أدب وفنون

هرة سيكريدا

للوهلة الأولى، يتساءل القارئ لماذا وضع رشيد الضعيف هذا العنوان لروايته؟ خاصة أن الهرة لا تُذكر إلا في أقل من أسطر! لكن سرعان ما نعرف أي حيلة روائية ذكية ومدخل ذكي، لشخصية الخادمة الحبشية المسيحية التي تعمل منذ سنوات عند عجوز لبنانية أرملة، من الطائفة السنية، اسمها أديبة. سيكريدا التي عادت ذات يوم من التسوق تحمل هرّة وتحنو عليها وتطعمها وتريد أن تُسكنها في بيت سيدتها أديبة، على الرغم من رفض الأخيرة، لكن سيكريدا الممتلئة بالعطف والحنان والحب تُصر أن تكون الهرة في البيت، وتنجح في ذلك. علاقة سيكريدا بالهرة تكشف لنا أي إنسانة مُحبة وحنونة هي، وكم هي متفانية في خدمة من تحب، فقد أصبحت السيدة العجوز أديبة تعدّها فردًا من أسرتها، لكن سيكريدا تحب الرجال أيضًا، ولا تستطيع منع نفسها من إغواء الاستسلام لمن ترغب منهم، وتصر أن يكونوا شبانًا من جيلها، تحمل من أحد عشاقها، وتنجب ابنًا هو ابن زنا، بمعرفة كل سكان الحي، وتجد أديبة المؤمنة نفسَها أمام خيار صعب وامتحان قاس، فإما أن تطرد الخادمةَ وتعيدها إلى الحبشة مع حملها الآثم، أو أن تجد حلًا آخر، وهو قبولها بالجنين. ولأن أديبة تحب سيكريدا جدًا وتقدر أمانتها وتفانيها في خدمتها، فقد سامحتها وتقبلتها كامرأة متفتحة حبًا بالحياة، ولا تضع عوائق في وجه رغباتها ونزواتها. أديبة ليست المقياس، ثمة نساء لا يمكنهن العيش من دون رجل وجنس. تدبر أديبة زواجًا على الورق لسيكريدا، كي يكون أبًا للطفل، ويولد ابن الزنا الذي تسميه أديبة “رضوان”، وتحبه كأحد أولادها التسعة الذين يعملون في الغابون. لكن رضوان الذي يسمونه في الحي (ابن الصدفة) والكل يعلم أن أمه أنجبته من رجل ما وأنه ابن زنا، يعيش طوال الوقت متألمًا وناقمًا على أمه التي لم تتوقف عن علاقاتها الغرامية، فكان يضربها ويشتمها، ولم يكن يكبح جموح غضبه على أمه، إلا السيدة أديبة التي أحبته واحتضنته كأحد أولادها.

زمن الرواية هو زمن الحرب الأهلية اللبنانية التي طالما أبدع رشيد الضعيف في التحدث عنها، عبر سُخرية مريرة لاذعة غالبًا، لكنه هذه المرة يتحدث عن هذه الحرب بشيء كثير من عطف وحنان على اللبنانيين جميعًا. ثمة غلالة من حنان تُغلف الأحداث، لا نجد أثرًا لدم أو مشهد عنيف ولا نسمع صوت رصاص، فمن خلال عدة شخصيات تبدو أنها تعيش حياة عادية، ندرك هول الحرب الأهلية. رضوان ابن الثالثة عشرة يقضي ساعات طويلة مع رفاقه في سينما في شارع الكومودور، يشاهدون أفلامًا جنسية ويحتلمون، قاذفين مائهم في أكياس ورق، رضوان الذي ترك المدرسة باحثًا عن عمل، وقادته الظروف ليعمل في دفع شابة كسيحة ثرية؛ أمها صيدلانية ووالدها هاجر إلى إفريقيا منذ سنوات، ليس من أجل جمع ثروة، بل لأنه لم يتقبل أن ابنته الجميلة كسيحة! لا يتحمل تلك الحقيقة فهرب وسكّن وجع ضميره بإرسال مبالغ مالية باستمرار لزوجته وابنته المُعاقة. كل يوم على رضوان أن يدفع أمل الكسيحة، ابنه الثامنة عشرة، إلى المدرسة ويعود بها، تنشأ علاقة جنسية بين أمل ورضوان، لم تكن أمل تحب رضوان ولا تأمل أن تتزوجه، وهو في الخامسة عشرة وابن زنا، لكنه كان أداتها –وهي الكسيحة– لبلوغها لحظة انسجامها مع ذاتها، ومع العالم، كانت أمل تبلغ ذرى النشوة والغبطة وهي مع رضوان، تبلغها ليس معه بل عبره. أديبة تخشى على رضوان من جنون الحرب الأهلية، وتخشى عليه الانخراط في الميليشيات المُسلحة، والمنظمات المسلحة التي تبيع الشهداء وتقبض أثمانهم، وقد أصبح القتل اليومي خبز اللبنانيين اليومي، ولم تعد أرض لبنان من تراب بل من جثث. أديبة المؤمنة الكريمة لا تريد لرضوان أن يقع بين احتمالين لا ثالث لهما في لبنان الحرب الأهلية: إما قاتلًا أو مقتولًا. فتشجعه على إتقان مهنة يعتاش منها، ثم ترسله ليعمل عند أولادها في الغابون، لكن أمل تحمل من رضوان ولا تخبره، لأنها تعتقد أنه ليس أهلًا ليتزوج ويكون أبًا، لكنها تحب الجنين في أحشائها، إنه يُعطيها غاية ومعنى لحياتها ويُنسيها إعاقتها، أمل تريد الطفل وأمها كذلك تتقبل حبل ابنتها، وتعرف أنه سيكون مُنقذها من يأسٍ، يتربص بها كشابة جميلة وذكية لكنها مُعاقة. ستهب أمل الحب لطفلها الذي هو لها وحدها، لأن رضوان ليس أكثر من (ديك الدجاجة) يُخطف رضوان مع مجموعة من الشبان في اليوم الذي تُخبره فيه أمل أنها حامل منه، ويدور الجميع في متاهة وطن، صار القتل والخطف فيه عاديًا ومُتوقعًا كل لحظة. لا يعود الخارج خارجًا في الحرب الأهلية، ولا الداخل داخلًا، ولا يعود للبيوت حرمة، يختلط إيقاع الليل بإيقاع النهار وتتبدل الأحلام والآمال؛ ولا يعود بمقدور أحد بلسمة جراح أحد، فالكل في دوامة الجنون والعبثية، ولا وقت للتحسر على القتلى والخسائر؛ إذ إن كل يوم يحمل مأساته الجديدة.

لكن ثمة أمل تصونه النساء، ثمة مُعجزة تحول الكارثة إلى نعمة والعار إلى رجاء وحب، وابن الزنا إلى مُنقذ، ثمة أمل بترميم تصدعات الحياة وقسوتها الوحشية، أمل تُصر عليه النساء وتصنعنه بإرادتهن، كما يصنعن الحياة في أرحامهن.

تلتقي أديبة وأمل وأمها ويتفقن على إبقاء الجنين، على إبقاء الأمل والإصرار عليه، بأن يستمر حمل أمل من رضوان المخطوف الذي قد يُقتل في أي لحظة. نساء رشيد الضعيف، قويات بالمحبة والرغبة بالحياة وكلهن –رغم اختلاف دينهن وثقافتهن وقوميتهن– يعرفن أي قوة تملكها المرأة التي تتخمر بذرة الحياة في أحشائها والتي هي بذرة الخلق والحب والمستقبل.

لا يوجد هناك ابن زنا، الطفل دومًا رمز النقاء والحب والحياة، ولا شيء ينتصر على جنون القتل والخطف واليأس كالحب.

هرة سيكريدا رواية منسوجة بشغف وحنان، أبدع فيها رشيد الضعيف في وصف أهوال الحرب الأهلية، وكيف تشوه حياة الناس، لكنه ترك نساء الرواية ينسجن الأمل بالخلاص.

 

الرواية: هرة سيكريدا، دار الساقي، الطبعة الأولى 2014 (190 صفحة)

الكاتب: رشيد الضعيف.

مقالات ذات صلة

إغلاق