هموم ثقافية

خيمياء..

لم أكُن أحِبُّ مادةَ الكيمياء.

ولطالما تساءلت.. كيف يُختصر الماءُ إلى مُعادلةٍ كيميائية:

O + H2″ = ماء” ؟!

ماءُ المطر.. ليسَ كماءِ السبخات الراكدة.

والماءُ في خابيتنا الفخاريّة “الأرمنازيَّة”.. لا يُضاهِيه شيءٌ؛ سوى ماء “نبع الفيجة” في الشام.

الثلجُ.. ماءٌ أيضًا؛ و80% من جسمنا؛ ومن التُفاحةِ التي أغوَت بها جدتُنا حوَّاء جدَّنا آدم!

لم يكن يُدهِشني في مَخبَر المدرسة أن تتحوَّل ورقةُ الكشف عن “حمض كلور الماء” إلى لونٍ أحمر أو.. أزرق – لستُ أتذكّر تمامًا؛ ربما لأنه لا يعنيني أن أتذكّر!

كان الساحرُ في خيمة العيد يُدهِشُنِي أكثر.. حينَ يُخرِجً كُراتِ “البنغ بونغ” من أذنِه، ومن أفواهِنا، ومن تحت إبطيه وهو يُقَوقِئ كالدجاجة.

ثمّ أنّ ابن حارتنا صبحي قد سخر منه؛ فالتقط السَاحِرُ سخريته؛ نظر في عينيه طويلًا حتى خِلتُ بأنّ صبحي قد تجمَّد أو تبخَّر، ثم أشار الساحر بإصبعه نحوه؛ رفعها إلى أعلى.. فارتفع صبحي في الهواء؛ فلمّا صار على عُلوِّ مترٍ فوقَ رؤوسنا؛ تركه الساحر دهرًا؛ ثمّ أنزله وهو يُفرقِعُ بالغازاتِ من مُؤخرته؛ فضجّ الجميع بالضحك.

لم يُصدّقني أحدٌ.. حين رويتُ ما حدث لصبحي في خيمة الساحر؛ وَحدَها.. جَدَّتِي، قد صَدَّقتني، لكنها قالت:

  • رأيتَ ما تمنَّيتَ أن تراه، هل بينكَ وبين صبحي عداوةٌ؟!.

قلت: – لا.. لكنه يسخر دائمًا من أحلامي!

ضحكت جدّتي: – وبالحُلم.. قد سخِرتَ منه.

كنت أُغمِضُ عينَيَّ في درس الكيمياء.. وأتخيّلُ كيف تتحوَّل غمامةُ صيفٍ إلى خيوطٍ بيضاءَ من القطن، ثمّ ألُفُّ الخيوطَ على مِغزَلِ جَدَّتي.. لتنسجَ منه ثوبًا لِلُعبَة أختي التي خطفها الموتُ أبكرَ من المُعتاد.

وأكثرَ من كلِّ المعادلات الكيميائية التي بدأنا نتعلّمها؛ كانت قصة “مدينة النحاس” في ألف ليلة وليلة.. تُعجِبُنِي أكثر:

“قال ابن الفقيه: ومن عجائب الأندلس أمرُ مدينة الصُفر التي يزعم قومٌ من العلماء أن ذا القرنين بناها وأودعها كنوزه وعلومَه وطَلسَمَ بابَهَا فلا يقف عليها أحد، وبنى داخلها بحجر “البهتة” وهو مغناطيس الناس، وذلك أن الإنسان إذا نظر إليها لم يتمالك أن يضحك، ويُلقي نفسه عليهـا فـلا يُزايِلُها أبدًا حتى يموت، وهي في بعضِ مَفَاوِز الأندلس.”

بينما حدَّد المسعودي بأنها في صحراء المغرب: “مدينة كلُّ بنائها نحاسٌ بصحراء “سجلماسة”، ظفر بها موسى بن نصير في غزوته إلى المغرب؛ مُغلقة الأبواب؛ والصاعِدُ إليها من أسوارِها إذا أشرف على الحائط، صفق ورمى بنفسه فلا يرجع آخرَ الدهر”.

بينما نفا ابن خلدون وجودَها قطعيًا؛ وقال ياقوت الحموي: إنّ قصتها “بعيدة عــن الصحّة.. لمُفارَقتها العادة.”

كنتُ أسألُ كلَّ أستاذِ كيمياءٍ جديد.. السؤالَ ذاتَه:

– أستاذ.. هل يتحوَّلُ النحاسُ إلى ذهب؟!

فيبتسمون لي بإشفاقٍ.. واحداً تلو الآخر؛ مُطمَئنِّينَ لجوابهم العلميّ: – طبعاً.. لا.

وابتسم لهم.. بإشفاق؛ عائدًا إلى حكاية الصائغ حسن البصري؛ من حكايات ألف ليلة وليلة:

واعلَم يا ولدي.. يا حسن؛ أنك تضع على كلِّ عشرةِ أرطالٍ نحاسًا؛ نصفَ دِرهَمٍ من هذا الإكسير؛ فتصيرَ عشرةَ أرطالٍ ذهبًا خالصًا إبريزًا؛ ثمّ أخرج طاسة نحاسٍ من البيت فألقاها في البودقة؛ ورمى عليها قليلًا من الإكسير الذي في الورقة؛ فصارت سبيكةً من الذهب الخالص”.

أغمِضُ عينيَّ.. مُتخيلًا كيف سأمسِكُ الشمسَ التي مِن نحاسٍ؛ فأغطّسها في بحرِ ذاك الأكسير حتى تصيرَ قرصًا من ذهب!

في الصفّ الثامن.. عرفتُ أنَّ الكيمياء الحديثة قد خرجت من رحم تلك الخيمياء في الحكايات والأساطير؛ ولكن بعد أن فقدت سِحرها.. فتحوَّلت إلى سلسلةٍ من المُعادلات والأرقام.

فلمَّا حضرتُ أولَ دروسِ مادة الفلسفة؛ سألتُ أستاذها:

  • أستاذ.. ما هو حجر الفلاسفة؟!.

حَدَّقَ بي مُندَهِشًا: – هل سألتَ أستاذ الكيمياء؟!

  • سألته فقال إنَّه أضغاثُ أحلامٍ تجاوزها العِلمُ الحديث؛ فلا يُمكن لمادة الرصاص أو النحاس.. أن تصيرَ ذهبًا.

ابتسم أستاذ الفلسفةُ قائلاً:

  • هذا صحيح علميًا؛ أمّا حَجَرُ الفلسفة.. فيُحوِّلُ العقول القابلةَ للصدأ إلى عقولٍ لا تصدأ.

مساءً.. أخرجتُ كتابَ ألف ليلة وليلة؛ من مكتبتي الصغيرة؛ فخرجت من صفحاته شهرزاد.. تبتسم لي وهي بكامل أناقتها، ثمَّ مررَّت أصابعَها الرهيفة في شعر رأسي، انحنَت.. تهمسُ لي؛ كأنما تبوح بِسِرٍّ يُشبه ذاك الإكسير:

  • أمَّا الحكايةُ فتُحوِّل حياتَنَا القابلةَ للموت وللصدأ.. إلى أيقوناتٍ من ذهبٍ لا يصدأ.
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق