أبحاث ودراسات

المظلومية ونظرية المؤامرة

مَن هو على حق… المظلومية الشيعية، أم المظلومية السنية، أم المظلومية العربية، أم المظلومية الكردية، أم…، أم…؟ كثيرة هي المظلوميات المدّعاة، وأكثر منها تفسيرات نظرية المؤامرة من الجميع، ضد الجميع.

تُسيطر نظرية المؤامرة على العقل الجماعي لكثير من الشعوب، وإن بدرجات مختلفة، وذلك لأسباب تاريخية تشبه الأسباب التي دعت البشر إلى البحث عن آلهة ما بين السماء والأرض، والليل والنهار، إنه السؤال الصعب: “لماذا الألم والظلم؟ لماذا الموت؟”. نظرية المؤامرة هي جواب بسيط وسهل لسؤال صعب عند الإنسان الفرد: “لماذا تسير كل أو غالبية الأشياء ضدي؟”، وهي، بتعميم مبرر، جواب بسيط وسهل عن سؤال صعب عند جماعات البشر المسحوقة: “لماذا نعيش بهذه الحالة المزرية؟”؛ هذه الأسئلة الصعبة وجدت بعض الإجابة في الدين، لكن جواب الدين لم يكن ليكفي لولا وجود “شيطان رجيم” يحمل أوزار كل الشرور، وهنا عدنا إلى أن هذا “الشيطان” متآمر كبير على الإنسان الفرد والجماعة البشرية أمام الإله، وأمام الطموح بحياة أفضل.

المظلومية هي أيضًا شعورٌ إنساني مُبرر فرديًا وجماعيًا، لكنه غالبًا ما يكبح الوعي والإدراك الصحيح، فغالبية الناس، مثلًا، تدّعي أنها ليست في مكانها وزمنها المناسبين، لأن بيئتها تظلمها، أو على الأقل لا تقدرها حق تقديرها، فما أكثر من آذاها من الناس، ومن غدرها وكاد لها! هذه المظلومية أيضًا يمكن تعميمها والصعود بها إلى المستوى الجماعي؛ فكثير من الجماعات البشرية، تعتقد أنها مظلومة ومنقوصة الحقوق. الشعور بالمظلومية الجماعية مبرر، وله أسبابه الموضوعية، فغالبية البشر، عبر التاريخ وإلى يومنا هذا، عاشت مظلومة ماديًا وسياسيًا وسلطويًا واجتماعيًا وطبقيًا، إذ لم تتجاوز نسبة من يملكون تسعين بالمئة من المال والسلطة، في أي مجتمع بشري، الخمسة بالمئة؛ المظلومية الفردية، ولأن جملة مقارنتها هي أفراد آخرين، موضوعٌ أكثر تعقيدًا، وليس مجال بحثنا الآن.

في بلادنا المشبعة حتى التخمة بالتاريخ، المظلومية الجماعية أشد وقعًا وتجذرًا، ما بين ماض بعيد تم رسمه وتصنيعه وأسطرته في المخيال الجماعي، على أنه كان ماضي الأمجاد والقوة والغنى والعدل، وما بين حاضر مليء بكل أنواع المظالم، من الحاكم المستبد، إلى السلطة الفاسدة، إلى التوزيع الجائر والوقح للثروة، إلى ديكتاتورية اجتماعية ودينية، حتى إلى ظلم من قبل الذين يُفترض أنهم نخبة ثقافية وصناع الرأي والوعي العام. الشعور بالمظلومية الجماعية يعود في بلادنا إلى سبب يشترك فيه كل البشر، وهو المقارنة الآنية مع الغير، فنسبة تطبيق حقوق الإنسان، والعدل أمام القانون، والعدل في توزيع الثروة وغيرها أقل بكثير من دول أخرى؛ لكن السبب الثاني الذي يشمل العرب والمسلمين بشكل خاص هو المقارنة مع التاريخ، فالتاريخ في عقولنا وعواطفنا ذو حمل ثقيل ويحتل مساحة كبيرة من أرواحنا وأفكارنا، والمشكلة في التاريخ أنه قابل للقراءة بألف شكل وشكل، ويحمل كل التفسيرات المتناقضة، فهو أداة طيعة عند كل فكرة مسبقة ليثبت أحقيتها؛ فالتاريخ يحمل ما يكفي ليثبت نظرية الشيعي أنه مظلوم منذ يوم سقيفة بني ساعدة إلى اليوم، وكذلك يقدم التاريخ ما يكفي ليثبت نظرية السني أنه لم يظلم أحدًا لكن المتآمرين عليه، هم دهاة الإنس والجان، من يوم عبد الله بن سبأ إلى اليوم، وفي كلا الحالتين، الشيعي والسني يقدمان أنفسهما كممثل ومعبر عن مليارات من البشر عاشوا ويعيشون على هذه الأرض.

في بدايات القرن الماضي انطلقت القومية العربية تريد إعادة أمجاد عدنان وقحطان، ثم تبعتها الإسلامية السنية السياسية تريد إعادة أمجاد الخلافة الإسلامية الخيالية، وفي آخر القرن انطلقت الإسلامية الشيعية السياسية على يد الخميني، تريد الإعداد لمهدي غائب أسطوري؛ وحتى كثير ممن ارتدوا عن هذه الفرق أرادوا إعادة أمجاد البابليين والفينيقيين والفراعنة. وما بين خيال إعادة التاريخ، وهو المستحيل، وبين واقع قاس فقير مستبد، وعالم بات يسير بسرعة هائلة في التقدم العلمي والتقني والرخاء المادي، وتحت حكم مستبدين فاسدين ظالمين، وصراع دولي بات أقرب من كل قرية وإنسان أكثر بكثير مما حصل تاريخيًا بين البشر، تفجرت المظالم بين الناس والمثقفين، وبات الكل ينوح ويبكي أو يصرخ ويغضب أو يقاتل ويحارب تحت شعور ثقيل بالمظلومية، مظلومية لأنه، ودون إرادته، وُلد بهذه القومية وهذا الدين وهذه الطائفة وهذا البلد وهذه المدينة.

هذه المظلومية تلاقت بسهولة مع نظرية المؤامرة المسيطرة على الوعي الشعبي والنخبوي في هذا المنطقة، وبالمقابل وجدت نظرية المؤامرة في ادعاءات المظلومية أكبر سند لها؛ فكانت ثنائية نظرية المؤامرة والمظلومية مثل حبوب المخدرات تنتشر بين الناس، وبكل مستوياتهم الثقافية والعلمية، وعند كل جماعاتهم القومية والدينية والطائفية والقطرية؛ مخدرات لأنها تقدم جوابًا ساذجًا تبسيطيًا لكل جماعة، جوابًا يشكل سدًا منيعًا أمام أي تطوير للوعي بالعالم والواقع والحاضر، وثقلًا هائلًا يمنع التطلع الواعي الموضوعي العلمي للمستقبل؛ إنه الجواب القديم الجديد “إنهم يكرهوننا، ويظلموننا، ويقتلوننا، لأننا نحن مَن نحن”، وفي أحسن أحوال الإجابة النخبوية الثقافية يضيفون قصصًا حول النفط والغاز والموقع الاستراتيجي وفرضية خيالية “تخيل لو أن مئات ملايين العرب أو المسلمين توحدوا، ماذا سيحصل؟”. هذه الإعاقة في فهم العالم وتفسيره أثبتت قوتها مع قصة ضياع فلسطين من سبعين سنة، فلو توصل الفلسطينيون والعرب والمسلمون لفهم العالم كما هو، وآليات الصراع الجيوسياسي، وحركة الزمن والقوة والمال والمصالح؛ لو استطاعوا الإجابة على سبب المشكلة، لكانوا -حُكمًا- قد قطعوا نصف الطريق نحو الحل، لكنهم كما هو ثابت يسيرون، من سيئ إلى أسوء، في معالجة الأزمة الفلسطينية.

في سورية تجمعت كل المظلوميات ونظريات المؤامرة مع وضد بعضها منذ 2011، وما زالت الغالبية السورية الشعبية، بتوجيه النخبة وصناع الرأي العام من كل أطراف الصراع، تسير في تفسيرات المظلومية السنية والشيعية والعلوية والمسيحية والعربية والكردية، وكل فريق يملك في جعبته المئات والآلاف من الأدلة كي يثبت صحة ادعائه كي ينام قرير العين. فحتى خلال سبع سنين عجاف مريرة مليئة بالدم والألم، لم تتراجع هذه التفسيرات بل ازدادت قوة، وازداد معها الوضع السوري سوءًا وتشظيًا وألمًا وغضبًا؛ فأيضًا في سورية عجزت النخبة وصناع الرأي العام، من مشاهير السياسيين والإعلاميين والكتاب ونجوم الفضائيات، عن توجيه الرأي العام السوري نحو عمق الصراع وآلياته، وسبل إنهائه وإنقاذ ما تبقى من وطن. في الواقع هذه النخبة المفروضة على الشارع سارت في طريق ما قدمه النظام العربي الحاكم، بما في ذلك نظام الأسد، وهو طرح التفسير المؤامراتي والاعتماد على منافقة واستغلال شعور غالب بالمظلومية؛ فصعدت أصوات وأقلام كثيرة باسم الدفاع عن السنة أو العلوية أو الشيعة أو العرب أو الأكراد، وانهارت كثير من الأقلام أمام خوفها من طغيان التفسير الفطري الساذج القائم على تفسيرات نظريات المؤامرة والطوائف والأعراق؛ والدليل على ضلال هذا التفسير أن السوريين لم يتقدموا باتجاه أي حل أو بارقة أمل خلال سبع سنين، بالعكس تزداد أوضاعهم سوءًا، وتزداد هيمنة حكومات الدول الفاعلة في سورية على مستقبل سورية.

سؤال أي مظلومية على حق هو بالواقع سؤال مضلل، لكنه ينافق المشاعر الفطرية للجماعات البشرية، بمن فيها السوريون، فواقع التاريخ والحاضر يقول إن كل هذه المظلوميات على حق، في أنها كانت -وما زالت- مظلومة، لكن تجزئة المظلومية العامة السورية، والتركيز على مظلومية فئة منها، واعتبار أن الظالم هو جماعة دينية أو طائفية أو قومية والمظلوم الأوحد هو جماعة أخرى؛ سيؤدي حتمًا إلى زيادة الظلم على الجميع؛ وبهذه الحالة -وهي حالتنا الآن- تتقدم تفسيرات نظرية المؤامرة الكبرى على الجميع، وتدريجيًا لن يبقى حق وباطل، بل باطل فحسب؛ فكل جماعة تفسير مؤامراتي تملك من الدعم الإعلامي والمالي والسياسي وكتائب من “النخبة المثقفة” ما يكفي لحرب لانهائية، مثلما هي حال السنة والشيعة منذ 1400 سنة، فما زالت سقيفة بني ساعدة وعبد الله بن سبأ مستنيخين على سطح صراعات السلطة والقوة والحكومات، وكل فريق يدعي المظلومية لنفسه، وشيطان المؤامرة على الآخر، ولكليهما ما يكفي من حجج وحوادث، وقوافل العامة من الناس تسمع، فتصمت أو تصدق، لكنها بالمحصلة تدفع الثمن من حقوقها ودمها وألمها.

مقالات ذات صلة

إغلاق