أدب وفنون

الموضوعية والعلمية في الكتابة

حين بدأت الكتابة، أي حين قررت أن أحقق ذاتي عن طريق الكتابة، بقيت أكثر من ثلاث سنوات أحس بغصة قهر، كوني لم أدرس الفلسفة أو الأدب العربي، إذ كان قدري أن أدرس الطب لمجرد أنني حققت معدلًا عاليًا، لكنني انكببت على قراءة كل كتب أمي الفلسفية (وهي أستاذة فلسفة) حتى إني ناقشتها في أطروحة تخرجها (الحرية من بيرغسون إلى كيركيغارد). لكنني بعد تلك السنوات الثلاث، شكرت الله أنني درست الطب وليس الفلسفة أو الأدب، واكتشفت أن أنجح تزاوج هو تزاوج الطب والكتابة، فكلاهما موضوعه الإنسان، والمريض يفتح قلبه ويشكو همه للطبيب، ووجدتني في رحلة الكتابة الممتعة والشاقة، أمارس الكتابة بعين طبيب، وأمارس الطب بعين كاتب. وقد كتبت عشرات القصص القصيرة من وحي عملي كطبيبة، إضافة إلى روايتين هما (نسر بجناح وحيد) و(هوى). وقد أفادتني دراسة الطب في نقد الكثير من الكتب والروايات التي قرأتها، لكتاب وكاتبات أكِن لهم المحبة والتقدير والاحترام كله.

وبما أن ولائي هو للحقيقة، ولأن الكتابة هي شرف –كما يقول العظيم ألبير كامو– فقد لاحظت الكثير من الأخطاء العلمية والطبية في الكثير من الروايات التي قرأتها، وكنت أشعر بالحرج في الكتابة عنها، لكني (من أجل الفكر الحر للقارئ والكاتب، سأعطي بعض الأمثلة)، أشكر دراسة الطب التي أعطتني الصفة الموضوعية، في تحليل أي نص أقرؤه.

سأبدأ بالكاتب السوري الشهير حنا مينة الذي أبدع -في بداياته- روايات مهمة، كروايات (المستنقع) و(الياطر).. إلخ، لكن الغريب أنه كلما تقدم به العمر أصبحت كتابته بعيدة عن الموضوعية والعلمية والصواب والإقناع. ففي روايته (المرأة ذات الرداء الأسود) –وبالمناسبة، البطل المطلق في كل رواياته معشوق النساء، لكنه لا يحب أيًا منهن، كما لو أن الحب وصمة عار أو ضعف- وقد أهداني إياها شخصيًا، وطلب أن يعرف رأيي، يتحدث الكاتب عن امرأة في الستينيات ثرية جدًا وسحاقية، تتخذ عشيقة في العشرين من عمرها، تستغل فقرها لتقيم علاقة معها، وتبوح الشابة الفقيرة للبطل الستيني (وكان الجميع في القطار) بأنها تشمئز من تلك العلاقة، ولا تميل أبدًا إلى النساء. باختصار، قلت للسيد حنا مينة رأيي بنزاهة وصدق: طالما أن الفقر دفع تلك الشابة الفقيرة إلى الدعارة، فلماذا لا تمارسها مع الرجال، طالما أنها ليست سحاقية؟ هذا أبسط أنواع المنطق، يمكنها أن تحصل على المال عن طريق إقامة علاقات جنسية مع رجال، لأنها تقرف من العلاقات السحاقية. فما كان من حنا مينة إلا أن أمطرني بوابل من غضبه، وقال لي: أساس العلاقات بين الناس استغلال الغني للفقير. (وحنا مينة مستعد لأن يفسر شروق الشمس، على أساس الصراع الطبقي). فقلت له محاولة تخفيف الأجواء المشحونة بيننا: لكن من المنطقي والعلمي، أن تعاشر تلك العاهرة الصغيرة الفقيرة رجالًا. وانقطع النقاش لأنه لم يتحمل رأيي.

أنتقل إلى رواية جميلة أخرى، وهي رواية (جروح الذاكرة) للكاتب السعودي تركي الحمد، وهو كاتب موسوعي الثقافة، ولديه أبحاث مهمة جدًا، لكنه صعقني في روايته هذه التي يمكن تلخيص فكرتها بأن زوجة لها أولاد، تجاوزت الخامسة والخمسين، تصيبها حالة من الشبق الجنسي العنيف؛ فيصير كل اهتمامها الجنس والعلاقات الجنسية، حتى تشعر بأنها كفت عن التفكير وأن الحياة كلها عبارة عن جنس، وبأنها في هذا العمر (55 سنة) تفرغت لذاتها، وأظن أن زوجها كان يخونها. لا أعرف إن كان الكاتب تركي الحمد لديه فكرة دقيقة عن سن اليأس عند النساء! وعلى الرغم من اعتراضي على عبارة سن اليأس، فلا يُمكن لأحد أن ينكر تأثير الهورمونات؛ إذ ينخفض هورمون البروجسترون كثيرًا (وهو الهورمون الأنثوي) وتصاب النساء بعد انقطاع الطمث بحالة من البرود الجنسي وجفاف المهبل، (ولا حياء في العلم)، حتى إن آخر بحث قرأته في مجلة فرنسية هو اكتشاف حقن إبر من البروجسترون في المهبل. لم أقتنع ولم أفهم (وآلاف من القراء غيري) ما اللوثة التي أصابت تلك المرأة، حتى تهتاج جنسيًا إلى هذا الحد الإسعافي (كما لو أنها تتطلب إسعافًا جنسيًا)، لم يتغير شيء في حياتها ولم تُغرم برجل ما، كما لو أن الأمر يشبه الإصابة بفيروس جنسي، يجعل المُصاب به في حالة هائلة من الإثارة. ورغم أنني حاولت، بالكثير من الصبر والتفكير، إيجاد تبرير للكاتب تركي الحمد في روايته (جروح الذاكرة)، معتمدة على الموضوعية والعلمية التي يمدني بها الطب، لكنني لم أستطع أن أجد له أي مبرر، بل شعرت أنه يُركب قصة إثارة، الغاية منها إثارة القارئ عن طريق وصف شهوات امرأة كهلة، لا نعرف كيف هبت عليها هذه الرغبات! هذا أسميه صراحة الاستخفاف بعقل القارئ وعدم احترامه. كما لو أن القارئ سوف يسقط في فخ الإثارة الجنسية.

رواية ثالثة للكاتب الراحل رحمه الله، ياسين رفاعية وهي رواية (أهداب) -كتبها وهو في عمر 85 سنة- ويحكي عن قصة حب شبقية ومثيرة بين مراهقة عمرها 15 سنة ورسّام عمره فوق الستين عامًا، ويمكن اختصار نصف الرواية إلى وصف مشاهد جنسية شبقية وكيف تدفع المراهقة لسانها عميقًا في فم العاشق الكهل، لدرجة تجعلك تتخيل ماذا لو سقط جسر أو فك من أسنانه! ولا غاية للرواية على الإطلاق سوى استعراض المقدرة أو عرض العضلات الفكرية الجنسية، في وصف مشاهد مثيرة إلى حد القرف. وبالمناسبة لا أجد كاتبًا أكثر جرأة في كتابة الجنس مثل الأميركي هنري ميلر، لكن ميللر حين يحكي عن الجنس، يحلل لك المجتمع الأميركي بعمق وصدقية، فالجنس عند ميلر له وظيفة كشف العلاقات في المجتمع الرأسمالي الطاحن للإنسان، في بلد مثل أميركا. أي أنه يُضيئ جوانب الحياة في أميركا والعلاقات السهلة السريعة الخاطفة، وشعار الحياة فيها: غاية الحياة هي الربح. وشعار آخر رهيب: “اركض على مدار الساعة؛ لأن أميركا لا ترحم، ولأن من يتوقف عن الركض يطرح خارج الحياة كالغصن اليابس”.

المثل الأخير الذي أحب أن أعطيه هو المجلة التي أصدرتها الشاعرة والصحفية اللبنانية جمانة حداد (مجلة جسد)، وأظنها تؤمن أنها تحقق ثورة فكرية جنسية للعالم العربي قاطبة، مع أنه لا يهمه حاليًا سوى سد جوع معدته ومعدة أطفاله، وقد صُعقت حين كنت أتمشى في شارع الحمرا في بيروت، ورأيت مجلة (جسد) مكتوبًا عليها بالخط العريض: “لكل امرأة قضيبها”!! لست متشنجة على الإطلاق، وأقبل أي تعبير أو فكرة، شريطة أن تحمل رسالة ولها غاية، فما الغاية من عبارة وقحة مستفزة صادمة، لمجتمع عربي متدين ومحافظ، حين تكتب جمانة حداد على غلاف مجلة جسد: “لكل امرأة قضيبها”!؟

أظن أن غاية هؤلاء الكتاب الذين ذكرت هو مجرد الاستفزاز. أي الاستفزاز للاستفزاز. وأخيرًا لا بد من الإشارة إلى الرواية الإيروتيكية بامتياز (برهان العسل) لسلوى النعيمي التي تهلوس بالجنس، وتظل بحالة رطوبة جنسية من الشبق. لم أجد أي معنى لهذه الرواية سوى استغلال القارئ العربي المسكين الذي يعاني من الكبت الجنسي، وتأخر سن الزواج، بسبب الفقر والعادات والتقاليد الصارمة التي تفصل بين الجنسين.

أخيرًا بكل موضوعية (أشكر عليها دراستي للطب) سمحت لنفسي أن أحلل هذه الروايات وغيرها الكثير، لكن لا يتسع الوقت ولا الصفحات. على الكاتب أن يدرس تشريح جسم الإنسان، وأن يكون على إطلاع كاف على فيزيولوجيته؛ وإلا وقع في فخ اللامنطقي وعدم إقناع القارئ وتصديقه له. والحمد لله أنني درست الطب وطب العيون لعشر سنوات.

مقالات ذات صلة

إغلاق