مقالات الرأي

الاعتراف المطلوب من قبل المعارضة السياسية

تتوالى فصول جولات التفاوض بين المعارضة والنظام منذ سنوات، من دون نتائج ملموسة، وبدلًا من مسار واحد، هو مسار “جنيف”، أصبح هناك مساران، فقد أصبحت مفاوضات “أستانا” جزءًا من مسار التفاوض، وعوضًا عن التركيز على الحلّ السياسي، أصبح التركيز على “خفض التصعيد”، وترسيم مناطق النزاع، وبعد أن كانت المرحلة الانتقالية هاجسًا دوليًا، راحت الوقائع على الأرض، بالإضافة إلى المناخ الإقليمي والدولي، تنحو باتجاه محاربة الإرهاب، وبعد أن حاز “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”، بعد إنشائه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، على دعم أكثر من مئة دولة، راح هذا الكيان يفقد بريقه الداخلي والخارجي، ونشأت إلى جواره منصات عدة (الرياض، موسكو، القاهرة).

وفي فصل جديد لا يقل مأساوية عن الفصول الأخرى، جاءت الأزمة الخليجية لتطرح أسئلة صعبة على الكيانات السورية المعارضة، فطرفا الأزمة المتمثلان بالمحور السعودي من جهة، وقطر من جهة أخرى، هما داعمان أساسيان للمعارضة، ولم يعد خافيًا أن تبعات الأزمة بدأت تلقي بظلالها على كيانين رئيسين، هما “الائتلاف الوطني”، و”الهيئة العليا للمفاوضات”، وهي قابلة للازدياد مع أزمات الأزمة الخليجية، وما سيتلوها من فصول.

وثمة تسريبات عن ذهاب ممثلين عن الإخوان المسلمين إلى موسكو، وتقديم رؤية للحل، تتضمن الموافقة على بقاء بشار الأسد في منصبه لغاية 2021، وبغض النظر عن صحة تلك التسريبات من عدمها، فإن المناخ العام يوحي بوجود استدارات محتملة، نحو قبول أطراف معارضة بمثل هذا الطرح، فالواقع الميداني أفقد المعارضة السياسية معظم أوراق المناورة، وهو ما يؤكده قبول فصائل الجنوب بالاتفاق الأميركي الروسي، بغض النظر عن مسار الحل السياسي الشامل.

وبدا واضحًا -أقله بعد محادثات جنيف 2- أن النظام وداعميه روسيا وإيران يتعاملان مع المفوضات من مبدأ كسب الوقت، كفرصة لتغيير الوقائع على الأرض، وهي استراتيجية معروفة في علم التفاوض، خصوصًا إذا كان أحد الطرفين غير قادر على رفض مبدأ التفاوض، لكنه ضمنيًا لا يرى فيه مصلحته، وقد تبنى النظام هذا المبدأ؛ لتجنب الضغوط الدولية، من جهة، ولتغيير الواقع الميداني من جهة، بحيث لا يبقى لدى المعارضة أي أوراق جدية، وقد نجح النظام وداعموه في هذا المسعى.

بالمقابل، لم تضع المعارضة السورية، ممثلة بـ “الائتلاف الوطني”، استراتيجية طويلة المدى للتعامل مع استراتيجية النظام وداعميه، ولم تقرأ التغيّرات الكبيرة التي راحت تفرض نفسها في الملف السوري، أو في الملف العراقي المتداخل في نواحٍ كثيرة مع الملف السوري، وخصوصًا الموقف من الإرهاب، وهو ما كان يتطلب موقفًا واضحًا وحازمًا، وإعلان موقف يدين التنظيمات التكفيرية، ليس من باب سدّ الذرائع، بل كموقف وطني استراتيجي، إذ لا يمكن لمكون وطني حقيقي أن تتقاطع مصالحه أو مواقفه مع قوى تكفيرية، حتى لو خدمت جزئيًا موقعه (أي قتالها لقوات النظام أو الميليشيات المقاتلة إلى جانبه).

المسألة الجدية التي كان على “الائتلاف الوطني” أن يعمل عليها هي وضع خطة لتحويل “الجيش الحر” إلى نواة جيش وطني، يتمتع بقيادة عسكرية احترافية، وأن يعلن تبنيه للمواثيق الدولية ذات الصلة بالحروب، مثل مضمون “اتفاقية جنيف الرابعة”، وأن يكون تحت إمرة قيادة سياسية، وهو الأمر الذي كان من شأنه أن يمنع تغوّل القوى التكفيرية على فصائل الجيش الحر من جهة، وأن يمنح السوريين أولًا، والمجتمع الدولي ثانيًا، الطمأنينة إلى إمكانية بناء المؤسسة العسكرية، على أسس وطنية جامعة.

لكن ضرورة وجود جيش وطني ظلّت، على المستويين النظري والعملي، غير قابلة للطرح والتطبيق، من قبل “الائتلاف الوطني”، فقد تحوّل هذا الكيان إلى ساحة استقطاب بين الداعمين الإقليميين (تركيا، قطر، السعودية)، كما سعى الداعمون إلى الاستثمار المباشر في الفصائل المسلحة، التي خضعت بدورها إلى حالة الاستقطاب الإقليمية، حيث يهدأ القتال بينها، حين يقرر الداعمون الهدنة، وتعاود الاقتتال من جديد، حين يقرر الداعمون نسف الهدنة.

وعلى الرغم من مضي ما يقارب خمس سنوات من تشكيل “الائتلاف الوطني”، إلا أنه لم ينشئ ذراعًا إعلاميًا للتواصل من خلاله مع السوريين، كان يمكن من خلاله أن يمنع الفوضى في الرأي العام المعارض أولًا، والرأي العام السوري ثانيًا، وأن يكون صلة وصل حقيقية مع السوريين، بحيث يطرح إلى الجانب الإخباري القضايا السورية الملحة، عبر مختصين لهم صدقية في مجالات اختصاصاتهم، وأن يبلور عبر هذا الإعلام قيادات سورية شابة، تأخذ دورها في ملء الفراغ، وتمنح الأمل بوجود جيل جديد من القادة الشباب، وأن يظهر الجوانب المتعددة للكوارث السورية، بمختلف أبعادها، الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية.

كل المهام التي كان على “الائتلاف الوطني” بشكل خاص، والمعارضة السورية بشكل عام، النهوضُ بها، لتكون المعارضة طرفًا ندًّا في المفاوضات، تجعلها مقنعة للسوريين والمجتمع الدولي كبديل عن النظام الحالي، كل تلك المهام يعرفها “الائتلاف الوطني”، فقد كتب فيها الكثير، وطرحتها العديد من الأوراق البحثية، ونوقشت في ندوات كثيرة حضرها أعضاء في الائتلاف، ومع ذلك فإنه لم يحرك ساكنًا تجاهها، بل أصرّ على تجاهلها، فكثير منها يتعارض مع أجندة الداعمين الإقليميين، كما يتعارض مع رؤية بعض قوى المعارضة.

لقد أصبح مطلوبًا من قوى المعارضة الموجودة في “الائتلاف الوطني”، أو التي تسابقت إلى تشكيل منصات للمشاركة في المفاوضات، أن تعترف أنها أخفقت في مهامها، كما أصبح ملحًا أن تقوم شخصيات طرحت نفسها كرموز للمعارضة باعتزال العمل السياسي، وأن تعتذر عن تقصيرها، ولئن كان ذلك لن يؤدي مهمة عملية مباشرة، لكنه على الأقل يمكن أن يشكل قوة مثل، يحتاج إليها السوريون في هذه اللحظة.

مقالات ذات صلة

إغلاق