أبحاث ودراسات

هل سينتصر كيم على دونالد في لعبة الحرب؟

شهد العالم، منذ نحو أسبوع تصعيدًا لتوتر مستمر تاريخيًا بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وذلك بعد أن تم تسريب تقرير للاستخبارات الأميركية يدعي أن كوريا الشمالية وصلت إلى مرحلة تصغير حجم القنبلة النووية، إلى الحد الكافي ليمكن تحميلها على الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى؛ فكان تعليق دونالد ترامب ناريًا وعنيفًا جدًا، الأسبوع الماضي، إذ قال: “من الأفضل لكوريا الشمالية ألا تهدد الولايات المتحدة أكثر؛ لأنهم سيُقابلون بنار وضراوة شديدة لم يشهدها العالم قط”، ثم أتى تعليق وزير دفاعه جيمس ماتيس أكثر حدة، عندما هدد كوريا الشمالية بأنها “تخاطر بإنهاء النظام الحاكم فيها، وتدمير شعبها”.

وكما هو متوقع، في هذه الحالة، ردت حكومة كوريا الشمالية بعنف على تصريحات ترامب وماتيس، وأعلنت أنها تدرس خطة لإطلاق 4 صواريخ متوسطة المدى، من نوع Hwasong-12، ستقطع مسافة 3356 كم، خلال 1065 ثانية (18 دقيقة تقريبًا)، وستمر فوق اليابان متوجهة إلى هدفها، لتهبط في مياه المحيط، على بعد من 30 إلى 40 كم من سواحل جزيرة غواما الأميركية، كما قال الجنرال كيم راغ غيوم، رئيس القوات الاستراتيجية الكورية الشمالية، وأضاف أن التحضيرات ستكون جاهزة في منتصف هذا الشهر، وبانتظار أوامر القائد كيم جونغ أون.

يُعدّ رد كوريا الشمالية الأعنف في تاريخ العلاقة بين الدولتين، من حيث صراحته ومباشرته وأيضًا إعلانه إعلاميًا؛ لقد اختار الرد الكوري الشمالي جزيرةَ غوام، لأنها أولًا أراضي أميركية، وثانيًا لأنها تقع ضمن مجال صواريخ كوريا الشمالية، وثالثًا لأنها تشكل أحد أهم القواعد العسكرية الأميركية في المحيط الهادي، قرب كوريا واليابان والصين.

ما هي جزيرة غوام؟

تقع جزيرة غوام في المحيط الهادئ شرق الصين وجنوب شرق اليابان وكوريا، وتتبع الولايات المتحدة الأميركية منذ 1898، وهي جزيرة صغيرة نسبيًا، وتضم قاعدة عسكرية أميركية استراتيجية متقدمة في المحيط الهادئ، تبعد عن الولايات المتحدة نحو 11000 كم، وعن كوريا الشمالية نحو 3400 كم، كما هو موضح في الخريطة المرفقة.

ما الجديد؟

لم يحصل، خلال الشهور أو السنة الماضية، تطور ضخم نسبيًا في الحرب الباردة المستمرة منذ عقود، بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة؛ فتجارب كوريا الشمالية العسكرية، وعملها على السلاح النووي والصاروخي مستمر، منذ سنين طويلة، وتقرير الاستخبارات الأميركية الأخير، حول أنها امتلكت تقنية تصغير حجم القنبلة النووية، بحيث يمكن تحميلها على صاروخ متوسط أو بعيد المدى، لم يكن خارج التوقعات، بل إن عددًا من المختصين في التقنية العسكرية والنووية يشككون في هذا الخبر.

إذًا لمَ هذا التصعيد؟

من الصعب الجزم بالأسباب التي دارت في ذهن ترامب ووزير دفاعه، إلا أن الخارجية الأميركية حاولت -بطريقة غير مباشرة- التخفيفَ من وقع هذه التصريحات وجديتها، فبحسب معايير العلاقات الدولية، تعدّ تصريحات الرجلين، في موقعهما السياسي، عنيفة وعدائية جدًا. على ما يبدو أن ترامب لا يريد أن يمضي وقت طويل في سوق الإعلام، دون إثارة أو تشويق، أو لربما يريد التغطية على قرار صديقه بوتين بطرد 755 ديبلوماسيًا أميركيًا من موسكو، وقد علق عليه ترامب شاكرًا بوتين على هذا القرار؛ لأن إدارته كانت تفكر في بعض التوفير في تكاليف بعثاتها الديبلوماسية الخارجية.

هل يمكن أن تقع الحرب؟

ما هو ظاهر -حتى الآن- أن ما حصل هو تبادل لاستعراضات القوة بين الطرفين؛ فبيونج يانج لن تخاطر بالقيام بالحركة الأولى، لأن النتيجة الواضحة هي سقوط النظام الكوري الشمالي، والخسارة العسكرية؛ كما أن الولايات المتحدة لم تقم عمليًا بأي تحرك عسكري أو لوجيستي، يشير إلى أنها ستوجه الضربة الأولى؛ فمقارنةً بحربي الخليج العربي، إنّ أي تحرك عسكري أميركي ضخم يلزمه شهور من الإعداد وتحريك الأسلحة وحشد القوات، والدفاعات والقدرة العسكرية الكورية الشمالية أفضل حالًا من جيش صدام حسين إبان حربي الخليج، ولا يبدو أن هناك حركة غير عادية في المجال العسكري الأميركي، فحتى عائلات العسكريين والمدنيين الأميركيين في كوريا الجنوبية، ويصل عددهم إلى عشرات الآلاف، لم يتم الإعلان عن أي نية لإخلائهم من هناك، وهذه خطوة أساسية، قبل خوض أي حرب، خصوصًا إذا تذكرنا ما حصل في عام 1994، حين لاحت بوادر حرب في شبه الجزيرة الكورية؛ فبادرت الإدارة الأميركية، في أول خطوة احترازية، إلى إخلاء المدنيين الأميركيين.

من ناحية ثانية، على الرغم من قوة النظام الصاروخي الدفاعي الأميركي المضاد للصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، إلا أن لا ضمانة كاملة -حتى الآن- بفاعلية مطلقة، بحيث يحقق نتائج 100 بالمئة، في حماية غوام أو حلفاء الولايات المتحدة اليابان وكوريا الجنوبية، بل إن بعض الخبراء العسكريين الأميركيين يعطون هذه الأنظمة نسبة فاعلية تعادل 50 بالمئة، وبهذه الحالة انتظار الضربة الكورية الشمالية والاعتماد على الدرع الصاروخي قد يسبب كارثة إنسانية وفضيحة ضخمة للعسكرية الأميركية. الشكل المرفق يبين مخططًا توضيحيًا لمراحل الدفاع الثلاثة ضد الصواريخ الكورية الشمالية.

كما أن الخيار النووي محدود تقنيًا، أمام الإدارة الأميركية، إذ إن كوريا الشمالية مجاورة للصين وروسيا وكوريا الجنوبية، وأي استخدام للسلاح النووي التكتيكي يجب أن يكون مدروسًا؛ لكيلا يؤثر على هذه الدول، كما أن نتائجه الكارثية لا يمكن قبولها دوليًا، إن لم تبادر كوريا الشمالية بهجوم عسكري واضح، وليس مجرد إطلاق بضعة صواريخ نحو المياه الدولية، حتى لو كانت قريبة من غوام الأميركية.

ما الموقف الدولي؟

أقرب حلفاء الولايات المتحدة وهي المملكة المتحدة لم تبد حماسًا لإعلانات ترامب، بل طالبت بمعالجة القضية عبر الأمم المتحدة، كذلك المستشارة الألمانية ميركل طالبت بالرجوع إلى مجلس الأمن، وبطريقة غير مباشرة، هاجمت تصعيد الحرب الكلامية. أما الصين فقد وضعت كامل اللوم -مبدئيًا- على الولايات المتحدة، معتبرة أن كلام ترامب كرئيس للولايات المتحدة، كلام مستفز وخطير ولا يمكن قبوله.

بدأ الروس تحركهم مع الصينيين، وأعلن لافروف عن اقتراح لحل الأزمة، يتضمن تجميدًا مزدوجًا: بوينغ يانغ تجمد تجاربها الصاروخية، والبيت الأبيض يجمد مناوراته العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية؛ لكن يبدو أن الأميركيين لم يهتموا بالاقتراح، وأكدوا أنهم سيقيمون مناوراتهم العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، في 21 الشهر الجاري، بل إن أحد التمارين المقررة تحت اسم “ضربات قطع الرأس”، والتي يعتقد أنها تمرين على كيفية اغتيال الزعيم الكوري الشمالي، ستزيد الأمور سوءًا.

من سينتصر؟

التصعيد هو تصعيد خطابي، والطرفان يتبعان -إلى الآن- سياسة حافة الهاوية، وهي سياسة خطيرة، تحمل احتمالًا ضعيفًا، لكنه قائم، للانتقال المجنون إلى مواجهة عسكرية، ولا سيّما أننا أمام زعيمين لا يمكن توقع ردات أفعالهما، وهما يمارسان ما يمكن تسميته بـ “عراك مراهقين في الشارع”.

لكن بكل الأحوال، فإن كيم جونغ أون ليس انتحاريًا، ولن يخاطر بحرب مدمرة مع الولايات المتحدة، ستؤدي إلى انهيار نظامه، وغالبًا قتله؛ كما أن ترامب محكوم بالقرار العسكري الذي على ما يبدو أنه إلى الآن لم يفهم كيف يتم التحضير له في البنتاغون، فالبنتاغون ليس مهيأً -عسكريًا- لحرب حقيقية مع كوريا الشمالية، وهو لا يبدي أي تحضيرات لذلك، فضلًا عن أن الموقف الدولي، بمن فيه دول الحلفاء، لن يحتمل أن يهاجم ترامب أولًا وبسلاح نووي.

في الواقع، من المرجح أن الصين وروسيا ستتدخلان مع كيم جونغ أون؛ لتحويل المعركة الكلامية إلى انتصار سياسي له، فهو إن تابع التصعيد الخطابي، وبالنهاية قرر ألا يطلق الصواريخ باتجاه غوام، فسيعطي الصورة بأنه الأذكى والأكثر تحكمًا بأعصابه وبقراراته، وأنه لا يريد الحرب لأجل الحرب، كما فعل جون كنيدي، إبان أزمة خليج الخنازير مع السوفييت، عندما حافظ على نافذة مفتوحة لخروشوف، كي يتم امتصاص الأزمة سياسيًا وتجنب مواجهة مباشرة، لكن يبدو أن من سيتعلم الدرس هذه المرة هو كيم جونغ أون، وليس الرئيس الأميركي الحالي، والخاسر سيكون ترامب الذي سيظهر للمرة المئة، بمظهر الرئيس المتهور الذي لا يقدر عاقبة كلامه.

أين نحن من ذلك؟

قد تبدو الأزمة بعيدة عن سورية، والشرق الأوسط عمومًا، لكن العالم بواقعه السياسي والاقتصادي لم يعد يرى مسافات جغرافية؛ فصراع تكسير الأصابع بين الصين وروسيا وبين الولايات المتحدة متواصل من شطآن البحر المتوسط مرورًا بالخليج العربي ووسط آسيا، ووصولًا إلى شبه الجزيرة الكورية؛ كذلك فإن كوريا الشمالية حليف أساسي للنظامين الإيراني والسوري، وشريك في تطوير التقنية العسكرية، وإنّ نتائج الأزمة الكورية ستنعكس سريعًا على سورية، من حيث قوة الموقفين الروسي الصيني والأميركي، ولا نبالغ إذا قلنا إن سكان قصور السلطة في دمشق وطهران يحسبون الدقائق لمعرفة ماذا سيحصل في شبه الجزيرة الكورية.

من ناحية ثانية، لربما تساهم مراقبة الأزمة الكورية-الأميركية، من بعيد، في مساعدتنا على أن ندرك كيف يرانا العالم من بعيد؛ وكيف يجب الحذر قبل نشر الأوهام، بناء على كلمات حتى لو كانت لرئيس الولايات المتحدة، فلو عدنا بالذاكرة إلى تصريحات ترامب بُعيد جريمة النظام الكيماوية في خان شيخون، ثم كيف ابتلع كلامه، وما رافق ذلك من انهمار تحليلات سياسية لقرب التدخل الترامبي الحاسم في سورية، لربما استطعنا أن نفهم كيف يسير العالم والسياسة الدولية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق