قضايا المجتمع

سامحونا إنْ قصّرنا في الدفاع عنكم

 الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير في سورية لم يكن سهلًا، بل كان شاقًا ومضنيًا، ولا أبالغ إن قلت إنّ من يدخل محكمة الإرهاب -مثلًا- كمن “يدخل عش الدبابير”، لا يعرف من أين تأتيه اللسعة، حيث إن ظروف العمل في محكمة الإرهاب تحديدًا كانت بالغة السوء، بدءًا من طريقة الدخول المذلّة إليها، والانتظار والوقوف الطويل الممل والمتعب، في سرداب المحكمة الضيق الذي لا يتجاوز عرضه مترًا ونصف، مرورًا بالبحث المضني عن أسماء المعتقلين، من بين آلاف الأسماء في السجلات المبعثرة على الطاولات، فضلًا عن سماع كلمات نابية من عناصر الأمن والشرطة تحذّر من الوقوف أمام مكاتب القضاة، أو الاقتراب من المعتقلين، والويل والثبور لمن يفتح جواله أو يحاول التحدث مع معتقل، وكان أكثر ما يزعجنا هو اضطرارنا لاستخدام مراحيض المحكمة المتسخة، حيث كانت تنبعث منها رائحة نتنة، تزكم الأنوف .. و. إلخ.

 أُنشئت محكمة الإرهاب، بالقانون رقم 22 لعام 2012، كالتفاف على مطلب إلغاء محكمة الدولة العليا، وبدأت العمل في شهر تشرين الأول من العام نفسه، في المقر ذاته الذي كانت تشغله محكمة أمن الدولة العليا، في الطابق الأرضي لوزارة العدل، قبل أن تُلغى في شهر نيسان/ أبريل 2011، علمًا أن المكان في الأساس لم يكن مؤهلًا مقرًّا لمحكمة، فالمكان يضيق بالموظفين والقضاة وعناصر الأمن، أمّا مكان التوقيف “النظارة” فكان الوضع فيه مزريًا؛ بسبب حشر الموقوفين فيها حشرًا كعلب السردين تحت الأرض، والروائح النتنة والكريهة المنبعثة منها، لا يمكن تحمّلها حتى للحظات.

  تبدأ المعاناة عند الباب الخارجي المؤدي إلى المحكمة على أوتوستراد المزة، حيث كنّا نضطر إلى الوقوف طويلًا أمام الباب تحت حرِّ الشمس أو برد الشتاء والمطر، قبل أن يتم بناء مظلة بعد ثلاث سنوات، وبعد أن يأذن عنصر الأمن بالدخول، نقف مجددًا في الطابور أمام غرفة صغيرة، بداخلها عناصر من الأمن تتولى تسجيل أسماء الداخلين إلى المحكمة والخارجين منها، وقبل الدخول إلى بهو المحكمة لا بد من المرور عبر جهاز الكشف الذي يتولى حراسته عنصر أمن مدجج بالسلاح، يجري كل ذلك دون أي احترام لصفة محام.

  ندخل إلى مكاتب المحكمة من خلال سرداب طويل، على جانبيه مكاتب القضاة والموظفين وعناصر الأمن، وإذا ما انقطعت الكهرباء -وما أكثر أن تنقطع- فإن الظلام يسود المكان، حيث يصطدم المحامون بعضهم ببعض، ومع الموظفين وعناصر الأمن في السرداب الضيق.. قبل أن يتوزعوا على دواوين التحقيق والنيابة، كلّ حسب اهتمامه، وهنا تبدأ معاناة جديدة  في البحث عن أسماء الموقوفين كالبحث عن إبرةٍ في كومة قشٍ، والحظ يبتسم لمن يمسكَ بالسجّل أولًا فحسب، حيث يتجمّعُ حوله المحامون، وكل واحد يريد أن يمسك بالسجلّ للبحث عن اسم موكله، هذا الأمر يتكرر حدوثه يوميًا في دواوين النيابة والتحقيق ومحكمة الجنايات، وما ينتج من ذلك من ضغوط نفسية وتوتر عصبي وآلام في الظهر والرجلين؛ نتيجة الوقوف الطويل والانحناء المتكرر لفترات طويلة، (وقد حدث أن تعرضتُ في العام 2014 إلى كسر جهدي في مشط القدم أبعدني شهرين عن المحكمة؛ اضطررت حينئذ للذهاب إلى بيروت للمعالجة) وفي هذه المرحلة كل ما كان يُسمح للمحامي هو معرفة رقم ملف المعتقل، وإلى أي قاض تمت إحالته فحسب.

  وعندما يصل الملف إلى أحد قضاة التحقيق، فإن مرحلة جديدة من المعاناة تبدأ مع الانتظار الطويل أمام مكتب القاضي للحصول على إذن بالدخول لمراجعته وإبراز سند التوكيل وضمّه للملف؛ ومن ثم الحصول على موعد الاستجواب، ولا يستطيع المحامي هنا الاطلاع على الملف قبل الاستجواب، بل عليه أن يتنظر أيامًا حتى يُسمح له بالاطلاع على ملف القضية، وإذا ما وافق القاضي على طلب المحامي بالاطلاع، فإن الوقت المخصص له لا يتعدى خمس دقائق. يضاف إلى ما سبق معاناة تقديم طلبات إخلاء السبيل أو المذكرات التوضيحية التي يضطر المحامي إلى الوقوف أمام باب مكتب القاضي والانتظار طويلًا حتى يُسمح له بتقديم ما يريد من طلبات؛ وكثيرًا ما كان يُستجوَب المتهمون في غياب محاميهم.

  وفي حال قرّر قاضي التحقيق اتهام الموقوف وإحالته إلى محكمة جنايات الإرهاب -وهو ما يحصل غالبًا- فإن مرحلة أخرى من العذاب تبدأ مع اضطرار المحامي إلى البحث مجددًا عن اسم موكله ورقم ملفه وموعد الجلسة في ديوان المحكمة الضيق الذي لا يتسع لأكثر من خمسة أشخاص، وتحت رقابة أمنية مباشرة وكاميرات تراقب كل زاوية في المحكمة، وفي يوم موعد الجلسة يُضطّر المحامي للانتظار طويلًا حتى يقرر رئيس المحكمة افتتاح الجلسة (القرار مزاجي) دون أن يجرؤ المحامي على الاعتراض. فتارة يقررّ القاضي بدء الجلسة في مكتبه خلافًا لقواعد أصول المحاكمات التي تفرض أن تكون الجلسة علنية في قاعة المحكمة وليس في مكتبه، وتارة أخرى يقرر عقدها في القاعة المخصصة للمحاكمات التي ينتشر فيها عناصر أمن يحبسون أنفاس الحاضرين حتى الهمس ممنوع، بينما يُحشر أكثر من عشرين موقوفًا في سرداب جانبي لا يتعدى عرضه مترًا بطول خمسة أمتار.

  يبدأ رئيس المحكمة الجلسةَ باستجواب المتهمين، بطريقة أقرب إلى الاستجواب الأمني تدلُّ على انحيازه الفاضح ضد المتهم، والجلسة لكلِّ متهم لا تستغرق أكثر من خمس دقائق، لا يُسمحُ فيها للمحامي بالحديث إلا نادرًا، ثم تؤجل الجلسة إلى موعد آخر، وكثيرًا ما تؤجل عدة مرات ولفترات طويلة نسبيًا.. كما لا يُسمحُ للمحامي بالاطلاع على ملف القضية إلا بشق النفس، وغالبًا لا يتمكن المحامي من الإحاطة بملف القضية؛ نظرًا لضيق الوقت الذي يخصصُ له للاطلاع على أوراق القضية. ويُمنع المحامي أيضًا من تصوير أي ورقة من الملف، خلافًا لما هو منصوصٌ عليه في القانون.

   وكنّا نتعرّض يوميًا في المحكمة لسماع الكثير من الإهانات حتى من آذني القضاة؛ فنضطر إلى ابتلاعها والتزام الصمت، وأحيانًا كنتً أبادر شخصيًا للاعتذار، حتى لا ينعكس سلبًا على دفاعي عن المعتقلين. ففي إحدى المرات كنتُ أنتظر أن ينادي الشرطي على اسم “ميلاد أبا زيد” الذي لا أعرفه شخصيًا، وهو الذي أُشيع أنه تمت تصفيته في المعتقل، وبعد أن سمعتُ صوت الشرطي ينادي على اسمه، اقتربتُ منه بينما الشرطي يقوده بسرعة الى مكتب القاضي، وقلتُ له: “ميلاد، لا تخف، معك المحامي ميشال شماس، لا تخف، خليك شجاع وأنكر أقوالك الأمنية”، غَضِبَ الشرطي وأخذ يصيح عليّ “يا أستاذ ممنوع تحكي معه مانك شايف كاميرات المراقبة؟” ثم أدخل ميلاد بعصبية إلى مكتب القاضي، ليخرج بعد قليل ويقول لي: “القاضي يريدك يا أستاذ”، دخلتُ إلى مكتب القاضي الذي بدا منزعجًا، وبدأ يُسمعني كلامًا نابيًا فاعتذرت منه، لكنه قال لي إن “ميلاد” موقوف بسببك، وطلب من الشرطي أن ينزله للنظارة، عندها توسلت إلى القاضي بألاّ يفعل، وطلبتُ منه أن يوقفني بدلًا منه، بينما بدا ميلاد خائفًا ومرعوبًا، وقال للقاضي إنني لا أعرف هذا المحامي، وهو ليس وكيلي.. وبعد أن شرحتُ للقاضي أنني لم أقصد تحدّي المحكمة، وإنما فقط طمأنة ميلاد بأنه ليس وحده، وكررت اعتذاري له أكثر من مرة، عندها تراجع القاضي عن قراره وأطلق سراح ميلاد. شكرتُ القاضي، بعد أن أكّدتُ له أنني لن أعيدها مرة ثانية.

  هذا غيضٌ مِنْ فيضٌ، ممّا كنّا نعانيه في محكمة الإرهاب، فكم من المرّات استُجوب موكلون لي دون أن أعلم بموعد استجوابهم، حيث يُستحضَرون دون أن أُبلّغ بموعد استجوابهم، وحتى عندما يُحضَرون إلى سرداب المحكمة لا نستطيع التعرف عليهم، لأنه ببساطة ممنوع علينا التحدث معهم أو حتى السؤال عن أسمائهم. هذا الأمر حصل معي، ومع كثير من المحامين طوال السنوات الأربعة الأولى من عمل المحكمة، هذا عدا عن عوائق الطريق والمفاجآت غير المتوقعة على الحواجز المنتشرة على طول الطريق من البيت إلى المحكمة.

 باختصار شديد، كنتُ أعودُ من المحكمة يوميًا، ورأسي يكاد ينفجر ورجليّ لا تقويان على حملي، وظهري يؤلمني، وكانت الكوابيس تلاحقني حتى في نومي؛ نتيجة ما كان يحدث معي أحيانًا في المحكمة، ولشعوري بالذنب أحيانًا أخرى نتيجة عجزي عن مساعدة هذا المعتقل أو تلك المعتقلة، استيقظ على أثرها منهكًا، وكأنني عدتُ لتوي من المحكمة، يضاف إليها معاناة الرد على مكالمات أهالي المعتقلين ورسائلهم الكثيرة التي تردني يوميًا على صفحتي في (فيسبوك)، كل ذلك على حساب راحتي وراحة عائلتي التي أهملتها طوال عملي في محكمة الإرهاب.

ولا يسعني في النهاية إلا التماس العذر من المعتقلات والمعتقلين، ممن شعروا أنني قد قصرّت بحقهم، وأطلب عفوهم، فلم يكن قصدي إلا مساعدتهم والتخفيف عن آلامهم، وأعدهم أنني سأبقى ملتزمًا في الدفاع عن قضيتهم حتى يتم تبيض كافة السجون والمعتقلات في بلادي. والمسامح كريم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق