أدب وفنون

في معنى الخوخ.. في ترجمة السكين

لكي نتهجى “سيرة الضوء” علينا أن نبدأ بلثغ العتمة، لكي ندرك سرّ التفاح علينا أن نعرف عرينا، ولكي نعي معنى الوردة علينا أن نمارس الحب مثل ميسم ومئبر.

امرأة وحيدة” تعبى من الاكتمال”، تعيش تعددية الجسد وانقسامات الرغبة وأصوات تعوي في العظم في تقويضٍ داخليّ عام. في عيش الموت والخروج عليه، في الضجر، في الحب، الخسارة والأحلام المعطوبة و”النهارات المريضة بالطحالب”، حيث يرن العراء المعدني للمعنى، في محاولاتها المهولة لاحتساء الضوء، للعيش على مسافة صفر من سطح الجلد وتنسم الهواء الخارجي لسطح العالم، في سعي محكوم باللانتيجة لاكتشاف مجرات عميقة بالعين المجردة، وتملّص الأشياء من الفكرة ومحاولات ضبطها بأشكال لم تتشكل من قبل، والبحث عن الكنز المخبوء في الفم، وعن كلمات المرور إلى عالم أزرق، حيث لا ضامن مطلقًا للنجاة وعدم تذررها في بحثها المضني عن مكان لغويّ تكون فيه كما ينبغي لها أن تكون، أو كما تريد لنفسها أن تكون. عارية كحالتها الأولى، بريئة بكلّ معرفة وذلك فقط لأن العراء وحده يليق بالشعر، عراء اللغة والعالم بشعر حقيقيّ، بألم شعريّ حقيقيّ، لأن كل ما عداه هو تدبيجات شعر يتركها أشلاء مكتملة، يخونها، يقتلها، ويحييها من جديد، مدركة أن الشعر هو الوطن الذي يخون مواطنيه.

“اقطع هذا الحليب المدهون كاللعنة على جسدي

نصفان جسدُ المرأة التي تُحب

نصفان أيها الرمان الفخور

نصفان أيها العالم المأخوذ بكرويته”

في هذا الفضاء تقذفنا وتقذف نفسها: رشا صادق، في كتابها الشعري الجديد: “تشريح الخوخ” في محاولاتها “غير المكتملة في تعريف السكين”. وتتركنا بلا أي منفذ للنجاة، على قارعة عوالم جديدة، مبتكَرة وغير معلنة، في شعر يخلقها ويهدمها من جديد، ويعيد تأثيثها بمواد حية ومشاعر حادة. شعر يؤنسن العالم بطريقة وحشية، مملوء بالخسارة، غير معزٍّ، غير مواسٍ، محفَّز بآلاف الشرارات الضوئية والصعقات الكهربائية، من خلال صوت لا يحتمل أن يكون مفردًا، بل ارتجاجًا جوفيًّا لآلاف الأصوات التي تصرخ معًا في الأحشاء، مستدعية أحلامًا حارة وكوابيس معدَّلة وراثيًا على هيئة شعر. شعر أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه وحشيّ، طاعن في الوجع، طاعن في الرغبة، معذِّب، معذَّب، مرهِق، يقفز من حدّة إلى حدّة، من هاوية إلى هاوية، محاولًا بناء جسور متهالكة تتقوض عند أدنى نفَس. شعر لا يشبه إلا نفسه: مدمَّرًا. ولا يأبه إن كان سيصل إلى لا نهايته، أو يُقتل في أول مناولة. شعر صادم، غير هادئ، جاف مثل عين نفد دمعها، غير مألوف مثل حكايات طازجة عما وراء كل شيء، عفويّ في رقته مثل اعتراف قاسٍ في صراحته مثل ندم، بريء مثل غابة سوداء.

“أطل عليكَ من عريي

ثقيلةً بكل الأنهار التي تزيح عظامي

وتفيض بكل الزوارق التي غرقت

بالشباك

بالجهات المقلوبة

بالملح الأسود المفروش على ظهري”.

سنسأل ونحن مصطفون حول طاولة التشريح إن كنا نحن من يتمدد على الطاولة؟ ستكون مشروعةً دهشتُنا، وأسئلتنا سائلة، ودمنا واقعي جدًا. سنغوص بكفين مقفّزتين في الأحشاء الدبقة للكلمات، وسيعلق الدم بأصابعنا إلى الأبد، سنفتش عن الحب والموت في هذا الكتاب التشريحي المخصص للحب والموت، هذه “الحفلة الجماعية للولادة”. سنسأل إن كان هناك ضجر أحدّ من ضجر الحب؟ إن كان هناك صخب أنعم من صخب الحب؟ أليس هو تلك المسافة الزمنية غير المسموعة التي يمثلها “سقوط حبة خوخ في مكان ما من العالم”. سقوطنا الذي لا يُسمع منه سوى “بحة”. إن ما تحيلنا إليه رشا في معنى الخوخ هو هذا: الحب، الضجر، الصخب. أو هذا الانفعال الساكن والغليان الهادئ. أليس هو السكين أيضًا؟ أليس هو “الجسد المدود في حقل من الخوخ”. أليس الحب هو محصلة “عناصر قلقة”، تسعى للخروج من “الموت والموتى والبلاد الخراب”، وتتمنى موتًا سهلًا “كموت شمعة في عيد ميلاد” أو موتًا نظيفًا “كطعنة”.

سنجد في “تشريح الخوخ” شعرًا مخفورًا بالوحدة، مجبولًا بالرغبة. رغبة مولودة من روح مهدَّدة في ذاتها، غير متكيفة، وغير قابلة للتلاؤم. روح تنبش في أرواح الأجساد حيث “غبار الملائكة يتساقط كالطحين”. روح تحفر عميقًا في بؤسها الواقعيّ، في حركتها الأثيرية لبلوغ ما لا أمل في بلوغه. روح تتقافز في جسد يجسد ارتعاشاته شعرًا غير قابلًا للشفاء، ومهددًا الشاعرة في دفعها لترميَ نفسها من الشرفة التي ليست إلا سماء أو انعكاس الهاوية متمسكةً “بذروة الشجرة كنجمة أخيرة”. سنعثر على الشعر مسلَّحًا بعزلته، والفعل في صورته الساكنة، والفوضى المنطقية لمحاولة تجميع العوالم التي تعيش حفلتها التنكرية، حيث كل شيء يبدو زائفًا، مخادعًا وكل نظرة هي ثابتة بلا رموش أو تعابير، نظرة عالم الدمى الزائفة.

ما الذي يستطيعه الشعر في هذه العوالم؟ ما الذي تفعله رشا المرأة التي تلعب دور “الهزيمة” في هذا التجزؤ العام، في هذه الرؤيا المنقوصة لكل فعل، في التشظي الوجودي والتسطيح المنقول بالهواء والتفشي الباهت لكل تقليد، في شاطئ العالم المملوء بالأسماك الميتة والحيتان المنتحرة. سيحاول الشعر الحفاظ على موقفه في صيانة فوضاه الخاصة من كل ترتيب زائف، في لا لانهائية معلنة، وسيكون الشاعر هو “العاجز العظيم”، حسب تعبير رامبو المدموغ بعلامة الفشل التجارية.

“تعال تتعلم كيف يضع العشاق أحلامهم على أظافري ويبكون

كيف يمدون خصورهم على روحي ويصرخون

كيف يقلعون قلوبهم بمهابة ويعلقونها على عانتي كالقرابين”

ليست هذه قراءة بديلة أو دلالية أو تشريحية لشعر رشا صادق، بقدر ما هي تشابه مختلف أو موازاة لغوية لمعنى مفتوح في كل قراءة. أنها واحدة من تجليات النصوص المتكاثرة لآلاف المرات في ذهن شمسيّ.

لا أتحدث عن شعر رشا صادق، بقدر ما أتحدث عن فعل ذلك الشعر فيّ كسكين من ضوء، كيد من ماء. كلعنة، لحسن حظنا، أصابت الشاعرة وأصابتنا. وأقتبس من نيتشه قوله “وحده من يحمل الفوضى في داخله يستطيع أن يضيف إلى السماء نجمًا. النجم الذي ينقص هذه السماء”.

***

الكتاب: تشريح الخوخ

الكاتبة: رشا صادق

دار النشر: دار أرواد- ط1 : 2017

مقالات ذات صلة

إغلاق