحالية التي يعلمون جيدًا أنهم هم ذاتهم عاجزون عن التعامل معه كنظام شرعي، أمام شعوبهم الحرة على الأقل، ولا يمكن استمراريته على المدى البعيد، مهما حقق لهم من مصالح وتنازلات.

هذا الإلهاء تم التعبير عنه في خطة مؤسسة (راند) الأميركية للحل في سورية (من ترجمة وحدة الترجمة والتعريب، في مركز حرمون)، حيث ذكرت، بمواربة مكشوفة: “… إنشاء المجموعة الدولية لدعم سورية التي تجمع وزراء خارجية الدول الخارجية الفاعلة كاملة، بما فيها إيران والسعودية، وفيما يستمر الانقسام عميقًا بين اللاعبين الرئيسيين حول أسئلة ما إذا كان يقتضي رحيل الأسد، وكيف ومتى، فإنهم قد اتفقوا على الأقل على مناقشة وقف إطلاق النار وعلى عملية سياسية، ستؤدي في نهاية المطاف إلى دستور جديد وانتخابات جديدة…”. يأتي ذلك مع إقرار الخطة بأن إقصاء النظام الحالي، عبر بناء قوة عسكرية للمعارضة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، أمرٌ نجاحه غير محتمل، وفيها يُحذّرون سلفًا من التوقعات المبالغ فيها من المحادثات السياسية، فهي للحفاظ على وقفٍ لإطلاق النار، جزئي ومنقوص، على المدى الطويل، وبأن إعادة توحيد سورية، في ظل قيادة وطنية متفق عليها، هدف بعيد المنال، وبأن أفضل الآمال لوقف المقتلة السورية هو القبول بمناطق متفق عليها، تأخذ بالحسبان التقسيمات الإثنو-طائفية والخطوط الحالية للمعركة! وهاهم ما زالوا يُلهون جميع الأطراف بلعبة مكافحة الإرهاب، بغض النظر عن إرهاب الدول داخليًا وخارجيًا، والتغاضي عن أنهم هم من سمح بنمو (داعش) والتطرف الإسلامي، على حساب المعتدلين من الجيش الحر الذي مُنع عنه أي تسليح حقيقي، ولا سيّما مضادات الطيران التي كانت وحدها كفيلةً بتحقيق النصر لهم منذ بداية الثورة، لو سُمح لهم باقتنائهم.

أن تسعى كل الدول لتحقيق مصالحها، هذه مسألة مفهومة، ولا خلاف حولها، لكن ألّا نسعى نحن لتحقيق مصالح شعبنا الحقيقية، هنا تكمن المعضلة. المسألة الجوهرية الآن -برأيي- والتي تستحق الوقوف عندها، وحشد كل الطاقات لتفنيدها، واستخلاص العبر منها توطئةً لتجاوزها، هي التحلّي بالشجاعة وخلقُ أرضية للنقد الذاتي قبل الموضوعي، ليس بهدف جلد الذات بل بهدف استشفاف الأرضية التي نقف حقيقة عليها، والتي علينا أن ننطلق منها، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. علينا أن نطرح الأسئلة التي لم نجرؤ بعد على تفنيدها مثل: كيف سمحنا لأنفسنا أن نصل إلى هذا الدرك الذي يلعبون به علينا، بإضاعة “حمارنا”، والاكتفاء بنصر جزئي ومنقوص، نصر قد يحققونه هم لنا، وقد لا يحققونه؟! كيف يمكن القبول أصلًا بوهم أن مَن يُضيّع لك حقك عن سابق تصميم يمكن الاتكاء عليه بإعادة هذا الحق لأصحابه! كيف لم يتم الاستعاضة عن رهان خاسر كهذا، بالعمل على بناء تلاحمنا للرد على التقسيم والتطييف الذي يُمزّقون المجتمع السوري به! كيف لم نعمل على إيجاد الحلول الذاتية التي تضمن استعادة قرارنا السيادي من هذا التدويل الخطير للقضية السورية! كيف لم نعمل على بناء مشروعنا الفكري وبرنامجنا السياسي الذي يُوحّدنا حول الأسس التي قامت عليها الثورة، لأجل بناء عقد اجتماعي جديد، يُعيد تشكيل الوعي الجمعي والهوية الوطنية، لا تفتيتها وشرذمة قواها والسماح بتطييفها، كما هو حاصل الآن! والأهم هو كيف تم التغاضي عن المراهنة على الشعب الذي قام هو بهذه الثورة الإعجازية، وحطم أعتى جدار خوف محمي من كل قوى العالم، وهو صاحب الحق الحقيقي الذي ضحّى بدمائه للذود عنه؟ كيف لنا بالمحصلة ألّا نُفرّط بتضحياته وحقوقه تلك، ونسمح باختزالها إلى حق ضئيل كهذا؟! وإن كان هذا الحق هو جزء مصيري من حقوقه التي لا يمكن التفريط بها، كمقدمة لتثبيت الحقوق الأخرى، والتي دون إيجاد حل جذري لهذا الحق، لن تنتهي دوامة العنف والإرهاب والاستبداد، إنه حق من الحقوق الأخرى التي إن لم تحقق؛ فسيتم إعادة إنتاج الاستبداد والقهر والعنف من جديد، على المدى المتوسط والبعيد، وما لنا من أمل في الخلاص من الاستبداد، إن لم نبنِ دولة المواطنة القائمة على أسس تطبيق العدالة والمساواة والحريات لجميع أبناء الوطن الواحد، بغض النظر عن اختلافاته الإثنية والدينية والطائفية والجنسية والطبقية والأيديولوجية. إن هذه الاختلافات كفيلة، بتنوعها هذا، أن تُغني قدرات شعبنا، وتُطلق طاقاته حين تحقق ذاتها على أرضية الحرية والعدالة والمساواة بين الجميع.

مقالات ذات صلة

إغلاق