تحقيقات وتقارير سياسية

“المتجانس” في خطاب الأسد

لا نعتقد أن زعيمًا سياسيًا في التاريخ قد صرح بأن شعبه “متجانس”، بل لا يوجد على سطح الكوكب شعب متجانس، وإن كانت هناك محاولات للوصول إلى بيئة متجانسة، كمحاولة أدولف هتلر، والنظرية الصهيونية وأصحابها الذين ما زالوا يسعون لإضفاء صفة اليهودية على كيان “إسرائيل”.

تبدو الكارثة السورية فريدة بكل شيء، فهذه الكارثة أتاحت لسفاح أن يستمر في الحكم مدة سبع سنوات، وفي بادرة هي الأولى عبر التاريخ، الرئيس ينتخب شعبه، حيث يُطلق كلمة شعب فقط على من أعلن الولاء، سواء كان مقتنعًا أو خائفًا أو متزلفًا، أما هؤلاء الملايين المشردون حول العالم فلم يعودوا سوريين، حسب مفاهيم الأسد لكلمة “شعب”.

لنأخذ كلام رأس النظام السوري على محمل الجد، لنرَى ماذا فعل وكيف، حتى وصل إلى الحصول على شعب متجانس:

– أطلق سراح جميع الإرهابيين من السجون، واعتقل الناشطين السلميين والمفكرين والمتنورين.

– أرسل رسائل لمن لم يطالهم الاعتقال، مفادها أن غادروا فليس أمامكم سوى السجن أو القبر.

– بدأ حملته الهوجاء بإبادة المدن بالبراميل المتفجرة والصواريخ والمدفعية؛ فخرج أهالي تلك المدن إلى دول اللجوء.

– استخدم السلاح الأبشع، وهو الكيماوي؛ فمات من مات وهاجر من هاجر.

– ارتكب المجازر بالسلاح الأبيض، كما في الحولة وغيرها الكثير، وصوّر جريمته وبثها على شكل فيديو مُسرّب، وكان القصد أن تصل الرسالة، فالخيار إما الخنوع أو الذبح كالنعاج.

– هَجَّر ورحَّل مدنًا بكاملها، مثل داريا والزبداني وغيرها، كون أهالي هذه المدن لم يكونوا من الجنس “المتجانس”.

– قام بعمليات تهجير وتغيير ديموغرافي، على مستوى واسع في طريقه لتوحيد الجنس.

وقد ساعده في إعداد وتحضير التجانس خبراءُ الكيمياء والغازات السامة من إيران، وخبراء القذائف الصاروخية والمدفعية من روسيا، إضافةً إلى مجاميع كبيرة من المرتزقة والقتلة المأجورين من لبنان وإيران والعراق وأوزباكستان والشيشان وتونس ومصر وفلسطين، جميع هؤلاء عملوا -ليل نهار- على مدار سنوات سبع، كي يُنتجوا الشعب “المتجانس” الذي تحدث عنه رئيس جمهورية الـ “بسطار” الفريدة.

أما عن النصر، فذلك حديث آخر، فمفهوم النصر بالنسبة إلى وارث الحكم مُستمدّ من فكر الحزب القائد صاحب هزيمة 1967، حين عدّ عدم سقوط القيادة نصرًا، لأن المؤامرة تستهدف القيادة، وقد ذكر وزير الإعلام آنذاك محمد الزعبي كيف أصر حافظ الأسد على أن القنيطرة سقطت، فيما لم يكن على أرضها جندي إسرائيلي واحد، وتم تسجيل النصر في الحقيقة، وكان أول نصر يحققه حافظ الأسد على الشعب السوري، تمامًا كما هو نصر وريثه اليوم الذي يتحدث عن بوادر النصر على كل العالم عدا روسيا وإيران.

قسم الأسد الابن العالمَ إلى دول متآمرة، وهي الغرب وأميركا، ودول لا قيمة لها ولا وزن، وهي الدول العربية، ودول حليفة، وهي إيران وروسيا، إضافةً إلى عشرات الميليشيات من المرتزقة والقتلة المأجورين.

قد يكون الأسد انتصر أو كاد، على ملايين المُهجّرين، وعلى عشرات آلاف المعتقلين الذين أعدمهم في السجون، وانتصر على شبكات الماء والكهرباء والأبنية العامة، من مدارس ومشافي ومساجد وغيرها، فحوّلها أثرًا بعد عين.

يمكن أن تطرح فكرة رأس النظام السوري سؤالًا حول ما إذا كان بإمكان الرئيس الأميركي أن يحصل على شعب متجانس! لا ريب سيكون أمامه عمل ضخم، وهو إزالة ولايات كاملة بأهلها وشجرها وحجرها، وسيكون مضطرًا إلى استخدام جرافة الأسد و”تركس” (حزب الله) الأصفر، تصوروا أن رئيسًا يفوز بـ 51 بالمئة من أصوات شعبه، يسعى لشعب متجانس، فيقوم بإبادة 49 بالمئة من الشعب، هذا تمامًا ما فعله الأسد، كي يحصل على شعب متجانس.

لقد بات الأسد يُنافس كبار ضباطه بإطلاق النظريات الجديدة في علم الفلسفة والاجتماع، وربما شعر بالغيرة من مرؤوسه النمر سهيل الحسن الذي بات ضيفًا دائمًا على حفلات التكريم، في قاعدة حميميم الروسية، بينما وجد بشار الأسد نفسه غريبًا في زيارته لتلك القاعدة، حين استدعاه وزير الحرب الروسي، مما اضطر الأسد إلى أن يُسجّل كلمة في سجل الزوار، شأنه شأن أي غريب عن البلاد.

لم يفصح الأسد كيف انتصر على الغرب “المتآمر”، ولا نعلم إن كان وجود أكثر من عشر قواعد أميركية على الأرض السورية نصرًا، وكذلك القواعد البريطانية والدنماركية والفرنسية والألمانية وغيرها، كلها نصرًا وفتحًا مبينًا، أم أن الأسد يقصدُ غربًا لا نعرفه!

القوات الأميركية التي انتصر عليها الأسد تصول وتجول من الحسكة والرقة، وعلى طول الحدود الأردنية إلى دير الزور، فعن أي انتصار يتحدث؟

أما عن انتصاره على “إسرائيل”، فربما لا يعلم أنه تم إضافة مسافة أمان جديدة للكيان الصهيوني، بعمق ستين كيلومترًا عن خطوط الفصل السابقة، حيث بات من الممنوع على جيش الأسد مجرد الاقتراب من الخط الجديد، ربما اعتبر الأسد أن دمار مدينة درعا وأريافها ودمار البنية التحتية وخسارة مصادر المياه لصالح “إسرائيل” انتصارًا عليها، ففي مدرسة البعث كل هزيمة انتصار، طالما أن الزعيم على الكرسي، فالكرسي هو الفيصل في الأمر.

يبقى للسوريين الأمل بأن يروا، يومًا ما، محكمةً متجانسة، تنظر في جرائم ذلك الديكتاتور، وتُنصف ضحايا جمهورية الـ “بساطير” و”التجانس”.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق