أبحاث ودراسات

فرنسا: نسيان قيم الجمهورية أم واقعية سياسية

المحتويات

مقدمة

أولًا: تصريحات غير متوقعة

ثانيًا: خبرة هشّة أم رؤية واقعية             

ثالثًا: دور موسكو

رابعًا: الاقتصاد أيضًا

خامسًا: منطق الخبير              

سادسًا: كارثة المعارضة السورية

سابعًا: مبادرة متوقعة             

ثامنًا: خاتمة

 

مقدمة

على نحو غير متوقع، بل من دون مُقدّمات، أدلى الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون في الحادي والعشرين من حزيران/ يونيو الماضي، بتصريح صحافي قال فيه ما لا يتوافق مع الموقف الفرنسي المُعلن من القضية السورية، والنظام السوري تحديدًا، إن لم نقل يتناقض معه، وأثارت هذه التصريحات مخاوف السوريين المعارضين للنظام، وفتحت الأبواب أمام تفسيرات متعددة وإشكالية حول مدى صلة هذه التصريحات المفاجئة بالسياسة الفرنسية تجاه سورية في المدى المنظور.

 

أولًا: تصريحات غير متوقعة

في لقائه بمجموعة من ممثلي الصحف الأوروبية، تحدث فيها عن عدد من القضايا الأوروبية والعالمية الراهنة، وموقف فرنسا في عهده منها، ومن بينها القضية السورية، قال ماكرون إنه لا يرى بديلًا شرعيًا لرأس النظام السوري بشار الأسد، وعدّ الأسد «عدو الشعب السوري لكنه ليس عدو فرنسا»، وصرّح أن فرنسا «لم تعد تعدُّ رحيله شرطًا مسبقًا لتسوية النزاع في سورية»، وأضاف أيضًا إن أولوية باريس هي «التركيز الشامل على محاربة الإرهاب وضمان ألا تصبح سورية دولة فاشلة»، وأوضح أن هذه المسألة تحتاج إلى خريطة طريق دبلوماسية وسياسية، ولا يمكن حسمها بنشر قوات عسكرية فحسب، أما أولوياته الرئيسة فقال إنها واضحة، وهي الحرب الشاملة ضد ما أسماها الجماعات الإرهابية.

أثارت هذه التصريحات حفيظة المعارضة السورية، بوصفها المرة الأولى التي تُبدي فيها فرنسا موقفًا يُحابي النظام السوري، نظريًا وسطحيًا على الأقل، ويخالف الموقف العميق للرؤساء الفرنسيين الأربعة الذين واكبوا النظام السوري منذ استلام الأسد الابن السلطة عام 2000، والأهم أنه يختلف جذريًا عن الموقف المتشدد الذي أبدته فرنسا من النظام السوري منذ استخدامه السلاح الثقيل ضد المدنيين العُزّل الذين أشعلوا انتفاضة سلمية في آذار/ مارس 2011.

كذلك أثارت تصريحات رئيس واحدة من أهم الدول الداعمة بثبات للثورة السورية، زوبعة من الرفض والأسى لدى المعارضة السورية، وأثارت رياحًا من الغموض على صعيد التحليل والتوقع، والخشية من أن يسحب تصريح الرئيس الفرنسي معه دولًا عدّة تُعَدّ من (أصدقاء ثورة الشعب السوري).

سرعان ما حاولت وزارة الخارجية الفرنسية توضيح تصريحات الرئيس ماكرون، وتطويق نتائجها السلبية المحتملة، وقالت (في بيانٍ رسمي) إن «رئيس النظام السوري غير قادر على حلّ الصراع العسكري طويل الأمد بمفرده… ولا تنوي باريس وضع مسألة إطاحته في مقدمة المحادثات»، وأوضحت أن «لدى فرنسا خطتين بشأن موقفها من مصير رئيس النظام السوري بشار الأسد: الأولى تفيد بأننا لا نسعى لوضع رحيل الأسد شرطًا أساسًا للمحادثات، أما الثانية فتشير إلى أن رئيس النظام السوري لا يستطيع إيجاد حل للصراع في سورية بمفرده».

في حملته الانتخابية، كانت مواقف ماكرون واضحة جدًا، وغير ودّية تجاه النظام السوري، بخلاف موقفي مرشحي اليمين واليسار المتطرفين، ماري لوبن وميلانشون، إذ عَدّ في حينها رأس النظام السوري عدوًّا للشعب السوري، وهدّد بأن أي عودة إلى استخدام السلاح الكيمياوي من الأسد ضد شعبه سوف تحمله -إذا ما انتخب رئيسًا للجمهورية- على إرسال القوات الفرنسية لضربه، بحيث ذهبت الصحف إلى افتراض أنه يجهز لحرب مقبلة في سورية.

 

ثانيًا: خبرة هشّة أم رؤية واقعية

تنوعت التفسيرات التي حاولت الإجابة عن مغزى تصريحات الرئيس الفرنسي، وخصوصًا المتعلقة بأن رحيل رأس النظام السوري ليس أولوية، وانقسمت بين من أرجعها إلى أسباب سياسية أو اقتصادية أو حتى أسباب أمنية.

قال بعضهم إنه بغض النظر عن نيات الرئيس ماكرون، الطيبة أو الخبيثة، فإن تصريحاته كشفت بعض الهشاشة في خبرته الدبلوماسية والسياسية، ذلك أنه يظن أن هذه التصريحات تُزيل العقبة التي كانت تقف في طريق أي حل سياسي، أي بقاء بشار الأسد في السلطة، وهذا أمر مُجرّب وغير صحيح عمليًا.

مقابل هذه التفسيرات، هناك تفسيرات أكثر واقعية، وأشد تماسكًا ومنطقًا، تُعيد تصريحات ماكرون إلى جملة من المعطيات السياسية والاستراتيجية، والخبرات الدبلوماسية الفرنسية المتراكمة، والقدرة على حساب موازين القوى الدولية، ومدى القدرة على القيام بأي اختراق في القضايا الدولية الحساسة، ومستوى الاختراق وشروطه وممكناته.

من الضروري إدراك المنحى الواقعي الذي تراه فرنسا، وتقتضيه المرحلة، فماكرون ليس محكومًا بأيديولوجيا مُعلّبة، وهو يعمل عملًا سياسيًا محترفًا، داخليًا وخارجيًا، ويؤسّس لمفهوم سياسي جديد، وكان واضحًا خلال حملته الانتخابية، ويختلف كثيرًا مع تصريحاته الأخيرة.

هنا لابدّ من استرجاع براغماتية السياسة الفرنسية، والاعتراف بواقعيتها، ومرونتها من دون التنازل عن ثباتها، وعن (مبادئ الجمهورية) التي ما زالت -بطريقة أو بأخرى- تحكم الخطوط العامة لهذه السياسة؛ فبعد أن كان الرئيس جاك شيراك الزعيم الغربي الوحيد الذي شارك في مراسم تشييع حافظ الأسد في 10 حزيران/ يونيو 2000، فهو خص أيضًا ابنه بشار باستقبال وديّ وحارّ في الإليزيه قبل ذلك في عام 1998، على أمل أن يكون الابن غير أبيه، وأن ينقل سورية إلى مرحلة جديدة من الإصلاح.

طرحت فرنسا فكرة الإصلاح السياسي على النظام السوري، واشتغلت مع الأسد بجدّية وحماس، أملًا منها في إمكان إصلاح النظام الأمني القمعي الفاسد، لكن سرعان ما أُغلقت هذه المرحلة عند اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في شباط/ فبراير 2005، إذ أدرك شيراك أن بشار الأسد غير قابل للإصلاح، وأنه ربما يكون أكثر دموية وعنفًا من أبيه، خصوصًا بعد توجيه الاتهام إليه بالضلوع في الجريمة، وطوى صفحته، وأسست فرنسا موقفها الذي استمر حتى الآن، عبر الرؤساء جاك شيراك ونيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند وحتى ماكرون.

بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية الفرنسية، وفي خطوة فُسّرت بأنها رغبة في القطيعة مع سياسة سلفه العربية، قرر الرئيس نيكولا ساركوزي استعادة الحوار مع دمشق، وعدَّ -في حزيران/ يونيو 2007- بشار الأسد لاعبًا رئيسًا في المنطقة، وقرر أن يُعطيه فرصة أخرى، وكان له الفضل الأول في إعادة الأسد الابن إلى الساحة الدولية حين دعاه في 14 تموز/ يوليو 2008 إلى حضور العرض العسكري احتفالًا بالعيد الوطني، إلى جانب زعماء العالم، وشرّعت باريس أبوابها له، وكانت آخر زيارة رسمية له إلى باريس في كانون الأول/ ديسمبر 2010، وزار ساركوزي نفسه دمشق في أيلول/ سبتمبر 2008 ومرة ثانية في كانون الثاني/ يناير 2009، لكن الأسد لم يستفد من هذه الفرص كلّها، وظل يُراوغ في سياساته مع فرنسا، ويكذب عليها، ويُناور ضد مصالحها، ويَعِدُها بعلاقات حسنة لم تحصل مقابل تعميق علاقته بإيران.

مع انطلاق (الربيع العربي)، حاولت باريس نصح الأسد، لكنه رفض رفضًا قاطعًا، وفي 11 تموز/ يوليو 2011، شنّ مئات من أنصار الأسد، وهم عمليًا من رجال استخباراته، هجومًا على السفارة الفرنسية في دمشق، بعد ثلاثة أيام من زيارة قام بها سفير فرنسا إلى مدينة حماة التي كانت تشهد اضطرابات كبيرة.

أدانت فرنسا قمع التظاهرات في سورية بشدّة، وحاولت مع دول أخرى انتزاع قرار من مجلس الأمن يدين القمع الوحشي للمدنيين في سورية، ووقفت روسيا دائمًا في هذا المجلس ضد الموقف الفرنسي المتشدد تجاه الأسد وحلّه الحربي، واستخدمت الفيتو مرات عدّة ضد مشروعات قرارات فرنسية تنص على وضع حدٍّ لوحشية النظام السوري.

وكانت فرنسا أكثر الدول الأوروبية حماسًا في الدعوة إلى اتخاذ موقف حازم ضد نظام الأسد، ودعت عام 2012 إلى تنحي الأسد، ثم دعت إلى تدخل عسكري بعد استخدام النظام الأسلحة الكيمياوية في غوطة دمشق عام 2013، وفتحت تحقيقًا عام 2014 بشأن أعمال التعذيب التي يقوم بها هذا النظام.

ثالثًا: دور موسكو

وبالعودة إلى التفسيرات التي أحاطت بتصريحات الرئيس ماكرون، كان هناك تيار من الآراء التي ربطت تصريحاته برغبته في إقامة علاقة جيدة مع روسيا وسعيه لها، واحتمال أنه رأى هذه التصريحات المُخفَّفة تجاه رأس النظام السوري قد تساعد في التقارب مع بوتين، الذي كان ينتظر مثل هذه (الجملة السحرية)، أي (عدم ضرورة رحيل رأس النظام السوري في المرحلة الانتقالية).

في هذا السياق، قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، بعد تصريحات رئيسه بأيام، في حوار مطول نشرته صحيفة (لوموند) الفرنسية في السادس من تموز/ يوليو الجاري: «هناك فرصة لعقد حوار بنّاء مع روسيا» بخصوص سورية، وأن على باريس وموسكو أن تتقدّما معًا في مسار حل هذه الأزمة. وشرح الوزير الفرنسي «سنستطيع التقدم بنجاح في الملفّ السوري إذا نحن التزمنا بمنهجية جديدة ترتكز على وضع أسس صلبة ومتفق عليها من أجل إرساء جسور جديدة مع مختلف الأطراف المعنية بالنزاع، من دون اللجوء إلى مقدمات بلاغية». وقال بخصوص رئيس النظام السوري، إن «على باريس وموسكو الاتفاق حول دوره المستقبلي في المعادلة السورية، في أفق حل سياسي للنزاع السوري، فالواقعية تقتضي عدم فرض مبدأ مغادرة الأسد شرطًا مسبقًا للتفاوضات السياسية».

لكن، بالمقابل، نفى الوزير الفرنسي أن تكون تصريحات ماكرون لها علاقة بسعي فرنسا للتقارب مع روسيا، وقال «هل سمعتم من الروس تصريحًا واحدًا يقول إن بشار الأسد يمثل مستقبل سورية؟»، وهو بهذا الأمر حاول أن يوضح للمنتقدين أن فرنسا لن تكون ملكية أكثر من الملك (روسيا)، وأنها لن تقبل بالأسد في مستقبل سورية، لكن وجوده في المرحلة الانتقالية ربما يُسهّل إيجاد حل سياسي.

وكان ماكرون قد التقى بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 29 أيار/ مايو لقاءً مطولًا في قصر فيرساي، وكان لديه نزوع لتخفيف التناحرات الروسية – الفرنسية، واعتقد بعضهم أن تخفيف موقفه من رأس النظام السوري قد يكون أحد العوامل المساعدة أيضًا لتحسين العلاقة مع روسيا وتطويرها.

هذه المحاولة للتقارب مع روسيا، تحكمها أيضًا علاقة مشدودة بين فرنسا والولايات المتحدة، التي ترفض أن يكون لأوروبا دور أساس وكبير في الساحة السورية، وتسعى لإبعاد أوروبا عن الحصص، ولا سيما بعد التقاربات النسبية الأميركية – الروسية، وتشعر فرنسا أنها للمحافظة على حصتها من الشرق الأوسط، ولإبعاد شرور الإرهاب الذي تعرف جيدًا من يُصدّره إليها وإلى بقية الدول الأوروبية، لا بدّ من إعلان موقف أقلّ تشددًا، موقفٍ دبلوماسي حمّال أوجه، يمكن ترجمته بأكثر من طريقة، يترك الموقف مصير الأسد مفتوحًا ليُفسّره كل طرف كما يريد.

 

رابعًا: الاقتصاد أيضًا

ربطت بعض التحليلات تصريحات الرئيس الفرنسي بخلفية الرجل القادم من عالم المال والأعمال، الذي قد تغلب لديه المصالح على المبادئ، وربطتها بصفقة غاز وقّعتها فرنسا مع إيران، إذ أعلنت شركة (توتال) عن صفقة قيمتها خمسة مليارات دولار، تستحوذ بموجبها على 51 في المئة من ناتج حقل الجنوب الغازي في إيران بالشراكة مع شركة صينية، تستحوذ على 30 في المئة، وشركة النفط الإيرانية التي ستستحوذ على 19 في المئة فقط من ناتج هذا الحقل.

وهذا المبدأ، في المنطق السياسي والدولي مبدأ مفهوم وحتمي، فمن حق فرنسا أن تسعى لتحقيق مصالحها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، بمعزل عن مصالح الدول الأخرى، وأن يبحث رئيسها عن المنافع لبلده، لكن الانتقادات كانت كثيرة لهذا المنطق، في الحالة السورية تحديدًا، لأن هذه المصالح لا يجب أن تكون على حساب الإنكار العلني لمبادئ حقوق الإنسان، وليس على حساب دور فرنسا الرائد في تعزيز الحريات الفردية والعامة في مستوى العالم، وبخاصة الفرانكوفوني، ولا عن طريق منح الشرعية لرأس نظام قتل من شعبه ما يفوق نصف المليون إنسان، ودمّر دولة مفصلية في الشرق الأوسط، وصدّر مشكلة ملايين اللاجئين إلى دول الجوار وإلى أوروبا، وصدّر الإرهاب إلى بعض الدول الأوروبية.

 

خامسًا: منطق الخبير

ليس بالضرورة أن يكون أي من هذه التفسيرات صحيحًا، ويمكن بالمقابل أن تكون جميعها خاطئة، فمن الصعب أن تُغيّر فرنسا جذريًا موقفها من النظام السوري، إن لم يكن مستحيلًا، وخصوصًا أنها تقود جبهة أوروبية متّسقة في هذا المجال، تضم ألمانيا وبريطانيا أيضًا، وهي ليست بوارد قبول بالأسد من جديد لأنها تُدرك، كما تُدرك الدول الأخرى، الإقليمية والغربية، أن رأس النظام السوري لم يعد له أي رصيد في سورية ولا خارجها، وهو يصمد بسبب الدعم الروسي والإيراني، وأنه بات تابعًا لهما، ثم إنه من الصعوبة بمكان أن يقبله أغلبية السوريين رئيسًا لسورية المستقبل، وأن حجم الدماء التي أسالها لا يمكن أن تُمحى من دون رحيل رأس النظام تعويضًا لملايين السوريين المنكوبين، وكذلك إن أي دور لفرنسا في سورية، وهي دولة الديمقراطيات، لن يكون ممكنًا بإقامة صداقة مع نظام مجرم، وهو ما يراقبه الداخل الفرنسي.

في التصريح الصحافي نفسه، ذكّر ماكرون الصحافيين بحادثة خان شيخون حيث استخدم النظام السوري السلاح الكيمياوي، وقال موجّهًا كلامه إلى الولايات المتحدة «عندما تقوم بضبط خطوط حمراء، ثم تفشل في فرض احترامها، فإنك قد قررت بذلك أن تصبح في موقف ضعف». وتحدث عن الهجوم الكيمياوي الذي وقع عام 2013، وعن تهرب إدارة باراك أوباما، الذي (أضعف فرنسا)، وشجع بوتين، وأضاف موجّهًا كلامه هذه المرة إلى النظام السوري «إذا تمكّنا من تحديد مصادر مخزونات الأسلحة الكيمياوية، فستعمد فرنسا إلى ضربها وتدميرها»، وهو دليل إضافي على أن فرنسا تعرف أن النظام السوري هو من يمتلك السلاح الكيمياوي وتُعلن الحرب عليه في ما لو حاول استخدامها مجددًا.

في هذا السياق، يمكن استحضار تصريحات أخرى حديثة لوزير الخارجية، لودريان، قال فيها «نحن واقعيون في مستويين. واعون بضرورة عدم فرض مغادرة الأسد شرطًا لبدء التفاوضات، وأيضًا نحن واعون بأن حل الأزمة السورية لن يكون مع بشار، وأنا لا أتخيل كيف يمكن للاجئين الذين هَجّرهم أن يفكروا بالعودة إلى بلادهم من دون أي تغيير في سورية».

ترتكز الرؤية الفرنسية في المرحلة الحالية لإعادة المبادرة السياسية والدبلوماسية حول الملف السوري، على أربع دعامات، وفق الوزير لودريان، هي: «أولًا، محاربة أنواع الإرهاب كلها. ثانيًا، المنع المطلق والشامل لاستعمال السلاح الكيمياوي أو تصنيعه. ثالثًا، ضمان توزيع المساعدات الإنسانية للمدنيين كلهم الذين يحتاجون إليها في سورية، ورابعًا التوصل إلى حلّ سياسي بمشاركة المكونات السورية كلها، بدعم من الأمم المتحدة، وبخاصة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ودول المنطقة».

ما قاله ماكرون حول بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، ليس جديدًا، فقد قالته أغلبية الدول ذات العلاقة بالشأن السوري، ومنذ سنتين تقريبًا، لم يعُد رحيل الدكتاتور بمنزلة شرط أساس في المناقشات التي أجريت في جنيف، ولا في فيينا أو ميونيخ، بهدف التوصل إلى حل سياسي في سورية، وكان مصيره غامضًا عن عمد في هذه المؤتمرات كلها، وفي القرارات الدولية ذات العلاقة بالشأن السوري كلها، وحتى في موقف الأمم المتحدة ومبعوثها الخاص.

إن اتفاق الدول جميعها، بما فيها الراعية والقريبة من المعارضة، على أن محاربة الإرهاب هي أولويتها، يعني أن الحلّ السياسي لم يحن أوانه بعد، وأن النظرة إلى النظام والموقف من بقائه، أمر غير محسوم، أو بدقة أكثر، ينتظر التوافقات وما يمكن أن تُسفر عنه الضغوط المتبادلة، وهو ليس أمرًا محسومًا للبت بشأنه بالنسبة إليها.

 

سادسًا: كارثة المعارضة السورية

جوهر تصريح الرئيس الفرنسي بأنه «لا يرى بديلًا شرعيًا لرئيس النظام السوري بشار الأسد»، هو تكرار لمقولة طالما تردّدت على مسامع هيئات المعارضة السورية معظمها، التي التقاها سلفه هولاند، وهو يعني ذلك بشدّة، أنه لا يوجد بديل قادر على تحمل مسؤولية مرحلة ما بعد الأسد، وأن خبراته ولقاءاته تؤكد عجز المعارضة السورية ومؤسساتها وهيئاتها عن استلام الحكم وإدارة شؤون البلاد، وحاولت المعارضة السورية تجاهل جوهر التصريح هذا، وطرح تفسيرات مختلفة بعيدة عن الواقع والمنطق للتهرب من هذا المعنى الدقيق، الذي لا تنفكّ الشخصيات السورية المعارضة المستقلة تردّده منذ ست سنوات.

في رأي ماكرون، إن وجود الأسد، بغضّ النظر عن فعله الإجرامي، هو ضمانة مرحلية لعدم انهيار الدولة والدخول في فوضى قد تهدّد بتحويل سورية إلى دولة فاشلة، خصوصًا مع قناعة الغرب بأن أي فوضى إضافية ستحمل معها مزيدًا من التنظيمات والعمليات الإرهابية التي قد تضرب أوروبا، بما فيها تحوّل جزء من ميليشيات النظام إلى تنظيمات إرهابية عابرة للدول في حال إسقاط رئيسهم بالقوة الخارجية.

«لا أجد بديلًا شرعيًا» هو تصريح لا يعني أن نظام الأسد شرعي، فهذا الأمر محسوم بالنسبة إلى فرنسا، لأن ماكرون قال إنه لا يمكن للشعب أن يقبل في المستقبل الحاكمَ الذي ارتكب هذه الجرائم كلها. إنه تصريح موجّه إلى المعارضة السورية وليس إلى النظام، فبرأي الرئيس الفرنسي، المعارضة السورية غير مهيّأة لأن تكون البديل، وغير جديرة بتحمّل مسؤولية المرحلة الانتقالية، وبما يفسّر قابلية البحث عن بدائل ما مشتركة بين النظام وغيره من أطراف وشخصيات معارضة، وهو يدعوها إلى إصلاح ذاتها، والتوحد، والتوسع، وضم منصّات القاهرة وموسكو، ليقبلها العالم بوصفها معارضة شرعية جديرة بأن تقود المرحلة الانتقالية.

في آخر لقاء للهيئة العليا للتفاوضات بالرئيس ماكرون في 17 حزيران/ يونيو الماضي في الإليزيه، كرّر الرئيس الفرنسي العبارات نفسها التي قالها في تصريحاته للصحافة الأوروبية، وإن بصورة أخفّ قليلًا، وبخاصة في ما يتعلق بالموقف الواضح من رأس النظام وبقائه، ومن الإرهاب، ومن ضعف المعارضة السورية ورداءتها.

أبلغ ماكرون رئيس الهيئة العليا للتفاوضات، بجلاء، أن الاهتمام الأساس في هذه المرحلة بالنسبة إلى فرنسا، بل إلى دول العالم معظمها، هو محاربة الإرهاب، واستفاض في شرح مخاطره على أوروبا والعالم، وبما يعني أن الحل السياسي، وإيقاف المقتلة السورية، مؤجل حاليًا ريثما يتمّ القضاء على الإرهاب، أو أنها ليست في موقع الأولوية، وأن هذا الأمر لا يخصّ فرنسا فحسب، بل الجميع أيضًا.

وأبلغ كبار المسؤولين الفرنسيين قيادات المعارضة السورية غير مرّة، أن رحيل الأسد قبل بدء تفاوضات الحل السياسي، وقبل بدء المرحلة الانتقالية يجب أن لا يكون شرطًا مسبقًا، وأنه يمكن مناقشة المدة الزمنية المقبولة خلال التفاوضات.

تصريحات الرئيس الفرنسي، وإن كانت صادمة، ومختلفة عمّا عهدته المعارضة السورية، إلا أنها في هذا الشقّ تحمل كثيرًا من الجدّية والواقعية، فطوال ست سنوات، لم تستطع المعارضة السورية تقديم نفسها بوصفها معارضة متماسكة، أو أنها بديل محترم وموثوق لاستلام الحكم، أو حتى أنه يمكن أن يكون لها دور مهم في العملية الانتقالية، وفي مستقبل سورية. وقدّم أغلبية قادة المعارضة السورية أسوأ ما يمكن أن تُقدّمه أي معارضة سياسية، إذ برزت دائمًا إلى السطح الخلافات وعدم التنسيق والعجز عن التوحد والانسجام، فضلًا عن طغيان الفردية والمصالح الخاصة وكثير من الأمّية السياسية.

هنا، لا يمكن تحميل الرئيس الفرنسي مسؤولية تردّي حال المعارضة السورية إلى هذا المستوى، وربما اشترك الظرف الذاتي والموضوعي معًا لوصول المعارضة السورية إلى درجة تدفع الآخرين دفعًا إلى عدم الاعتراف بها مقابل الاعتراف بنظام قاتل. فإضافة إلى العامل الذاتي الذي يمكن اختصاره بأن المعارضة اتصفت بقصور الوعي السياسي والفساد والمحاصصة، كان العامل الموضوعي قويًا أيضًا، إذ ظلّت الوعود التي تلقتها المعارضة كلها محض أقوال، لم تقترن بأي فعل جدي، ولا بممارسة ضغوط لإجبار النظام على الانصياع لقرارات الشرعية الدولية، ووقف العنف والقتل، وإرغامه على القبول بحل سياسي وبدء مرحلة انتقال سياسي إلزامية مراقبة، وهذا الأمر لا يتحمله الفرنسيون، بقدر ما يتحمله الروس والأميركيون.

 

سابعًا: مبادرة متوقعة

على التوازي، وبالتزامن، قالت فرنسا إن لديها مبادرة لحل القضية السورية، لم تُعرف تفصيلاتها رسميًا، لكنها توحي بأنها تسعى من جديد لتذكير الأطراف الأخرى بكونها لاعبًا رئيسًا في الشرق الأوسط، وفي سورية التي كانت تنتدبها خصوصًا، إذ تعدّ الدولة الوحيدة التي تمتلك تاريخًا مع سورية بحكم حقبة الانتداب فيها، وبحكم معرفتها المتقدمة بالتركيبة الاجتماعية والسياسية والطائفية في هذا البلد، وقد تسعى الآن لتكون وسيطًا بين الروس والأميركيين والسوريين، لكنها ستكون بحاجة إلى مستوى عالٍ من التكتيك و(التكنيك) لتمريرها، أو جعلها قابلة للحياة.

وفق تسريبات أولية، ستتضمن المبادرة الفرنسية تسوية للانتقال السياسي تدريجًا في سورية، مع بقاء الأسد بصلاحيات محدودة، تتقدم فيها محاربة الإرهاب على المسائل الأخرى، بوصفها أولوية تفرض اندماج المعارضة والنظام في مواجهة مسلحة مع التطرف، تقود إلى تفاهم حول العملية السياسية، تأخذ في حسبانها مسار جنيف وأستانة.

في الأغلب الأعم، سيكون أثر المبادرة الفرنسية محدودًا جدًا إذا لم تحصل على دعم أميركي، فلا يمكن لفرنسا وحدها أن تتصدى لحل قضية دولية مُعقّدة كالقضية السورية، تتشابك فيها المصالح والصراعات والاستراتيجيات والأيديولوجيات والبشر، وتتورّط فيها الدول الإقليمية كلها وكثير من الدول البعيدة.

فرنسا هي الدولة الوحيدة التي لم تدر الظهر لالتزاماتها تجاه الثورة السورية، فيما انسحبت أغلبية دول (أصدقاء الشعب السوري) من المشهد السياسي المتعلق بالقضية السورية، وتراجعت مواقف العواصم الغربية تأثرًا بالسلبية الأميركية، وانحصرت بالإدانات اللفظية لجرائم النظام، فيما تنشغل دول الخليج العربي بأزمة سياسية شديدة التعقيد في ما بينها، إثر زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسعودية مؤخرًا، بينما بقي الموقف الفرنسي مستمرًا بحدّته وقوته.

من هنا، تختلف الإشارات الفرنسية عن تلك الأميركية التي قالها السفير الأميركي السابق في دمشق روبيرت فورد، عن خداع الإدارة الأميركية للسوريين، تلك الإدارة التي تريد بقاء السياج المحيط بإسرائيل، والحامي لها، وتنساق مع خديعة النظام الذي روّج لمخاطر (إرهاب) السوريين.

 

ثامنًا: خاتمة

من المستبعد أن يحصل تغيّر استراتيجي في السياسة الفرنسية تجاه النظام السوري ورأسه، لكن التغير التكتيكي ممكن، ومؤشّره مصالح فرنسا وليس مصالح المعارضة السورية، وعليه، وفي المرحلة المقبلة، يقع الجزء الأكبر من المسؤولية على المعارضة السورية، لتستطيع أن تُخفف من تأثير التغيرات التكتيكية وتحرفها قليلًا إلى مصلحتها.

على المعارضة السورية أن تُدرك الحيثيات السابقة، وتتعلّم مما قاله الفرنسيون، أو ما قالته أي دولة حريصة على إيجاد حل سياسي للأزمة السورية يضمن تغيير النظام بمرحلة انتقالية، أو أي دولة تسعى لتطبيق قرارات جنيف الأولى، التي تضمن نزع الصلاحيات من رأس النظام السوري في المرحلة الانتقالية، وأن تبذل قصارى جهدها، هيئات ومؤسسات وشخصيات، لتحمُّل المسؤولية الوطنية التاريخية، وألّا تخجل من المكاشفة والاعتراف بالخطأ، وتنبذ المأزومين الفاسدين المدّعين فيها، وتسعى لاستعادة قرارها السياسي المفقود، الذي بات في أيدي الآخرين، وتعمل بقوة لتأهيل المعارضة العسكرية وتوحيدها، لتكون قادرة فعلًا، هي والسياسية معًا، على أن تكون البديل من نظام القتل، وتُقدّم رؤية واضحة واعية ناضجة مُدعّمة بالمواقف حول مستقبل سورية، وتؤكد بالدليل القاطع حرصها على الوحدة المجتمعية والترابية والسياسية للبلاد.

المطلوب شجاعة وسرعة من المعارضة السورية لتوحيد نفسها، لتستطيع أن تصرخ معًا في وجه العالم مؤكدة أن نظام الأسد مجرم، لا مكان له في حاضر سورية ومستقبلها.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق