اقتصاد

عملة من ورق…طرح 2000 ليرة في الأسواق السورية

طرح مصرف سورية المركزي مؤخرًا الورقةَ النقدية من فئة 2000 ليرة سورية (أقل من أربعة دولارات أميركية)، بعد أن تعرضت الليرة السورية، خلال سنوات الصراع السبع، إلى الكثير من الاضطرابات؛ ما أدى إلى انخفاض حاد في قيمتها أمام سلة العملات الأجنبية.

وقال حاكم مصرف سورية المركزي دريد ضرغام، على صفحته في (فيسبوك): “إن السنوات الماضية شهدت ارتفاعات كبيرة لأسعار السلع؛ ما زاد من سرعة تداول النقود الورقية وتلفها، فتطلب الأمر طرح أوراق نقدية مختلفة، والعمل على أدوات دفع إلكتروني مناسبة”.

وبرّر ضرغام طرحَ العملة النقدية فئة 2000 ليرة سورية، بالضرورة لمعالجة ارتفاع حدث بالسنوات السابقة، ولن يؤثر على السياسة النقدية الحالية، حسب قوله، ليضيف أن خير دليل أنه لم تطرح هذه الفئة النقدية عام 2015، إلا بعد التأكد من استقرار مستمر منذ عام تقريبًا.

طرحُ العملة النقدية الجديدة -وفقًا للخبير الاقتصادي عبد الحميد عثمان- يُعدّ تدخلًا في سوق النقد، لتحقيق معدل النمو المستهدف في الكتلة النقدية المتناسب مع معدل النمو الاقتصادي، لأن معدل تغير الكتلة النقدية يجب أن يتناسب مع معدل الكتلة الإنتاجية من السلع والخدمات.

وأضاف عثمان لـ (جيرون) أن طرح العملة النقدية يخلق عدة مخاطر، نتيجة لطباعة النقود دون تغطية، فالحكومة السورية الحالية تهدف، من الطرح الحالي، إلى توفير السيولة اللازمة لسد عجز الموازنة العامة؛ لأن ذلك سيؤدي إلى نتيجة أساسية واحدة، ارتفاع معدلات التضخم وبالتالي ارتفاع الأسعار أكثر مما هي مرتفعة، إذ يزيد المعروض النقدي دون أن يقابله زيادة موازية في السلع والخدمات. هذه هي النتيجة الأساسية.

ولفت إلى أن الطرح الجديد قد يؤدي إلى انهيار العملة انهيارًا كليًا، ومن ثم انهيار الاقتصاد، مع ملاحظة أن الاقتصاد السوري الحالي هو اقتصاد حرب، يعيش حالة من التضخم التراكمي، ما يفقد الناس ثقتهم في العملة السورية المطروحة، ليتخلصوا مما لديهم من هذه العملة وشراء عملات أجنبية، ما يؤدي إلى مزيد من انخفاض قيمتها، ويؤدي في النهاية إلى انهيار قيمتها ومن ثم الانهيار الاقتصادي، وهو ما شهدناه خلال يومي الطرح، إذ انخفضت العملة السورية مقابل العملات الأخرى، بعد استقرار نسبي مدته عام كامل.

ردات فعل عامة

لم يسلم الطرح الجديد من ردات فعل السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث علّق عمار ونوس، بالقول: “صدور هيك عملة ألا يعني أن الليرة السورية تخسر قيمتها أكتر وأكتر فيما يسمى (التضخم)”.

أما محمد عبد اللطيف، فكتب: كان لا بد من امتصاص جزء من حالة التضخم الحاصل في الفترة السابقة، خاصة في ظل الاستقرار المالي والنقدي الذي يعيشه اقتصادنا الوطني، منذ توليكم (يقصد دريد ضرغام) منصبَ رئيس مجلس النقد والتسليف وحاكم مصرف سورية المركزي”.

وكتب عبدو علي على صفحة حاكم مصرف سورية المركزي: “أتمنى على سعادة الحاكم الجواب على سؤال: لماذا تتمسكون بسعر صرف فوق 500 ليرة سورية، وحريصون على هذا السعر وتضاربون في السوق لتثبيته؟ ألا تفكرون، يا سعادة الحاكم، بالارتقاء إلى مستوى الانتصارات المذهلة في الميدانَين العسكري والسياسي؟!”.

أما آية ياسر، فكتبت: “يتجه العالم نحو خفض التضخم النقدي، ونحن نقوم بزيادته، ما الغاية من صك عملة ورقية، لا غطاء اقتصاديًا لها، في ظل الظروف الاقتصادية السيئة للبلد”.

وأشارت دراسة أصدرها المنتدى الاقتصادي السوري (SEF) (مؤسسة بحثية مستقلة) عام 2015: ترتبط طباعة النقود بعدة معايير وضوابط، وبشكل الأداء الاقتصادي، كحجم الإنتاج من السلع والخدمات ونمو الناتج المحلى الإجمالي للدولة، وأن الحكومة تدرس احتياج السوق من السيولة لتسهيل النشاط الاقتصادي؛ وعلى أساسها تتم عمليات طبع النقود اللازمة، ولا تستطيع الحكومة طباعة أوراق نقدية زائدة على الحد، لأن متخذ قرار الطبع تكون لديه آليات محددة تعتمد على الأسعار في السوق ومستويات التشغيل والسيولة المطلوب توفيرها، وبذلك لا يمكن طباعة نقود زائدة على الحد، حتى لا ترتفع الأسعار في السوق.

إذًا، من وجهة نظر اقتصادية، تلجأ الدول لطرح فئات جديدة من العملة النقدية في الحالات التالية حسب دراسة المنتدى الاقتصادي:

الحالة الأولى: في سياق النمو والتطور الاقتصادي، فحجم الكتلة النقدية المطروح في أي سوق من أسواق الدول ينبغي أن يأتي كارتفاع للإنتاج السلعي والمادي الموجود في سوق هذه الدولة، وبشكل طبيعي، فإنه مع تطور إنتاج الدول يجب أن يتزايد حجم العملة المناسبة، لتغطية التطور في الإنتاج المادي العيني والنقدي، وهذا هو السياق الطبيعي لإنتاج العملة، من وجهة نظر اقتصادية.

الحالة الثانية: هي تقنية بحت، بمعنى أن ما يحدث هو عملية استبدال العملة المهترئة، بعملة أخرى تحل محلها.

الحالة الثالثة: تسمى التسهيل الكمي وهو المصطلح لما يسمى “التمويل بالعجز” أي إصدار كميات نقدية إضافية من أجل تغطية النفقات العامة للدولة، إذ لا يتوافر للدولة إيرادات ومصادر كافية تقوم بطباعة العملة من أجل تمويل نفقاتها. هذه الحالة هي الوجه الأكثر إثارة للخوف، أي إن هذه الطباعة، إذا كانت من أجل التمويل بالعجز وليس استبدال عملة بعملة أخرى، فسيكون لدينا كتلة كبيرة من النقد سوف تطارد حجمًا محدودًا من السلع والخدمات؛ ما سيؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، أي أنه يمكن علينا انتظار موجة تضخمية على شكل ارتفاعات في الأسعار.

والحالة الثالثة، وفقًا للخبير الاقتصادي عثمان، هي ما ينطبق على طرح العملة الجديدة، والتخوف الحالي من ارتفاع الأسعار، مقابل انخفاض العملة، إذ فقدت العملة السورية في السابق وبشكل متوالي نسب عالية من قيمتها، وعلى الرغم من الاستقرار النسبي لسعر الصرف في الفترة السابقة، تبقى الليرة معرضة لهزات أخرى، في حال لم يستطع المصرف المركزي السيطرة عليها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق