أبحاث ودراسات

الدستور والعقد الاجتماعي

في مثل هذه الظروف، يكون من الواجب البحث عن مخارج تنقذ شعبنا وتخلص وطننا مما هو فيه، مخارج تدعم وترسخ وتحصن الخيار الرئيس الذي لا يعلو عليه خيار آخر، هو خيار بناء الدولة، عبر طرح رؤية مستقبلية باتجاهٍ يدفع لتعميق وترسيخ بعض الأفكار، خصوصًا في ما يتصل بالعقد الاجتماعي والدستور والدولة، ويحقق هدف الحراك الشعبي بالحرية والكرامة.

إن الانتقال بالإنسان من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية أحدث تغييرًا بارزًا في مسلكه، إذْ حلَّت العدالة بدل الغريزة، وطغت الأخلاقية على أفعاله، وأصبح مجبرًا على العمل وفق مبادئ جديدة مستهديًا بعقله لا منصاعًا لنوازعه، ومقيدًا بعض ما كان في الحالة الطبيعية من موجبات المحافظة على البقاء مثل القوة والحرية، وملتزمًا بنظام يؤطره عقد اجتماعي يَتَّحدُ فيه الفرد مع الجماعة.

فمنذ أيام أفلاطون -القرن الرابع قبل الميلاد- وحتى كتاب (الإنسان ضد الدولة) لهربرت سبنسر -أواخر القرن التاسع عشر- ما برحت الفكرة العامة للعقد الاجتماعي التي جهد فلاسفة عصر التنوير في رسم معالمها، تتعرض للنقد من عدة أوجه، ولكن مهما كان الرأي في تفسير هذه الفكرة للحياة السياسية، أو في تبريرها للالتزام السياسي، أو في القول إنها فرض أولي لا تستند إلى التاريخ في توضيحها للمجتمع السياسي والسلطة السياسية، فإنها تبقى عاملًا لدعم قضية الحرية في تطبيقها وفي استخدامها وفي الدفاع عنها بكل أشكالها، وستبقى، أيضًا، وسيلة للتعبير عن قيمتين أساسيتين، سيظل العقل البشري يتعلق بهما دائمًا:

قيمة العدالة، أي فكرة أن الحق لا القوة هو أساس كل مجتمع وأساس خطة كل نظام سياسي.

قيمة الحرية أو فكرة أن الإرادة لا القوة هي أساس الحكم. وهذا يعني أن الحاكم إذا تعدى حدود العقد الذي اختير بمقتضاه، فإنه يُحِلُّ المواطنين من التزام الخضوع.

لقد تجاوز الفكر السياسي، في بعض الديمقراطيات التعددية، نظرية العقد الاجتماعي وإشكالياتها، ورغم هذا التجاوز فإن هذه النظرية ما زالت تحتفظ بالكثير من قوتها وضرورتها بالنسبة لبلدان كثيرة، وخاصة لبلدان الأنظمة الشمولية والاستبدادية، تلك البلدان التي لم تستطع فيها بعض الطبقات أن تتكون لكي تقوم بدورها التاريخي التي قامت به مثيلاتها في بلدان أخرى.

إننا في سورية، يترتب علينا واجب النضال لتأسيس حكم يقوم على قاعدة نظرية العقد الاجتماعي، ووفق القضية التي تطرحها تلك النظرية وتتمثل في البحث عن أساس للمجتمع المدني، وفي أن العقد الاجتماعي عقد اختياري تُفرض بموجبه بعض القيود على القانون الطبيعي المتأصل في طبيعة الإنسان العاقلة -حسب جون لوك- يقوم به مَنْ يملكون مثل هذه الحقوق، مقابل تحويلها إلى حقوق مدنية يضمنها المجتمع بكل القوة التي هي إرادته باعتباره عضوًا في المجتمع، يشارك كأي فرد آخر في وضع القوانين، كما يجب أن تبقى صلةً وثيقةً ومتينةً بين فكرة العقد الاجتماعي وفكرة القانون الطبيعي، أي أن القانون الطبيعي حاضر، دائمًا، وراء نظرية العقد الاجتماعي.

إن نظرية العقد الاجتماعي التي نحتاج إليها في سورية يجب أن تؤسس لسلطة سياسية، تقوم على تعاقد حر تهدم نظرية النظام الفردي الاستبدادي الأمني، وتتكون من فكرتين رئيستين:

فكرة عقد المجتمع: أي يجب أن تكون هناك جماعة مترابطة فعلًا بفضل إرادة اجتماعية مشتركة، وكذلك سلطة مفترضة على استعداد لتحمل أعباء بالاتفاق مع هذه الإرادة، وأن هذا العقد ينتج المجتمع نفسه.

فكرة عقد الحكم: أي أن الدولة تقوم على عقد بين السلطة والمواطنين. وأن هذا العقد ينتج سلطة ولا شيء غيرها، مع ضرورة الإدراك أن المجتمع أكبر من السلطة وسابق عليها.

من هذا المنطلق، تكون الدولة بمعنى الجماعة السياسية وباعتبارها مجتمعًا منظمًا، مؤسسة على عقد سياسي أو على عدد كبير من العقود بين جميع أعضاء هذا المجتمع أو هذه الجماعة وبين كل عضو وآخر، أي إن الدولة بأساسها العقلي للإرادة العامة -حسب روسو- هي اتحاد قانوني يتكون بإرادة أعضائه ويوحد السلطة والمواطنين على السواء، وهم يضعون دستورًا وعلى أساس هذا الدستور يتعاقدون على الاندماج في كيان سياسي تنتج بمقتضاه الدولة، وعلى أساسه وفي ظله، أيضًا، وتبعًا للمسؤولية التي تحدد حقوق المواطنين وواجباتهم، تتمتع فيه أكثرية الجسد السياسي (الذي هو مجموعة من الأفراد الذين توافقت إرادتهم) بحق التصرف متضمنة إرادة باقي المجتمع.

إن الدستور الذي يطمح إليه الشعب في سورية ويوفر له الحرية والكرامة، ويكون وثيقته الحيَّة الحاكمة للحياة الوطنية ولسيادة الشعب، هو الدستور الذي:

– يؤكد أن سورية جزء من الوطن العربي.

– يحقق النظام الديمقراطي، والموازنة والمراقبة بين سلطات الحكم ويكون بالفصل الحقيقي بينها. ويطور مجالًا عامًا يحقق التواصل والتعايش بين الجماعات والآراء والتوجهات المختلفة للارتقاء الدائم بالمجتمع وبنوعية الثقافة الحاكمة لعلاقات الأفراد والجماعات وتفاعلاتهم.

– يرسخ مفهوم المواطنة كقيمة حضارية لجميع المواطنات والمواطنين.

– ينتج حكمًا قائمًا على التمثيل المتحقق بالانتخاب الحر.

– يثبت الكيان الوطني على ركائز ثلاث:

آ – وحدة للشعب والأرض غير قابلة للفصم.

ب – حقوق المواطنة، أي أن للأفراد والجماعات القومية والدينية بمذاهبها وطوائفها، وللجنسين في المجتمع حقوقًا سياسية وثقافية واجتماعية متساوية، وللجميع حق الوصول إلى الثروة الوطنية.

ج – حق التمتع بحماية متكافئة أمام القانون.

– يكرس مؤسسة المحكمة الدستورية العليا المنتخبة دون أن تُنازع.

-يلتزم بحقوق الإنسان غير القابلة للنزع، وبكافة المواثيق الدولية بهذا الخصوص، ويعتمد المنظور الإنساني المتسق مع العلم المستكشف ومع حقائق الوجود ومنظومة القيم والمبادئ المنمية لإنسانية الإنسان.

– ينمي جمعيات المجتمع المدني وجماعات الضغط والأحزاب السياسية والتنظيمات النقابية والمهنية ويصون دورها في تطور المجتمع ومراقبة الحكم، وفي الدفاع عن مصالحها والمطالبة بحقوقها.

– يعتمد مبدأ اللامركزية الديمقراطية على أساس جغرافي ومؤسسات تمثيلية لإدارة شؤون المواطنين والتنمية، بهدف الوصول إلى تنمية متوازنة ومستدامة.

– يصون الملكية العامة للدولة ويطورها لصالح المجتمع، ويحمي الملكية الخاصة للأفراد والجماعات.

– يحقق إلزامية التعليم في المرحل الأولى، ومجانيته في كل مراحله.

– يُشيَّدُ دولة المواطنة ببنيتها العصرية ونظامها الديمقراطي. وهي:

1 – دولة حيادية بين الجماعات القومية والدينية التي يتكون منها الشعب، دولة تحظر أي أيديولوجيا دينية أو غير دينية من السيطرة عليها، وهي في الوقت ذاته لا تحدُّ من حرية ممارسة أفراد الشعب اعتناق أي أيديولوجيا أو شعائر أي دين أو مذهب.

2 – دولة التسامح وقبول الآخر والعيش المشترك والسلام الاجتماعي.

3 – دولة القانون وسلطة الدولة التي يلجأ إليها الأفراد عندما تنتهك حقوقهم أو تهدد بالانتهاك.

4 – دولة بحكم كيانها ومؤسساتها وتنظيماتها، تعطي الشرعية للسلطة المتغيرة والعابرة.

5 – دولة يكون ولاء المواطن لها، ويكون حريصًا على طاعة قوانينها.

6 – دولة تجسد وتلخص وعي الشعب وتطلعاته الثقافية والاجتماعية والسياسية، وتحفظ الحقوق الجامعة لمبادئ الشعب وقيمه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق