تحقيقات وتقارير سياسية

نقاشات “الإسلام والليبرالية”

أقام صالون الكواكبي، التابع لمركز (حرمون) للدراسات المعاصرة، الندوة الثالثة له في إسطنبول حول “الإسلام والليبرالية“، بحضور نخبة مميزة من الباحثين والسياسيين العرب والسوريين، وقد دأب المركز على اختيار موضوعات حيوية حاضرة ومستقبلية، في محاولة لبعض الإضاءات والتعارف والتعرّف بين اتجاهات مختلفة، وبأمل الإسهام في بناء وعي متجدد يصبّ في مجرى عملية البناء المعرفي الجديد، وتصويب كثير من المفاهيم المغلوطة، وصولًا إلى ما يمكن اعتباره بناء حركة إصلاحية حداثية عربية، باتت شعوبنا في أمسّ الحاجة إليها.

في مداخلة قصيرة، اقترحت لو كان العنوان: الإسلاميون والليبرالية، اعتقادًا بأن الدخول في عمق المفاهيم الإسلامية، ومحاولات مقاربتها مع الليبرالية، أو تبيان المفارقات بينهما، بما في ذلك محاولات التوفيق والتلفيق، والاتفاق والخلاف، يحتاج إلى حالة نهضوية موضوعية تتجاوز الجهود الفردية المتقطعة، على أهميتها، إلى بلورة مشروع نهضوي، حداثي. يمكن لهذه الندوات أن تكون إرهاصات في الطريق، شريطة عدم التقطع، والتكامل بينها.

من جهة أخرى، غالبًا ما تثير النقاشات التي تتناول النصّ، والتفاسير المعتمدة، خلافاتٍ بين الاتجاهات الإسلامية والعلمانية؛ تؤدي إلى نتائج مخالفة لهدف التوافق والحوار والتفاعل، خصوصًا أن مثل هذه العملية تواجه تركة القرون، ووجود التباسات معقّدة حول المضامين، وإمكانية الانتقال من القدسي إلى الموضوعي، ومن الأيديولوجيا إلى الفكر، كما عبر عن ذلك د. حازم نهار مدير عام مركز (حرمون) في أسئلته العشر المهمة التي طرحها.

قبل أكثر من عام، عقد المركز العربي لدعم الثورات العربية، ورشتين بعنوان (تجديد الخطاب الديني)، وقدّمت فيهما مداخلة تعبّر عن وجهة نظري التي تنطلق من محاولة الفصل بين تجديد الخطاب الديني، وتجديد الخطاب الديني السياسي.

الأول يُدخلنا إلى تراكمات القرون، والجدال الذي ما انفكّ يُطرح حول تفسير النص، وحدود قدسيته، وقابلية التجديد فيه، وموقع التفاسير المعتمدة من عملية التطوير؛ الأمر الذي قد يستغرق سنوات، وجهودًا منتظمة لمجاميع مؤمنة بالإصلاح، أو من خلال ولادة حركة إصلاحية تتوفر لها شروط الاستمرار والفاعلية، عكس الذي عرفناه في تاريخنا القريب من تعثر، وتقطّع حركات الإصلاح، وغيابها شبه التام كحركة مجتمعية تتجاوز الأفراد، والحالات الخاصة إلى مستوى إيمان الشعوب بأهميتها وضرورتها، وهو جهد محفوف بمخاطر التفتت، والبعثرة، والهامشي.

بينما يمكن فعل شيء ملموس في تجديد الخطاب الديني للقوى السياسية الإسلامية، والذي يمكن أن يفتح الطريق أمام ولادة حركة إصلاحية قوية، قد تنجح حينئذ في الدخول إلى صلب النصوص، والمفاهيم السائدة عنها. وحين تنجح بعض الحركات الإسلامية السياسية في اعتماد منهج الإصلاح، عبر خطاب سياسي متجدد، وحداثي يمكن أن يكون له تأثيره الكبير على وعي المجتمع وحركيته، وبما يسمح حينها بإحداث نقلات مهمة في التفسير، والوعي، والمقاربات الحداثية. وعلى سبيل المثال، ما تقوم به (حركة النهضة التونسية) يشكل اليوم في عالمنا العربي -على صعيد الحراك السياسي- نقلات مهمة ذات تأثير كبير يتجاوز الإسلاميين إلى فئات شعبية متسعة، ويكسر السائد لدى الحركات الإسلامية، ويفتح الطريق أمام تحالفات واضحة مع قوى ديمقراطية، وحتى علمانية، ويسارية وغيرها.

كما أن تجربة (حزب العدالة والتنمية) التركي، باعتماده دستور البلاد العلماني، وإنجازه قفزات مهمة في جميع المجالات، وخصوصًا في تكريس النظام الديمقراطي والتعددية في المجتمع، توضح أن للسياسة تأثيرها الكبير الذي يتجاوز الإسلاميين إلى عموم الحركات السياسية في المنطقة، وتمثل تحدّيًا حقيقيًا للحركات الإسلامية التي ترفض العلمانية وترى فيها كفرًا، وفصلًا للدين عن الدولة.

في الإسلام والليبرالية، لا يكفي الكلام عن نوع من ليبرالية إسلامية في الاقتصاد، بينما هي مناقضة لها، ومضادة أيضًا على صعيد النظام السياسي والحريات العامة والفردية وحقوق المواطن، والمساواة بين الجميع، بغض النظر عن الجنس والدين والمذهب، ذلك أن الليبرالية لم تعد قصرًا على الجانب الاقتصادي بل باتت ترتكز إلى الحرية، بمختلف تفاسيرها، وتطبيقاتها، وأولها النظام السياسي التعددي، والحكم ومرجعيته، وحقوق الأفراد، والمساواة بينهم في الدستور والقوانين، وهنا لا يمكن لعمليات الانتقاء الكيفي، والتكييفي أن تحل الإشكالية، بأخذ بعض النصوص وتفسيرها “رغبويًا” لتتوافق مع ما نريد، ثم نعمم أحكامًا تجعل من الإسلام حالة ليبرالية متضمنة في بعض نصوص وأحاديث الرسول، أو سيرة الخلفاء والحكام؛ لأن المسألة أشمل وأعمق، وتستلزم حركة إصلاح متصاعدة تعود إلى النصوص الرئيسة المعنية، وتعمل على تفسيرها وفق حاجات العصر ومنجزاته، وتطوراته. ومن ذلك مثلًا اتخاذ موقف صريح من العلمانية، ومن فصل الدين عن الدولة، ومن رفض مشروع الدولة، أو الخلافة، أو الإمارة الإسلامية، وتكريس مشروع الدولة المدنية الديمقراطية دولة التعددية والمساواة والعدالة بين جميع أفراد المجتمع على أساس المواطنة، وليس أي اعتبارات أخرى، وتكريس حرية الاعتقاد والرأي والعبادة، وحرية التفكير والتحزب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق