هموم ثقافية

فن التعذيب أو “التشريح السياسي” للجسد

 

  • “البصماتُ العشرُ على مستويين من الجدار:

محاولةٌ حمراء فاشلة للنهوض.

وفي الأفق اللا مرئيّ طائرٌ يغني

حتى اللعنة”

القصيدة الكارثية:

“كمّاشات، أسواط، أسياخ، عصي، حبال، طمّاشات، خطّافات، مكنات عملاقة بدائية، عيون بلا ضوء، ضوء خارج حدود الممكن، بروق متعددة الألوان، أذرع بشرية على بكرات، السلاسل الجنزيرية ذاتها، من آخر غروب حتى انهمار التراب الشمسيّ مطفأً بتصدعات الأنفاس البشرية، عيون مهروسة، شاخصة بلا استغاثة، خالية من أي تضرّع، إلى أفق بلا معنى، الجمالُ الوحشيّ تُظهرهُ -أخيرًا- قصيدةٌ كارثية فقدت حبالها الصوتية، صفائح موسيقا الضغط تسحق الغيم الجسدي، مدحلة تدور، فم ضخم معدّ للهرس، ليل مسنّن، عدم يتفغّر، سلسلة من ماء، جسد عائم، والطيران حكمةٌ في متناول اليد! من يقطع السلسلة، من ينقذ الجسد من غيمهِ. الصراخ يصبح له الآن أجنحة”

“نحن. تقنيو الألم، خبراء الفظاعة، مدمنو الصراخ وطقوس العتمة المضاءة جيدًا، مالكو الوقت، كل الوقت، ملوك الأوقات الخارجة من التقاويم، اللا مرئيون، اختصاصيو الجسد ومروضو الروح، لسنا الوحيدين لكننا الأقسى. أدواتنا بسيطة كالنار والماء، تجاربنا عميقةٌ كعمق السر في الرؤوس المفتوحة المنزوعة الأظافر. يدعوننا: جلادين، سفاحين، سجانين، ساديين، راقصين على الأشلاء، ليليين، وأكثر. لكننا فنانون، فنانو تعذيب وآلاتيين، نعزف لحن الدم والبصاق وتفتّق الجِلد على نغمات الجَلد. أشعلوا الأنوار، انفخوا في الصور، استدعوا الموتى، ستبدأ الحفلة، ونفتح الأجساد كعلب السردين، سنخلص الجسد من سرّهِ، ونذهب إلى النوم”

التعذيب: تعسّف اللغة

مرة أخرى، نحن إزاء اصطفاف أفقي للكلمات، وربطٍ غير عادل واتساع في إمكانية اللغة، دون تدخل من اللغة ذاتها، لمنع ارتباط بين مفردات غير قابلة للتلاؤم، قلبيًا أو فكريًا أو عمليًا. هذا الربط يدلل على قدرة اللغة وحياديتها وآلياتها الخاصة في الربط والتجاور والاصطلاح. إنه تبرير للغة بقدر ما هو إدانة لها.

إن مصطلح “فن التعذيب” لا يمكننا أن نتقبله لغويًا إلا بوصفه سخرية مرة. و “حفلة تعذيب” لا تتمتع بالصفة الاحتفالية إلا في مخيلة المعذِّبين أنفسهم. إنه احتفال مخيلة مريضة، منتقِمة، حاقدة ومصممة على انتهاك الجسد والروح الجسدية للمعذَّب.

فن التعذيب: آلية إنتاج الألم. ذلك أن ما يقوم به الجلادون لا يتركز إلا على إنتاج مركبات معقَّدة، بمستويات متعددة من الألم في جسد المعذَّب، وجعل الجسد ينتج آلامًا ويخزنها. إن غايته تفتيت الجسد وتحقيق انفصالات غير محتمَلة في الوعي الجسدي، إنه عنف مركَّب يجعل من الألم وعيش توقعهِ، مادته الأساسية، بأذية جسدية ونفسية ذات استمرارية طويلة.

التعذيب: الاستهلاك السياسي

يحظى المعتقلون على خلفية اختلافهم السياسي والفكري، بحصة الأسد من هذا العنف، وتكون غاية التعذيب ليست تحويل اعتقادهم أو “إصلاحهم” سياسيًا، بقدر ما هي انتقامًا منهم على جرأتهم أو مطالبتهم بتغيير سياسات وأنظمة أو انتقادها؛ لذلك تبدو جلسات التعذيب -ولا سيما في المراحل الأولى للاعتقال- كأنها مجانية بلا هدف، سوى التعذيب من أجل التعذيب. إن تحطيم الإرادة والدفاعات الجسدية والنفسية لدى المعتَقل، تتم بشكل طويل وبطيء ومستمر، ذلك أن فترات اعتقال المعارضين السياسيين، غالبًا ما تكون مفتوحة بلا نهاية ولا محاكمة، وكأن غايتها هي التغييب، على المستوى الجسدي والفكري، والتخلص من أشخاص يحملون مرضًا فكريًا معديًا. إن فكرة الحجْر الفكري تحتل مركزًا جوهريًا في منظومة الاعتقال؛ ومن ثم يأتي التعذيب متممًا لسلب الحرية. والتعذيب من هذه الوجهة هو نفي الفاعلية لدى الشخص المعتقل، وتفريغ سياسي للمجتمع من أفراد “خطرين” مختلفين، قادرين على تعكير الأجواء السياسية! ذلك سينتج مجتمعًا سياسيًا أفقيًا، بلا عمق، وبلون واحد وانضباط قسريّ؛ مجتمعًا مستهلَكًا سياسيًا وفكريًا، ومستهلِكًا اجتماعيًا واقتصاديًا. مجتمع نقص الفاعلية.

التعذيب: المنهج والأدوات

غاية أي نظام قضائي هي تحقيق العدالة. تغدو هذه المسلمة نكتة رخيصة في المعتقلات، وتبدو هاتان الكلمتان: قضاء وعدالة، مخزيتين جدًا، عندما يتعلق الأمر بالتعذيب. فإحقاق الحق شيء لا وجود له، والانتهاك المدروس للجسد يجعل من العدالة مصطلح في الجهة الأخرى من العالم أو خارج حدوده.

الاعتقال التعسفي، إلغاء الحريات، التحطيم المدروس للجسد، التغييب لفترات طويلة جدًا، اللامحاكمات. تشكل هذه الأدوات منهجًا موحَّدًا في التعذيب. إلا أن هذا المنهج يقوم، رغم لا منطقيته، بإنتاج منطقه الخاص غير الخاضع لتراتبية قضائية تقليدية: قاض/ متهم، لكن سوف يكون هناك صيغة مبتكرة وموطنة: جلاد/ سجين. هذه الصيغة هي الدائرة التي تدور فيها القضية. وتصبح المعتقلات جزرًا معزولة ضمن المجتمع، خارج الحياة، ولها قانونها الخاص الاعتباطي الفجائي الذي لا يمت لأي قانون بأي صلة، إلا ما تفرضه الأوامر العسكرية ورغبات السجان المعلولة. لا ضمانات، الانتهاك مفتوح، حتى الموت.

مقالات ذات صلة

إغلاق