أدب وفنون

صحافي المسافات الطويلة

  • الصحافة حين تكون أمام أحد خيارين: الموت وقوفًا أو الموت بـ “الكوما”

جاء كتاب (صحفي المسافات الطويلة) الصادر مؤخرًا عن دار الريس، على شكل حوار بين رياض نجيب الريس وسعاد جروس، كحديث بوح بين جيلين صحفيين، في عالم الصحافة العربية، كنسَ الغبار عن كثير من الأحداث، ورفع الأنقاض عن وقائع كان الريّس فيها شاهدًا وحاضرًا أحيانًا ومشاركًا بعض الأحيان؛ ما شكّل فرصة لاستذكار أشخاص وشخصيات، طوتها ذاكرة تغيرات كبيرة، شهدتها المنطقة العربية عامة والأرض الشامية خاصة.

ضمن شريط الذاكرة الذي استعرضه الكتاب، كان الفن حاضرًا والأدب مشاركًا والصحافة مشاغبةً، والسياسة -دائمًا- الحاضرَ الغائبَ.

صفة “شيخ الكار” التي أطلقها الكتاب على رياض الريس لم تكن للتقريظ،  بقدر ما بدا أن التجربة المهنية للريس أسبغت عليه هذا اللقب، إذ إن ثراء تجربته المستندة إلى غنى ثقافي متنوع تعددت مشاربه، والتآلف بين داخله وباطنه وظاهره؛ أنتج فكرًا ورؤية كلّلا صنعته الصحفية، وجعلا منه نموذجًا للكاتب المحترف الرفيع الذي نجا من فخّ “التناقضات”، بين الأصالة والحداثة والرُجعة والتقدم، وهرب من أزقّة الطوائف حالما انتصبت رايات “ملوك الطوائف”، وقبلها ضاق ذرعًا بحروب الشعارات الحزبية التي لازمتها سياسة العمل بالظل، والاستعانة بالعسكر والانقلابات العسكرية، كوسيلة “للتقدم السريع” رغم هواه “الناصري”، ويبدو هذا في قوله: “ما جعلني أنفر من حزب البعث، وعقلية التآمر وعسكرته لكل شيء، ناهيك عن ضيق الأفق في صراعاتها الحزبية، أني ليس لديّ ثقة بالحالة الحزبية، فما من حزبي عربي إلا وجرى تخوينه أو اتهامه بالعمالة”.

عبّ رياض الريس من الرحيق الثقافي الأوروبي، كي يُغني القمح الشامي، وجسّر التنوع المسيحي الإسلامي فرآه تكاملًا وغنى، جاهر بصراعه مع الإسلام السياسي، وميّزه عن العروبي الذي “يرى الإسلامَ دينًا ومجتمعًا، ولا يراه دينًا ودولةً”. ورأى أن “الصراع معه على السياسة، وليس الصراع مع الدين”.

لا جديد في القول إن رياض الريس سليل بيئة سورية وطنية، كانت في قلب التطورات، من خلال دور والده الصحافي نجيب الريس، في “الكتلة الوطنية” التي قادت العمل السياسي، من أجل استقلال سورية عن الانتداب الفرنسي، وأسست لنمط سياسي وثقافي جديد، وأنشأت جيلًا جديدًا من السياسيين والمثقفين والإداريين، وجد في فكرة الدستور -كقواعد عمل عامة- شرعةً لقيام الدولة التي عبّر عنها ردّ فارس الخوري، عندما كان قائمًا بأعمال وزير الأوقاف، على سؤال الرئيس شكري القوتلي: كيف ستحكم، بالإنجيل أم القرآن؟ فأجاب: “بالدستور، سيادة الرئيس”.

كما وجد ذلك الجيل في صندوق الانتخاب مرجعًا للصراع السياسي بين الأفراد والجماعات والأحزاب، وفي الصحافة، حلبةً للصراع والتنافس، ومنبرًا لإنضاج الأفكار وتمايزها، وجرس إنذار في معارك الاقتصاد والسياسة والأخلاق.

هذه البيئة التي نشأ فيها رياض الريس، حيث تلقى علومه الأولى في مدارس رائدة في المنطقة، عززَت طموحه الحياتي والمهني، ومنحته جرأة التجريب وشغف الاكتشاف، كما عززت قدرته على الانفتاح والخوض في المجتمعات الغربية، مشفوعًا بإحساس عال بالندية.

من “برمّانا” في لبنان إلى “لندن أكاديمي”، ثم جامعة “كمبريدج”، كان الطريق إلى عالم الثقافة والفكر والحداثة الخصبة؛ ليختبرها في المجتمع والحياة اليومية السياسية والاقتصادية، في البرلمان والمقاهي والمسارح ودور السينما ومقار الصحف.

هذا الكتاب طرح سؤال “هل تصنع الحرية صناعة؟” وهو السؤال الذي قلما توقفت عنده النقاشات والدراسات الباحثة في مفهوم الحرية والمبشرة بها، ولا سيما علاقة الحرية مع بناء الدولة، وأهميتها في وضع الحقوق العامة والخاصة وحمايتها.

إذ ظلّت فكرة الحرية ضمن النسق الفكري والثقافي العربي، كحالة تعبويّة سياسية، لها بنية رمزية متوهّجة، كنسق فلسفي صوفي، تفتقر إلى أركان البنيان الاجتماعي الواقعي، على الرغم من المآسي المتواصلة التي عاشتها شعوب حوض الشام، تحت نير الاستبداد، من دون أن ينفي ذلك أثر الفرسان “المغامرين” والنبلاء “المتصوّفين” الذين كانوا أمناء على فكرة انتزاع الحرية؛ بمعنى صناعتها محليًا. ذلك الأثر الذي خلفته موجات متتالية من الفرسان الذين اختاروا التضحية بالدم والمال، ووضعوا بذلك المدماك الأول لخلق مناخات الحرية، ومن خلال مؤسسات أدواتها الفكر والثقافة. تجربة رياض الريس ومسافاته الطويلة التي سارها في حقلَي الصحافة والنشر، نموذجٌ في صناعة الحرية؛ إذ كانت بوصلة عمله ومغامراته وطموحاته (حرية التعبير)، باعتبارها المدخل إلى جميع القضايا العامة، الغاية منها حسب رؤيته “إشاعة روح المبادرة والابتكار والتمرّد، والبحث عن الأصيل وعدم الاستكانة لما هو مهيمن ومألوف”. فحرية التعبير هي “التلاقي والتضاد معًا”. وإذا صح القول، فإن تجربة مجلة (الناقد) كانت مصنعًا لإنتاج وتطوير مفهوم حرية التعبير، وتحويلها من حالة صوفية إلى اختبار عملي، لتصادم الأفكار عبر طرحها للجدل والنقاش في ساحات مفتوحة. ومجلة (الناقد) -كما قدمت هي نفسها- “مجلة ثقافية مستقلة تُعنى بالكاتب ونقد الكتب، وتقف ضد كل ما يهدف إلى ضبط الخيال، باسم التقدمية، ولجم الفكر باسم المقدسات، ومراقبة الأقلام والأشخاص باسم الوطنية”.

نمت مجلة (الناقد)، وقبلها مجلة (المنار)، ضمن هذا الثالوث المحرم، وتبعهما تجربة (النقاد)؛ فكانت الثالثة والأخيرة التي قدمت نفسها على أنها: “ليست من نوع الصحافة الصفراء، ولكنها -أيضًا- ليست صحافة رسولية، تعنى بكل ما هو غير مألوف”. ومن مهماتها “تحريك المستنقع الثقافي.. الذي تميّز بالسطحية والبلادة”، وكذلك نقد المثقفين إذ إنّ “عالم المثقفين مثل عالم الفنانين؛ لديهم شبق الأضواء والشهرة.. وطموحهم أن يكونوا خدمًا للسلطة.. ويتمنون الحصول على كسرة خبز، حبًا في السلطة لا في الخبر”.

لم تكن تجربة دار رياض الريس للكتب والنشر، خارج السياق الذي عمل فيه، فهي -كذلك- “تعنى بإبداع الكاتب وحرية الكتاب، في جو من حرية التعبير عن الرأي، مهما كانت اتجاهاته السياسية أو ميوله العقائدية.. والنشر للكتّاب العرب، وموضوعات عربية حصرًا، مع الاهتمام بشكل الكتاب ورفع مستواه الفني إلى مصافّ الكتب الغربية”.

لقد كانت خيارات الريس، في عالم الصحافة والنشر، خياراتُ السير “عكس السير” في المنطقة العربية التي ترسخت فيها حراسة حدود الكيانات، في مناخ نمط وحيد لوظائف السلطة، يلغي وظائف السلطات الأخرى، بما فيها السلطة الرابعة التي آمن وعمل فيها ولها الريّس، ليجد نفسه -دائمًا- في مواجهة تحالف السطحية مع البلادة، ممثلة بمقص الرقيب وابتزاز الممولين، ليكون الخيار الأصعب “الموت وقوفًا، بدل الموت بالكوما”.

مقالات ذات صلة

إغلاق