أدب وفنون

إسلام بلا حروب

صدر، عن دار (لامبيرت) الألمانية، كتابُ (إسلام بلا حروب) باللغة الإنكليزية للكاتب محمد حبش، يتناول بالتعريف أبطال السلام في التاريخ الإسلامي.

وتنشر الدار أعمالها عبر 2000 منفذ بيع مفتوح حول العالم، إضافة إلى السوق الإلكترونية، وتعهدت الدار بطبع سلسلة كتب في التعريف بالإسلام التنويري.

لقد ظهرت آلاف الكتب والدراسات في المكتبة العربية، للحديث عن أبطال الحروب والفتوح والغزو، ولكن لم يكتب مؤرخونا في أبطال السلام وصانعي الدبلوماسية الذين نجحوا في تحويل الصراع العسكري إلى واحات إخاء وسلام.

يتناول الكتاب بالتحقيق ستة رجال مختارين بعناية، يتم تقديمهم بوصفهم أبرز أبطال السلم في التاريخ الإسلامي، ويجمع بينهم أنهم كانت لهم أراء مختلفة في مسائل الحرب والسلام، ويصر المؤلف أنهم كانوا ضد العقل الغازي الذي ساد في القرون الأولى، وأن هؤلاء الرجال كانوا يؤمنون بالتأثير السلمي والدبلوماسي، وكانوا يعملون لوقف الحرب بكل الوسائل، ويمكن القول إنهم وقفوا بشجاعة ضد حروب الفتوح التي طبعت القرون الأولى في التاريخ الإسلامي.

تبدأ الدراسة بالنبي الكريم، وبخلاف ما ترويه كتب السير من سرد المغازي، فإن الكتاب يطرحه إمامًا في الدبلوماسية وفض النزاعات وتعزيز السلم.

خلال نصف عمر الرسالة، حاول الرسول الكريم بناء دولته الرائدة خمس مرات، أخفق في أربعة منها، وكُتب له النجاح في الخامسة، فقد حاول في مكة والحبشة والطائف والحيرة وكان يلقى صدودًا كبيرا، وربما قدم تضحيات وشهداء، ففي يوم الطائف تم طرده والاعتداء عليه، حتى سال الدم من رأسه إلى أخمص قدميه، ولكنه لم يتحول عن رسالته السلمية، وفي كفاحه الذي استمر ثلاثة عشر عامًا متواصلة، وسقط فيه شهداء كثير، فإن الرسول الكريم -وفق ما رواه أصحابه وأعداؤه على السواء- لم يستخدم قطّ أي لون من السلاح، ولا حتى سكين مطبخ، وظلت رسالته الكلمة والحوار.

وكل ما روي في حياته من عنف، فإنما كان بعد أن أنجز بناء الدولة ديمقراطيًا، عبر الكفاح السلمي وتأمين أغلبية حقيقية في المدينة، وذلك أنه بعد تأسيس الدولة بات مسؤولًا عن أن يدافع عن الناس بأمانة واقتدار، وهنا فقط قام بتأسيس جيش وطني مهمته الدفاع عن المدينة. وقد نص اتفاقه مع اليهود على أنهم جزء من هذا الجيش، وأن عليهم النصرة مع المؤمنين، في إيماء واضح إلى طبيعة هذا الجيش التي لا تشبه في شيء الكتائب المسلحة التي تحشد الرجال والسلاح لفرض حاكمية الشريعة.

مات الرسول الكريم وجيوشه لم تتجاوز جزيرة العرب، على الرغم من العدوان السافر للروم وحلفائهم وقتلهم مبعوث النبي إلى بصرى الشام.

وتقدم الدراسة قراءة مختلفة لحياة الرسول الذي يصوره الرواة على أنه كان يجد رزقه في ظلال السيوف، وأنه كان ينتقل من غزاة إلى غزاة، ولا ينزل عن حصانه ولا يغمد سيفه ولا يتوقف عن القتال.

لم تكن علاقته بالسيف ودودة ولا حميمة، وأعلن أن أبغض الأسماء إلى قلبه اسم “حرب” واسم “مُرّة”، ومن خلال الغزوات الثمانية والعشرين التي فرضت عليه، فإنه نجح في تحويل ثلاثة وعشرين منها إلى مفاوضات ومصالحات، ونجح في إقامة دبلوماسية راشدة، فرض من خلالها برامج السلم وأوقف الحروب. ونجح في السنوات الأخيرة من حياته في تجنب الحرب كلها، وأسس لدولة مدنية قائمة على القناعة والبرهان والعقد الاجتماعي.

وفي دراسة جديدة لشخصية عمر بن الخطاب، قدّم الكتاب قراءة غير تقليدية لهذا الصحابي الكريم الذي اشتهر، في المخيلة العامة للناس، بأنه رجل بطش وقسوة وحرب، في حين أنه كان أكثر الناس وعيًا بالسلم ومطالب السلام، وكشف عن مواقف غريبة لعمر بن الخطاب في رفض الحروب وتحويلها إلى سلام ووئام.

وتشرح الدراسة موقف عمر بن الخطاب الفريد في تأمين القدس، ومنحها موقعًا فريدًا في التاريخ، وجعلها واحة للسلم والأمان والحوار، ومنع العسكر من الدخول إليها وتنصيب رجال الدين المسيحي حكامًا عليها، في إشارة واضحة إلى الدور الروحي والحضاري لهذه المدينة المقدسة.

ولكن فرادة عمر بن الخطاب تجلت في دوره الأساسي في رفض حروب الردة، وهو الأمر الذي كان مثار جدل كبير بينه والخليفة أبي بكر، فقد اختار عمر سبيل الحوار مع المرتدين ولم يرض أن يرفع فيهم السيف، وحين اشتد في مجادلة أبي بكر يدعوه أن يتألفهم، قال أبو بكر مغضبًا: بمَ أتألفهم أبوَحي يُتلى أم بحديث مفترى؟! ولكن عمر ظل يصر على رفض الحرب على الردة، حتى قال له أبو بكر كلمته الشهيرة: “أجبّار في الجاهلية خوار في الإسلام يا عمر!! والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم عليها”.

ومع أن عمر رضي فعلَ أبي بكر، لكنه ظل مرتابًا من حرب الردة كلها، وبخاصة من سلوك الفاتكين من المحاربين. وحين توفي أبو بكر أمر عمر -فورًا- بوقف كل حروب الردة، وحاكم عددًا من قادتها، وفرض قيودًا صارمة على المحاربين. وحين فتحت العراق، رفض مطالب المحاربين في قسمة الأرض والغنائم، ومنع تحول الفاتحين إلى محتلين يأخذون أرزاق الناس وأراضيهم تحت اسم الغنائم، ويستعمرون الأرض والإنسان.

وتقدم الدراسة عمر بن الخطاب رافضًا لانسياح الفاتحين شرقًا وغربًا، ومن المدهش أن عمر قد حسم مشروعه السياسي في قراءة دقيقة، فمضى إلى اعتبار رسالته هي التحرير الوطني وليس غزو العالم، ورفض بشدة خطط عمرو بن العاص لركوب البحر، وكذلك خططه لدخول مصر، أما فارس فقد فقد نهى الصحابة عن الانسياح في بلاد فارس وقال: “وددت لو أن بيننا وبين فارس جبلًا من نار؛ لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم”.

ثم تختار الدراسة الحسنَ بن علي رائد الوحدة الإسلامية، وتبيّن موقفه الباسل في وقف الحرب مع معاوية، ونجاحه الكبير في وقف الحرب التي استمرت ستة أعوام بين الكوفة حيث جيش علي، والشام حيث جيش معاوية، وتظهر نجاحه في قيادة الأمة الإسلامية للخروج من الحرب والدخول في السلام، وهو ما استحق به بحق لقب عميد الوحدة الإسلامية.

أما الرابع من أبطال السلام الذي تقدمه الدراسة، فهو التابعي الجليل عمر بن عبد العزيز الذي قاد كفاحًا فريدًا خلال خلافته القصيرة لوقف نزعة الحرب لدى الجيوش المرابطة، وعمل على تحويل هذه الجيوش إلى قوى تنمية وبناء ودعوة.

وتقدم الدراسة معلومات غير معروفة، تبدو صادمة للقراء حول موقف عمر الرافض للفتوح العسكرية، وبخاصة تلك التي كانت تطرق أبواب الصين والقسطنطينية، وجهوده للحوار والتفاهم مع أهل الأندلس وخروج المسلمين منها، وتوضح براعة عمر بن عبد العزيز بأصول الدبلوماسية الناجحة، وتشير بوضوح إلى نجاحاته المتتالية في بناء احترام كبير للإسلام في العالم.

وخلال فترة حكمه التي استغرقت سنتين ونصف، نجح عمر بن عبد العزيز في سحب الجيوش الغازية من القسطنطينية، حيث كان مسلمة بن عبد الملك يحاصرها من البر، وكان هبيرة بن عمر يحاصرها من البحر، وكان موقفه من الحرب صارمًا، وأمر بعودة الجميع، وفتح قنوات التواصل الدبلوماسي مع الروم، وأمر السمح بن مالك الخولاني بسحب الجيوش من الأندلس، بعد فتحها بنحو سبعة اعوام، ولكنه لم ينجح في تحقيق ذلك.

أما في الشرق الإسلامي، حيث كانت فتوحات قتيبة بن مسلم، فإنه أرسل اللجان القضائية لمحاكمة هذه الفتوح وقد حكمت المحكمة برئاسة القاضي حاضر بن جميع، بأن الفتح في سمرقند كان غاشمًا لا يحقق أهداف الإسلام، وكانت النتيجة أن عمر أمر الجيوش الفاتحة بالانسحاب والعودة. وربما كانت هذه أول حادثة في التاريخ يتم فيها سحب جيوش فاتحة منتصرة من أجل سبب أخلاقي.

ثم تتحول الدراسة إلى الأندلس، حيث يختار الكتاب الخليفة الأموي الثاني في الأندلس الحكم المستنصر الأموي، وهو أزهى عصور الحضارة الإسلامية في الأندلس، وتشرح دوره الرئيس في تأمين السلم الدولي وبناء علاقات دبلوماسية ناجحة بين أوروبا والعرب، وتمهيده لأعظم عملية تكامل ثقافي ومعرفي بين الحضارة الإسلامية والمجتمع الأوروبي.

أما البطل السادس الذي تقدمه الدراسة فهو الخليفة الناصر العباسي الذي ولي الخلافة 545- 622، وعاش خليفة مدة 47 عامًا وتعدّ هذه المدة أطول فترة حكم في التاريخ الإسلامي.

وتتابع الدراسة الجهود الفريدة للناصر العباسي، في وقف الحرب الشيعية السنية التي كانت تتعاقب تأثيرًا وعنفًا منذ العصر الأموي، والتي زادها البويهيون والسلاجقة اشتعالًا. وقد استطاع الناصر العباسي أن يقدم نموذجًا مختلفًا للإخاء السني الشيعي، وشيد من بيت مال الدولة مرقد موسى الكاظم ومرقد الفقيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، في المكان نفسه، وأقام أكبر محج عاطفي لأهل العراق في مرقد مزدوج سني-شيعي ما زال من أكبر معالم الوفاق والإخاء في العراق الجريح.

وقد كانت عبقرية الناصر، في وقف الحرب، بلا حدود؛ إذ إنه استطاع أن يجنب الخلافة آثار المواجهة الطاحنة المفروضة من العدوين التاريخيين للإسلام: المغول من الشرق والفرنجة من الغرب. وقد استطاع أن يؤمن حدود الخلافة وأن يواجه أطماع الفرنجة بصلاح الدين الأيوبي، من دون أن يزج بالخلافة في أي من هذه الحروب.

وفي سابقة دبلوماسية ليس لها نظير، نجح الناصر في التفاوض مع جنكيز خان الذي كان يجتاح العالم حينئذ، وعقد معه اتفاقات مهمة وعميقة، تضمنت في ما تضمنت إصدار عملة مشتركة بين الإسلام والمغول، تشتمل على صورة الخليفة الناصر وصورة السلطان جنكيز خان، وما تزال هذه العملة إلى اليوم في متحف فرغانة. وقد قدمت الدراسة صورًا منها؛ وبذلك جنّب بغداد حربًا ضروسًا طاحنة كان يمكن أن تبيد كل شيء، ويمكننا القول إن الناصر استطاع، بدبلوماسيته الناجحة، تجنيب الخلافة الإسلامية كارثة الدمار المروعة التي وقعت بعد نصف قرن من الزمان، في ظروف رهيبة.

ويقدم الكتاب في خاتمته شرحًا وافيًا لقيم السلم في الإسلام التي كان ينبغي أن تسود بعد رحيل الرسول الذي كرس حياته للحكمة والموعظة الحسنة.

يُعدّ الكتاب رسالة قوية لتصحيح الصورة النمطية الشائعة عن رسالة الجهاد، وبخاصة تلك التي كرستها ممارسات (القاعدة وداعش) في السنوات الأخيرة، ونشرت فوبيا الإسلام في العالم كله.

ويمضي الكتاب إلى المطالبة بإسلام بلا حروب، يقوم على الحوار والبرهان وليس على السيف والسنان، ويرى أن الجهاد الذي مارسه الرسول الكريم، بعد قيام الدولة، ليس إلا الجيش الوطني نفسه، ومسؤولياته في الدفاع، كما هو معروف في كل دول العالم.

Author

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق