تحقيقات وتقارير سياسية

عندما انتفضت قواعد البعث على البعث

لم تكن أيدي أطفال درعا هي من رسم بداية النهاية لنظام بشار الأسد، في آذار/ مارس 2011، فلو أننا عدنا إلى الوراء أكثر، ومن ثمّ رصدنا التغيرات التي طرأت على البنية الاقتصادية والاجتماعية السورية نتيجة سياسات بشار الأسد؛ لاتّضح لنا أن بشار نفسه قد قرر تدمير حكم عائلته، منذ خطاب القسم لرئاسة الجمهورية، في العاشر من تموز/ يوليو عام 2000، يومَ أعلن الأسد أن حكمه قائم بالدرجة الأولى على الإصلاح والتطوير، وحاول أن يظهر بمظهر الرئيس المستنير القادم لبناء سورية الجديدة بناءً مختلفًا عن سلفه، وبالفعل بدأ بعملية تغيير شاملة في السياسات الاقتصادية للبلاد، انعكست، على شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع السوري. تغييراتٌ كان من شأن اختلافها الكبير عن سابقتها أن تصل بالبلاد إلى حالة انتفاضة عارمة، انطلقت من قواعد كان قد اعتمد عليها حافظ الأسد سابقًا من خلال تحييدها أو توظيفها في ضمان استقرار حكمه.

بدأت القصة تأخذ مجراها، منذ اليوم الأول التالي لإعلان استقلال سورية وخروج الاحتلال الفرنسي؛ وبالتالي سقطت شرعية القيادة من أجل عملية الاستقلال بسقوط السبب، وباتت الأولوية لإدارة الدولة، وحتى عام 1946 كانت القيادة السياسية للشعب والدولة السورية الشرعية متمثلة بالكتلة الوطنية المؤلفة، في معظم أفرادها، من كبار الملاك السوريين في مختلف المحافظات، بل كانت هذه الطبقة السياسية هي الممثلة للولايات السورية، في نهاية الدولة العثمانية في مجلس المبعوثان (البرلمان العثماني)؛ ومن ثم في الدولة العربية التي استمرت سنتين، بين سقوط الدولة العثمانية والاحتلال الفرنسي، ولتستمر في تمثيل الشعب في فترة الاحتلال، لأسباب عدة منها ضعف معدلات التعليم لدى الطبقات الاجتماعية الأخرى وطبيعة المجتمع الذي يولي أهمية لكبار العائلات وشيوخ العشائر والزعماء، إلى غيرها من الأسباب التي جاء في ذروتها أن القضية المركزية لدى تلك الطبقة الوطنية كانت هي التخلص من الاحتلال الفرنسي؛ وبالتالي لم يكن انقسام المجتمع حيال تلك القضية أفقيًا، وإنما شاقوليًا، فكان هناك الكثير من القوى من مختلف الطبقات والطوائف والعرقيات ضد الاحتلال، وفي مواجهتها أيضًا قوى من تلك الطوائف والعرقيات والطبقات نفسها مع الاحتلال، حسب ما تقتضي المصالح، ولطبيعة اقتصاد الدولة الفرنسي الرأسمالي، فضّلت التعامل مع كبار الملاك لضمان مصالحها في سورية، واستفاد هؤلاء من حيازات كبيرة للأراضي والعقارات التي راحت فرنسا توزعها وتمنح حق ملكيتها لمن يستثمرها، وعلى الرغم من أن القوانين كانت تسلم الأرض أو العقار لمن يعمل فيها ويستثمرها حصرًا؛ لكن كبار الملاك من كبار العائلات الغنية وشيوخ العشائر كانوا يستطيعون، بوسائل مختلفة، أن يعرفوا موعد قدوم اللجان لتسجيل الأراضي، فيأتون بأقربائهم وأتباعهم ليسجلوا تلك الأراضي باسمهم على أساس أنهم من يعمل بها؛ ثم يسيطرون عليها.

شارك في عمليات الحيازة كبارُ العائلات والشخصيات الوطنية التي جابهت الفرنسيين، منذ منتصف الثلاثينيات حتى بداية الأربعينيات مع دخول المكننة الزراعية والاستثمار الرأسمالي في مجال الزراعة، وما نتج عنها من صناعات تحويلية. أثرت هذه الطفرة الاقتصادية في حياة الكثير من الفلاحين بالدرجة الأولى، حيث نشأت مصالح جديدة بين ملاك الحيازات الكبيرة والمستثمرين الكبار الذي وصل بعضهم إلى استثمار ملايين الدولارات في المجال الزراعي والمصرفي والصناعي (مثل عائلة أصفر ونجار ومعمار باشي والحريري وغيرهم)، ونتيجة الحاجة إلى تنظيم العمل واستثمار الأراضي؛ طُرِد الكثير من الفلاحين من بيوتهم وقراهم بعمليات أشبه بالتهجير، بحجة امتلاك تلك القرى من قبل ملاك كبار يرغبون في استثمارها، ولم يكن من الممكن تغيير أو إحداث أي قانون يمنع ذلك، لسيطرة كبار الملاك على البرلمان حينئذ، ولوجود أولوية لصراع سياسي ومجتمعي داخل سورية حول الوجود الفرنسي. بعد الاستقلال باتت إدارة الدولة الوطنية هي الأولوية الرئيسية، وتحول الصراع البرلماني إلى صراع حول المصالح السياسية والاجتماعية المحلية، أي أن البرلمان بات يأخذ دوره الطبيعي.

قبل تلك المرحلة، ومنذ نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات، كانت الطبقات الأقل شأنًا في المجتمع في طور البحث عن معبر سياسي مباشر عنها، مستفيدة من الصعود القومي بالدرجة الأولى الذي ألغى الفوارق الطائفية أو أضعف منها، ورغبة الفرنسيين في تطوير الريف للاستفادة من الاستثمارات الزراعية، وبخاصة في فترات ازدياد الطلب العالمي على محاصيل رئيسية أو باتت رئيسية في سورية مثل القمح والقطن؛ مما أوجد العديد من فرص أفضل للحياة في الريف، فارتفعت معدلات التعليم، وتحسن الوضع المعيشي، ولو بشكل طفيف؛ وبدأت الطبقات “الأدنى” في تنظيم صفوفها وتشكيل تجمعات وحركات سياسية تعبر عنها، وكان أبرزها حركة الشباب، ومن ثم الحزب الاشتراكي العربي الذي سيكون قائده أكرم الحوراني أحد أقوى رجال سورية وأكثرهم تأثيرًا في تركيبتها السياسية طوال عقد الخمسينيات، وكانت أقرب لكونها أول حركة سياسية زراعية في سورية.

بعد الاستقلال، انقسمت الكتلة الوطنية نتيجة خلافات شخصية واختلافات في التوجهات السياسية بين الحزب الوطني المحافظ وحزب الشعب الذي بات أقرب من اليسار، يضاف إلى ذلك الأحزاب الجديدة القومية والاشتراكية التي تشكلت معبرة عن الطبقات “الدنيا”، وكان معظم أعضائها من أبناء الأرياف الذين تلقوا تعليمًا متوسطًا وما فوق، إذ كان المعلمون المتحدرون من الريف يشكلون نسبة كبيرة من أعضاء هذه الأحزاب؛ وبالتالي كان الهم الأول لتلك الأحزاب هو مجابهة الملاك الكبار، وبشكل أكثر عمومًا المدينيين، واستطاعت تلك الأحزاب دخول الحياة السياسية السورية، كان ذلك عبر البرلمان أو مع الجنرالات، وبدأت معركة الخمسينيات على السلطة بين طبقة الملاك الكبار- وكان رأس الحربة فيها الحزب الوطني- والطبقة الزراعية في سورية- وتزعمها طوال عشر سنوات، بين تاريخ الاستقلال في 1948 حتى تاريخ الوحدة 1958، رجلٌ واحد هو أكرم الحوراني-.

أسس الحوراني حركته تحت اسم (حركة الشباب) في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، وسرعان ما توجهت تلك الحركة إلى تبني المسألة الزراعية ومطالب الطبقة الفلاحية المهمشة في سورية، وليشكل الحوراني في ما بعد، وخاصة مع مشاركته في الكفاح المسلح في فلسطين، توجهَ الحركة القومي؛ ومن ثم لينضم بحزبه الاشتراكي العربي الناشئ عن الحركة لحزب البعث العربي، ويشكلان سوية عام 1952 حزبَ البعث العربي الاشتراكي، وكان الصراع قد نشب بين الاشتراكيين والملاك منذ بدايات الأربعينيات، ولم يوفر الحوراني أو خصومه أي طريقة في ذلك الصراع، فقبل مرحلة الانقلابات كان الحوراني يشجع أتباعه على الانضمام في الجيش، ولعب دور مهمًا في الانقلاب الأول بقيادة حسني الزعيم، ومن ثم جاء الانقلاب الثاني بقيادة سامي الحناوي الذي طالب بعودة الحياة البرلمانية، وسلّم السلطة لحزب الشعب المنتخب أساسًا، ولكن أيضًا عاد انقلاب الشيشكلي، وأيضًا كان للحوراني مكان فيه.

مع أن عصر أديب الشيشكلي عانى من هنات عدة، إلا أنه سعى لإرساء عملية تنمية اقتصادية وطنية، بدأت بإنشاء بنك سورية المركزي، وبدأ بعمليات الإصلاح الزراعي من خلال تحديد سقف الملكية، ولكن كانت هناك معضلة أخرى في سورية هي الحيرة بين رغبة في التنمية التي تحتاج إلى كمّ هائل من الأموال وبين الالتزام بالقضايا القومية، وكان لا بد من التخلي عن أحد الأمرين، وقد قرر الشيشكلي حينئذ التخلي عن المواجهة مع “إسرائيل” وتوطين اللاجئين الفلسطينيين، ووقع الاتفاقية المكملة لخط التابلاين، وتوجه إلى الانخراط  في مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط الذي طرحته أميركا حينذاك؛ مقابل وعود أميركية بمساعدة مالية تصل إلى 275 مليون دولار إضافة إلى التسليح؛ مما أبعد الحوراني عنه، ومن ثم جاء الانقلاب الأخير على الشيشكلي ليعيد الحياة البرلمانية إلى سورية، ويعود الصراع ليأخذ شكل الجدل السياسي، وتمكن حزب البعث حينئذ، بمساندة حزب الشعب، من استصدار قانون منع تهجير الفلاحين من أراضي الملاك ومن بيوتهم عام 1955، وكان من أهم القرارت التي منحت الطبقات الأقل شأنا صوتًا عاليًا في البرلمان.

في نهاية الأمر كان امتلاك حيازات كبيرة أمرًا مهمّا للانتقال بالمجتمع من العلاقات الزراعية للعلاقات الصناعية عبر مكننة أكبر للزراعة، وما ينتج عنها من صناعات تحويلية تتطلب معامل كبرى، تنتج بدورها منظمات نقابية مهنية تكون نواة لمجتمع مدني؛ من شأنه، في ظل نظام سياسي ديمقراطي تتناوب على إدراته حكومات اشتراكية وأخرى رأسمالية، خلقُ جدل سياسي يمكنه من خلق بيئة أوفر لتطور وتقدم المجتمع مع الرفع من المستوى المعيشي كما حدث في أوروبا بين الحربَين وبعدهما، لكن جاء جمال عبد الناصر ليقضي على تلك الجدلية وعلى طبقة الملاك والحيازات الكبيرة تمامًا.

في عصر الوحدة، بدأت عمليات الإصلاح الزراعي التي نبذت العديد من كبار المستثمرين السوريين وساهمت في إفلاسهم، وبعد الانفصال ومع قدوم حزب البعث للسلطة، على ضوء انقلاب 1963 الذي بدأ بإخراج أكرم الحوراني والقيادة المدنية للبعث المتمثلة بميشيل عفلق وصلاح البيطار من اللعبة، اتبع البعث العسكري بقيادة للجنة العسكرية سياسة راديكالية متطرفة في عمليات مصادرة الأراضي وتوزيعها، إذ صرّح إبراهيم ماخوس رئيس مكتب الفلاحين في القيادة القطرية لحزب البعث بين عام 1966 و1969 أنه في ستة الأشهر الأخيرة من عام 1969 وزعت أراضي على الفلاحين أكثر من كل سنوات حكم البعث، وعندما وصل الأسد إلى السلطة، استمر في تلك السياسات على الرغم من تقريبه عناصر مدينية من طبقات الملاك ورجال الدين، ولكن في الوقت نفسه عمل على ترييف الجهاز البيروقراطي في الدولة، وفضلًا عن أن العلاقات الاجتماعية في المدن كانت زراعية أيضًا، فنتيجة توجه نظام الأسد لتوظيف البعثيين في المعامل الكبرى للدولة وخاصة من أبناء الريف، فشل المصنع في ترسيخ علاقات إنتاج جديدة في المجتمع السوري، فقد تم إنشاء معظم معامل الدولة الكبرى خارج المدن في الأرياف، وكان عمالها يعدّون العمل فيها ثانويًا إلى جانب اشتغالهم بالأرض؛ ما حافظ على النمط الزراعي العائلي في المجتمع الأهلي، أما المدن فعمل معظم أبنائها في ورشات ومحال ومعامل صغيرة، كان معظمها مؤلفًا من أبناء العائلة الواحدة، وبالتالي كانت الوحدة الإنتاجية أيضًا تشكل نمطًا من أنماط المجتمع الأهلي، ولذلك عندما نشأ حزب مديني معارض للسطلة الأسدية كان يعتمد بنية تقليدية تمثلت في الدّين.

نجح الأسد في مقاومة معارضيه، من خلال تحييد الريف إلى حد بعيد، الذي كان في كثير من أجزائه يشكل قاعدة رئيسة وتاريخية لحزب البعث.

عندما جاء بشار الأسد إلى السلطة مبشرًا بالإصلاح، نفض عن كاهله التزامَ البعث تجاه الطبقة الريفية، وشرع بخلق طبقة مستثمرين جدد يخضعون له ويدينون بولائه، وبعد أن كانت القرى والاتحادات والنقابات الفلاحية هي مركز ثقل البعث؛ بدأ التحول إلى الغرف الصناعية والتجارية، وليس من غير دلالة تدخل الأسد بثقله في انتخابات غرفة صناعة حلب عام 2009 ليضع رئيس غرفتها بعد أن طلب من آخرَين الانسحاب، ولعل ما حصل في الثورة يبين الدور الذي لعبته غرف التجارة والصناعة في سورية للوقوف مع الأسد، في الوقت الذي خرجت فيه الثورة من مناطق الريف في معظمها، ومن المفارقات أن تنطلق الثورة من حوران وتكون دير الزور من أولى المشاركين بها، تلك المدينتين الريفيتين اللتين كانتا قاعدتين تاريخيتين لحزب البعث الذي كان العديد من أعضائه المؤسسين ينتمون إليها، وقد اضطر أتباعهم للبقاء مع الحزب بعد تصفية قادتهم أو طردهم.

من ناحية أخرى، وليعوض الزخم الشعبي الذي يؤمن له أنصارًا في الشوارع وعلى الحواجز وفي صفوف الميليشيات، استبدل بشار الأسد سياسات مناصرة المسألة الزراعية في سورية بعشائر وعائلات ومجموعات، تحترف العمل الإجرامي ونمط العصابات، كما حدث في حلب بشكل خاص.

استغنى بشار الأسد عن القاعدة الريفية الضخمة لحزب البعث في “مسيرة إصلاحه”، من خلال إيقاف العديد من المشاريع الزراعية إلى رفع أسعار المواد الخام المستخدمة في العملية الإنتاجية الزراعية ورفع ضرائب المستوردات اللازمة في عمليات الإنتاج النباتي والحيواني؛ وبالتالي ضرب قاعدته الكبرى بعد أن استغلها الحزب خمسين عامًا في لقمة عيشها وعرق جهدها، فاستغنت عنه ووجهت له غضبها الذي لم يستطع مواجهته إلا بسيول الدم في حاراتها وقراها، فإن كان عموم الشعب انتفض على بشار الأسد، فإن الريف السوري انتفض على الأسد وعلى قيود أحكمها حزب البعث حول عنقه سنين طويلة.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق