قضايا المجتمع

في تجديد الخطاب الديني

ما هو المقصود بتجديد الخطاب الديني؟ أين حدوده من النص؟ وما موقعه من السائد في التفسير والفقه؟ أمران منفصلان، لكنهما متكاملان: تجديد الخطاب الديني، وتجديد الخطاب السياسي الديني.

الأول يتناول فقه الاجتهاد، وفهم النصوص، والتجديد الجوهري للسائد من علم الفقه والتفسير باتجاه جديد، يقوم على أسانيد بعث الاجتهاد، وموقعه في جوهر الخطاب الذي ساد قرونًا، والذي يبدو أنه عملية طويلة، ومتراكبة، وشبه مستحيلة في هذه الظروف، خاصة أن الاجتهاد انقطع، وتقطّع منذ قرون مديدة، بينما لم تتمكن المحاولات المتتالية في تواصل تلك المحاولات ووصولها إلى تقديم البديل. هنا تبدو العملية صيرورة تضافر مجموعة عوامل متراكبة، منها ما يخصّ بلورة مشروع نهضوي، حداثي يقع تجديد الخطاب في صلبه، ومنها ما يتعلق بعمليات مراجعة جوهرية، وكبرى للتراث، وصولًا إلى بلورة برنامج عملٍ ينهض على أسس وصياغات جديدة.

والثاني يخصّ الخطاب السياسي الديني، المستقل نسبيًا عن الأول، ويجب أن يكون متمايزًا عنه، وأكثر راهنية، وإن كانت نتائجه متصلةً بالضرورة بالأول.

ولعل الجانب السياسي، عند تشريحه، وعزله عن العقيدي يسمح لنا بالخوض الجريء في طبيعة ذلك الخطاب السائد دون الخوف من عمليات التكفير، والدخول في متاهات حرمة النص، وقدسيته، أو محاولات إيجاد تفاسير جديدة مغايرة للموجود، وقائمة على أساس منهج حداثي، اجتماعي يفاعل بين المقدس وغاياته، وبين الواقع واحتياجاته.

في بدايات مراحل النهوض القومي، التحرري، وبوحي من الثورات الأوروبية، وتقديم خطاب جديد يركز على الإنسان والحريات الديمقراطية، ويتجه ضد تحالف الكنيسة والإقطاع، وانتشار الأفكار القومية، والمتجددة، عرفت الحالة العربية ولادة تيارات واتجاهات مغايرة للنمط السائد، وللخطاب الديني والسياسي؛ فكانت دعوات الإصلاح، وإرهاصات مرحلة النهوض، محاولات للتغيير الجذري، وردًّا على التخلف المكين الذي تناول الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية، وغيرها.

كانت المقدمات مبشّرة عبر رهط كبير من المفكرين الإسلاميين والعروبيين الذين خطّوا منهجًا جديدًا في التفكير، والخطاب باتجاه الإصلاح الديني الشامل، والسياسي المرتبط به، ومن خلال التوجه إلى داخل السلطنة العثمانية، باعتبارها المظلة الكبرى للعالم الإسلامي، أو الخلافة الإسلامية، ثم عرفت تلك الحركة شيئًا من الاستقلالية حين جوبهت بالقمع، والتتريك، واتجه بعضها إلى صلب مركبات السلطنة، ومحتوى الخلافة وواقعيتها، ومنسوب العدل فيها، وعوامل المرض، ومشروعية الانتفاضات الإصلاحية التي شملت أجزاء كبيرة من المناطق العربية وتلك الخاضعة للسلطنة، واستند معظمها إلى خلفية دينية وسياسية.

كوكبة كبيرة برزت وكتبت في طبائع الاستبداد، وحالة الجمود التي تسيطر على العقل والمفاهيم، ودعوة إلى التجديد الشامل، فكان الكواكبي شعاعًا ينير ظلمات الواقع، ويفضح الاستبداد وشروره، ويدعو إلى “أم القرى” وحدة عربية قائمة على العدل، والحرية، والعروبة، وكانت حركة الأفغاني الأكثر تأصيلًا وأهمية واتساعًا، وتناسقًا، ثم رفيقه محمد عبده، ورشيد رضا، فمجموع أولئك الرواد الدينيين والنهضويين الذين عملوا على تجديد الخطاب، ومنه إلى تجديد واقع السلطنة، ومنحِ الحكم في الإسلام معاني جديدة، فيها الكثير من أفكار عصر الأنوار، وحقوق الإنسان.

شيء يحتاج إلى وقفة معمّقة لمعرفة أسباب فشل تلك المحاولة، وتقطّعها، ثم ما عرفته من تحولات كبرى على يد الإمام حسن البنا ومشروعه السياسي في “قيام جماعة الإخوان المسلمين” التي كانت أهم وأبرز الحركات الدينية، على مدار قرن تقريبًا، والتي عدّت نفسها الوريث والحاوي.

هل يعود السبب إلى قوة السلطات الحاكمة وتمكنها من تطويق واحتواء وتصفية تلك الاتجاهات، أم إلى الاستعمار الذي فكك عرى السلطنة ووزع المنطقة إلى دول وإمارات تشتتت فيها تلك الجهود والمحاولات؟ وتمزقت الدعوات الوحدوية مع فرض اتفاقيات (سايكس-بيكو) ووقوع معظم البلدان العربية تحت السيطرة الاستعمارية؟ أم إلى قوة وواقعية، وراهنية الاتجاهات القومية الحديثة وقدرتها على صياغة شعارات ومهمات مرحلة التحرر الوطني والقومي بحداثية تتناغم ومسار التطور العالمي؟ وقد طرحت نفسها بديلًا شموليًا، ونجحت في استقطاب مروحة واسعة من الفئات الاجتماعية، ومن تغليب السياسي على العقيدي، والقومي على غيره، خصوصًا أن اغتصاب فلسطين ونكبتها بدّل الأولويات، ووضع ذلك الحدث في مقدمة الاهتمامات، بكل تداعياته، ونتائجيته. أم أنه يعود إلى توزع مراكز، وشخصيات وتوجهات أولئك الرواد، ووفاة رائدها الأكبر: الأفغاني محاصرًا، شبه سجين؟ وموقع محاولات محمد عبده، والطهطاوي في التركيز على التعليم وتحديثه، ثم تراجع عدد من الرموز ألإصلاحية نحو مواقع تقليدية: رشيد رضا وغيره. أم أن بنى التخلف المعضدة، بقوة السائد المدعوم بإرث كبير متلاحق، وقوى معارضة للإصلاح والتغيير، وتأييد من السلطات الحاكمة لتلك القوى التقليدية كان له دوره؟

الأكيد أنّ مجموع تلك العوامل البنيوية – التركيبية، والسياسية، والفكرية، والخارجية هو الذي أحدث ذلك القطع، والتلاشي؛ فولادة حركات سياسية أقرب إلى التقليدية منها إلى الحداثية الثورية، ويمكن أن نعدّ أن حركة الإخوان المسلمين وأفرعها، والسلفية، والصوفية والطرقية.. ابنةَ الواقع وإفرازاته، بحدود التعايش وبعض الأطروحات الجديدة التي ظلت أسيرة المواءمة والاستمرارية، وليس التغيير الجذري في الخطاب الديني والسياسي.

لست مختصًا في علم الفقه، وعقائد الحركات الإسلامية التي ظهرت في الربع الأول من القرن الماضي، قبيل وبعيد سقوط السلطنة العثمانية.. لكن المفيد هنا، ونحن نتناول الخطاب الديني السياسي، أن نركّز على المحاور والمفاصل التالية:

1 – كانت المرجعيات الرئيسة لتلك الحركات تقليدية، نصّية، محافظة.

2 – مفهوم الحاكمية بدا شديد التناقض مع أفكار الديمقراطية، والعلمانية، وبالتضاد لها بكل ما تفرّع عن ذلك من توجهات، وصراعات، والتباسات.

3 – ظهرت تلك الحركات وكأنها في مواجهة حركات التحرر والتوحيد القومي، فرفضت فكرة الوحدة العربية، وطرحت مفهومًا فضفاضًا بديلًا: الأمة الإسلامية، في حين كانت سمة العصر هي التوحد القومي، ووحدة السوق في الثورات البرجوازية، والحريات العامة والفردية على قاعدة التعددية، واحترام حقوق الإنسان.

وحين حدثت تلك التحولات باتجاه الاشتراكية والعدالة الاجتماعية؛ تخندقت تلك الحركات في المواقع المعادية لها، وجُرّت إلى التوظيف من قبل الاتجاهات اليمينية والسلطوية لتصبح في مواجهة حركة المجتمع، والحداثة، والتقدم؛ فتشددت بناها التقليدية، وتكوّرت أكثر في أقفاص الماضوية.

4 – قادت هذه الوضعية إلى الغلو أكثر فأكثر باتجاه النص، وتفاسيره المرسّمة، ويمكن اعتبار السيد قطب عنوانًا مهمًا هنا، بكل ما طرحه من أفكار تبدو مغايرة للمؤسس البنا، وبما قاد إلى الصدام مع القوى النهضوية، التحررية، القومية الصاعدة.

5 – إن وجود تنظيم عالمي لجماعة الإخوان المسلمين، وبعض الحركات الأخرى: السلفية والجهادية.. بقدر ما عبّر -نظريًا- عن حلم توحيدي للمسلمين تحت رايات الإسلام، والخلافة الإسلامية، أو حتى الأشكال الجمهورية لها، وأسهم في شيء من التقارب، والتنسيق بين عدد من تلك الأحزاب.. فإنه حدّ من فهم الواقع القطري لكل بلد، وفهم التمايزات والخصوصيات، وأوقع تلك الحركات في أطروحات ملتبسة، وغامضة، وكثيرًا ما أسهم في إحلال العام مكان الخاص.

6 – وعلى الرغم من بعض التطورات التي شهدتها الأحزاب الإسلامية باتجاه التعايش، أو التواؤم مع سمة العصر، خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ومنظومته، ونهاية القطبية، وولادة الأحادية القطبية، ووسم القرن بالديمقراطية نمطَ حياة ونظامًا وعلاقات، وفكرًا وسياسة، ونجاح بعضها: حزب العدالة والتنمية التركي ذي المرجعية الإسلامية، وإلى حدود ما حركة النهضة التونسية، وبعض التطورات في عدد من أحزاب جماعة الإخوان المسلمين: (مصر، سورية، اليمن، ليبيا، العراق) عبر القبول بالنظام التعددي، والعودة إلى الشعب باعتباره مركز السلطات، وليست أي مرجعية أخرى، نقصد هنا ما يحصل من تغيير متناوب – متفاوت في مفهوم الحاكمية، والمرجعية الإسلامية، وفي موقع الدولة الإسلامية من الخطاب الرائج.

إلا أن هذه الحركية -التطورية نسبيًا- لم تصل إلى مستوى جذري، وشامل، فما زال الالتباس في المرجعيات، ومفهوم الدولة المدنية، وموقع الشريعة من التشريع، وطبيعة الدولة التعددية، ومكان العلمانية والحيادية فيها، ومفهوم الإرادة الشعبية، وصندوق الانتخاب، والتداول السلمي على السلطة، وحدود حرية ومكان ومكانة الآخر المختلف، وقضايا كثيرة ما زالت غير واضحة، ويشوبها الغموض، في حين يرى كثيرون أن تلك التغييرات -غير الجذرية- لم تكن نتيجة حركة تطورية بنيوية، بقدر ما هي استجابة لضغوط الواقع، ولتأثير سمات المرحلة، بل حتى التواؤم مع ضغوطات خارجية تدعو إلى اعتدال الخطاب الإسلامي، وإعلان قبوله بالتعددية.

7 – ولأن هذه الحركية لم تأت نتيجة عملية تطور مدروس، وممنهج، ظلّت البنى التقليدية: الفكرية والتنظيمية هي الأقوى؛ لهذا فالقلقلة، والظرفية، والصراعات الداخلية، والانشطارات، والانشقاقات، والتفاوت في الوعي والإيمان بها، ظلت هي الأقوى، وهي التي تتحكم بالمفاصل الفكرية والسياسية لمعظم تلك الحركات، ويجب النظرة دومًا إلى حركة النهضة، وبعض الحركات الإسلامية الجديدة من منظور مختلف في هذا المجال، خاصةً في التطور الأخير الذي شهدته حركة النهضة التونسية في مؤتمرها بفصل الجانب الدعوي عن السياسي، وما يواجهه هذا التطور من تفاعلات داخل النهضة، وفي عموم الحركات الإسلامية.

8 – إن تجديد الخطاب الديني والسياسي بقدر ما هو حيوي في مرحلة ثورات الربيع العربي، والتغييرات الكبرى التي يشهدها عالمنا بقدر ما يشكل تحدّيًا كبيرًا لا يخصّ الحركات السياسية الدينية وحسب، بل مفكري الأمة، والمهتمين بالشأن الديني وموقعه، وتأثيره في حياة البشر، وحركتهم، وخياراتهم. إن نهوض ونجاح هذه العملية التاريخية تستوجّب وجود شروط موضوعية ذاتية لها، وأعتقد أن العديد من المسوّغات متوفرة حاليًا، نظرًا لما لتلك العملية من أهمية في منح الحياة للفكر النهضوي، وفي صياغة مشروع حداثي قابل للحياة.

9 – إن القطع في مسائل الموقف من الديمقراطية، والدولة المدنية، دولة المواطنية التي يتساوى فيها الجميع: نساء ورجالًا، وبمختلف المكونات الدينية والقومية والإثنية والمذهبية وغيرها، وحرية الاعتقاد.. إنما يشكل اليوم مدخلًا واسعًا لولوج عملية تغيير كبرى يجب توفير عواملها، والسير فيها بخطىً منظمة.

وفي هذا المجال، فإن تحديد موقف صريح من العلمانية، وفصل الدين عن الدولة، أو حيادية الدولة تجاه المعتقدات جميعها، وأولها الدين الإسلامي، أمرٌ مطروح بقوة على الإسلاميين جميعهم، بغض النظر عن تحزباتهم، وخلفياتهم الأيديولوجية، ومواقعهم في السلم الاجتماعي، والديني.

لقد فهم الكثير، عبر شطط بعض العلمانيين، أو سطحية وتسطيح أطروحاتهم أن العلمانية مقابل الكفر والزندقة، وأنها معادية -حكمًا- للدين، في حين أنها في جوهرها نمط تفكير وحكم يخصّ الدولة وبنيانها الذي يجب أن يكون حرًا تمامًا تجاه مختلف العقائد والأفكار، وأن تتيح، على قدم المساواة، لها جميعًا حرية الاعتقاد والعمل بأجواء بعيدة عن القمع والمنع، والاحتكار.

10 – إن ادعاء امتلاك الحقيقة، بتوظيف النص الديني؛ يؤدي إلى عملية خلط بين الديني والسياسي، واستغلال الدين لتحقيق مصالح خاصة، وهو منتج للاستبداد الشمولي الذي يتخذ سيف الدين سلاحًا لقطع رقاب أفكار وحقوق الآخرين المخالفين، وفرض نمطية من التفكير تتعارض وألف باء الحرية، والتعددية.

11 – لقد أسقطت التطورات العالمية، وثورات الربيع العربي، الموقعَ المركزي الذي احتلته الأيديولوجيا على مدار قرن تقريبًا، وأبانت أنها مفرخة للشمولية والاستبداد والعصبوية، والتناحر، وأن العمل السياسي، والفكري يجب أن يكون مفتوح الصدر والذهن على أفكار وجهد ومعتقدات الآخرين، وأن الوطن الموحد، والوطن الانتماء، والوطن الجامع والنهضوي، هو الأساس في بناء دولة مستقلة عن شكل الحكم ونظامه الذي يمكن أن يكون تعاقبيًا وفق صناديق الانتخاب، وما يقرره الشعب في انتخابات نزيهة، وأن الإنسان هو الغاية.

12 – نعم يجب، ويمكن تجديد الخطاب الديني، وفصل الجانب العقيدي عن السياسي، والقيام بعملية منهجية لمراجعات شاملة، على أرضية، وبهدف صياغة مشروع نهضوي، حداثي للأمة، يتلاقى وجهد الآخرين من مختلف التلاوين في إرساء دولة الحق والقانون والعدل والمساواة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق