سورية الآن

أزمة قطر مع جيرانها

واقع قطر الجيوسياسي وصعودها كلاعب إقليمي

قطر دولة صغيرة محصورة بين نقيضين إقليميين: السعودية وإيران، وقدر الدول من هذا النوع هو إما أن تتحول إلى تابع يدور في فلك أحد جيرانه، كما هو الحال بالنسبة إلى البحرين كـ “مملكة” منزوعة القرار لصالح الرياض، أو أنها ستسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع محيطها، ونسج تحالفات مع قوى خارجية لضمان أمنها واستقلاليتها.

ليست حالة قطر بعيدة عن تلك التي وجدت فيها كوريا الجنوبية نفسها بحكم الواقع الجغرافي والتاريخي، إذ لم يغب عن صانع القرار في سيؤول -حين يعمل على رسم السياسة الخارجية للدولة- ثقل الإذلال التاريخي الذي ألحقته اليابان بشعبه، خصوصًا عندما غزت شبه الجزيرة الكورية، نهاية العقد الأول من القرن المنصرم، ويدرك أيضًا أن الصين لطالما لجأت عبر التاريخ إلى تنصيب حكومات تابعة في ذلك المكان من العالم، كدولة عازلة في مواجهة غزو ياباني محتمل، وذلك عدا عن التهديدات المستمرة من جارتها الكورية الشمالية، مع العلم أن تقسيم كوريا إلى دولتين، شمالية وجنوبية، هو إرث الحرب الباردة ونتيجة للصراع عليها.

لقد دفع ذلك المأزق الجغرافي الأزلي والمستمر الدولةَ الكورية الجنوبية، إلى التحالف عسكريًا مع الأميركيين، والسعي باتجاه حلف أمني ثلاثي يضم واشنطن وطوكيو وسيؤول، وذلك بعد صعود قوة العملاق الصيني عسكريًا واقتصاديًا، وفي الوقت نفسه، يحافظ البيت الأزرق -مقر الرئاسة الكورية الجنوبية- على علاقات اقتصادية مزدهرة مع بكين.

في الشرق الأوسط، وفرت اكتشافاتُ الغاز في منتصف تسعينيات القرن الماضي، لقطر -الإمارة الفقيرة حينئذ- ثروة طائلة ورخاء اقتصاديًا منحها القدرة على لعب دور إقليمي يتجاوز حجمها وموقعها الجغرافيين وواقعها الديموغرافي أيضًا. في المقابل، تنظر المملكة العربية السعودية إلى دول مجلس التعاون الخليجي كساحتها الخلفية وتسعى فيه لفرض هيمنتها سياسيًا وأمنيًا، وهو ما تسبب بتوترات مع غير دولة خليجية منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي، ولعل أبرزها الخلافات مع عُمان وقطر، وحتى الإمارات حين توترت العلاقات بين الدولتين في خلاف على استضافة مقر المصرف المركزي الخليجي قبل ما يقارب ثمانية سنوات من الآن، ومن الجدير بالذكر أن الأخيرتين ليستا على توافق تام في ما يخص الحرب الدائرة في اليمن ومستقبله، وهو ما ينثر البذور لشقاق قادم محتمل.

وكما في مثال كورية الجنوبية، عمدت قطر، في إطار سعيها لانتهاج سياسة خارجية مستقلة، إلى التوازن في علاقاتها، وتفادي طهران والرياض، وتأتي استضافة قطر للقاعدة الجوية الأميركية في “العديد” في سياق ضمان أمنها من شتى التهديدات العسكرية، وركنًا راسخًا يعزز علاقتها مع واشنطن.

    لمحة عن استراتيجية قطر

بنت قطر استراتيجيتها بعيدة المدى في المنطقة على فرضية أن المستقبل سيحمل معه رياح التغيير التي ستطيح بالدكتاتوريات القديمة في المنطقة، وعلى هذا الأساس عملت الدوحة، وقبل انطلاق قطار الربيع العربي عام 2011 على تعزيز صلاتها مع بدائل محتملين وأضداد سياسيين، كقوى الإسلام السياسي ممثلة بجماعة الإخوان المسلمين وقوى أخرى ليبرالية عربية، وذلك في مسعى للاستثمار في صداقات تنسحب على كامل الطيف السياسي المستقبلي، وبهدف تأمين نفوذ وتأثير إقليميين على حساب جيرانها.

لم يكن المشروع القطري حينئذ –وفي مرحلة ما قبل الربيع العربي- بعيدًا عن رؤية دوائر القرار ومراكز الأبحاث الأميركية للمنطقة التي اعتقدت أن الإسلام السياسي بنموذجه التركي يوفر بديلًا ملائمًا لأنظمة الحكم في المنطقة، بديلًا قادرًا على احتواء التشدد والإرهاب المتطرف، وحرمان الأخير من بعض الذرائع التي يستغلها لحشد أنصاره.

لقد شهدت العلاقات الأميركية – القطرية تطورًا ملحوظًا في تلك المرحلة، لكن ذلك الدفء ما لبث أن انقلب جليدًا، وذلك بعد فشل التجربة الإخوانية في حكم مصر، وتوجه حزب العدالة والتنمية في تركيا بزعامة رجب طيب أردوغان إلى سياسية أكثر راديكالية وتشددًا، وتنامي قوة الإرهاب المتطرف وتهديده للمصالح الأميركية، كما في حادثة اغتيال السفير الأميركي في بنغازي، كنتيجة لغياب الاستقرار وتراجع سلطة الدولة المركزية في دول مثل ليبيا وسورية والعراق.

    علاقات قطر مع جوارها قبل وبعد الربيع العربي

لطالما نظرت دول كالسعودية والإمارات إلى المشروع القطري في المنطقة بعين ملؤها الشك والريبة، فمن جهة ترى الدولتان في الإسلام السياسي تهديدًا من الممكن أن يُقوّض شرعية الأنظمة الحاكمة فيهما، أما الخطاب الليبرالي الديمقراطي، وإن كان أقل جاذبية للشعبين السعودي والإماراتي، لكنه أيضًا يُساهم بالترويج لفكرة تسلم السلطة عبر صناديق الاقتراع، ومن الممكن لها أن تهدد استقرار الأنظمة في كلٍّ من أبو ظبي والرياض.

سخّرت قطر ماكينتها الإعلامية ممثلة بقناة (الجزيرة)، في مرحلة ما قبل 2011، للاستئثار بقلوب الشارع العربي، والتزمت موقفًا معاديًا لـ “إسرائيل”؛ جعلها أكثر قربًا من المحور الإيراني، في مقابل علاقات باردة مع جيرانها العرب للأسباب التي سبق أن أشرنا إليها، لكن الدولتين وجدتا نفسيهما على طرفي نقيض بمجرد أن ضربت أمواج الربيع العربي الشواطئ السورية، فقد انحازت الدوحة إلى جانب المعارضة السورية، واعتبرت طهران أن انهيار نظام الحكم القائم في دمشق يضع نهاية لطموحاتها، ويتسبب بتراجع خطير لنفوذها الإقليمي.

كنتيجة لذلك، تراجعت العلاقات بين الدوحة وطهران بشكل كبير، دون أن تنهار كليًا لأسباب جيوساسية تتعلق بموقع قطر على خارطة الشرق الأوسط، شأنها بذلك -أي قطر- كشأن أنقرة التي لا تزال علاقاتها التجارية مع طهران مزدهرة، وكذلك العلاقات الكويتية والعمانية مع إيران، وما تزال دولة الإمارات العربية المتحدة حتى اليوم مستمرة في علاقاتها التجارية التاريخية مع طهران، والتي شكّلت إحدى الرئات التي تنفس من خلالها الاقتصادُ الإيراني في مرحلة العقوبات الدولية التي فُرضت عليه في مرحلة سابقة.

يمكن القول إن الربيع العربي قد وتّر العلاقات بين الدوحة وطهران، وصبّ الزيت على النار في علاقة قطر مع كل من العربية السعودية والإمارات المتحدة، وقد بدا تضارب المصالح جليًا في دعم الأخيرتين لانقلاب السيسي في مصر؛ الانقلاب الذي أدى إلى تقويض النفوذ القطري المستجد في ذلك الحين في علاقتها وتحالفها مع نظام الحكم في الدولة العربية الأكثر مركزية والقوة الإقليمية المحورية، كما أن أزمة عام 2014 في الخليج قد كشفت عن مدى التوتر التي بلغته العلاقات مع الدوحة حين سُحِب السفراء منها.

    الأزمة في عهد ترامب

اليوم، وبعد وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحكم، تهب رياح عاصفة وعنيفة في مواجهة السفينة القطرية، رياح شجعت كلًا من الرياض وأبو ظبي على تصعيد خطير وغير مسبوق في العلاقات الخليجية – الخليجية، بحيث تتضاءل أمامه أزمة عام 2014، إذا ما قورنت بالتطورات الراهنة.

يدعم ترامب، الذي لا تعنيه ملفات كالديمقراطية وحقوق الإنسان، أنظمةً يقودها ما يعرف بـ “الرجل القوي”، وغالبًا ما يكون دكتاتورًا عسكريًا كالسيسي وسلفه حسني مبارك في مصر، وهو ما يصب تمامًا في المصالح السعودية الإمارتية ويتوافق مع رؤيتها لأنظمة الحكم في المنطقة، وذلك لكبح رياح التغيير وردع التهديد التي تمثله لأنظمة الحكم في كلتا الدولتين، كما أن عداء الأخير للإسلام والذي وجد ترجمته سياسيًا في سعي ترامب لإدراج الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب، جعل كلا من الرياض وأبو ظبي حلفاء طبيعيين يتمتعون بوفرة مالية، كانت كفيلة بإغراء سيد البيت الأبيض عبر عقود بمئات المليارات من الدولارات.

        خيارات الدوحة

أمنيًا، لا يبدو أن القاعدة الأميركية الجوية في العديد باتت كافية لتهدئة هواجس الدوحة من جيرانها، سواء من جهة الشرق أو الغرب، فعلى الرغم من أن البيان الذي أصدره البنتاغون، وبدا أنه صيغ بطريقة تهدف إلى طمأنه قطر، فإن الانقسام في إدارة ترامب -بين موقف صقوري ضد الدوحة يمثله الرئيس ومقربوه، ومركز ثقل له يد طولى في رسم الاستراتيجية الأميركية تمثله وزارتي الدفاع والخارجية- قد دفع بتركيا الحليف القطري الأقوى في المنطقة إلى التسريع في الإجراءات البرلمانية للموافقة على نشر جنودها على الأراضي القطرية.

من الصعب أن تقبل قطر بالتخلي عن استقلاليتها ومشروعها وتتحول إلى “بحرين” أخرى وتُعلن السمع والطاعة للرياض، كما أنه من الصعب أن تتقارب مع طهران، لأن لذلك كلفته السياسية التي تهدد المكانة القطرية على المستوى العربي، باعتبار أن طهران باتت مكروهة لدى الطيف الأوسع من شعوب المنطقة.

إن الرعونة التي تمّت بها الحملة الأخيرة على قطر، والتي وضعت لبناتها الأولى في لقاء ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن آذار/ مارس الماضي، حين رمى الأمير السعودي بكل من الإخوان والقاعدة في سلة واحدة، خلقت صدعًا غير محسوب العواقب، خصوصًا أن تطمينات البنتاغون، واستعجال تركيا برلمانها لإقرار نشر قواتها في قطر، وتصريحات غير مسؤول سعودي وإماراتي، وغيرهم من القوى الكبرى في الغرب والشرق، وما تم تداوله في المحطات الإعلامية الممولة من أبو ظبي والرياض، يوحي بتكبير مُفتعل للمشكلة.

لا يبدو أن من شن هذه الحملة ضد قطر يملك استراتيجية خروج أو يرغب برأب هذا الصدع، أو أن الدوحة في وارد الإذعان والتخلي عن استقلاليتها، والخشية أن تذهب الأمور باتجاه تصعيد غير محمود، على الرغم من توفر بعض المؤشرات التي تشير إلى أن جهودًا يتم بذلها باتجاه التهدئة.

ألم يكن من الحكمة المحافظة على شعرة معاوية مع قطر، بما يضمن المضي في سياسات احتواء إيران، وما في ذلك من خير للمنطقة واستقرارها؟ وهل تعي الرياض أن عليها أن تبني استراتيجية بعيدة المدى، لا تكون عرضة لتقلبات عنيفة تهدم ما سبق وتضر بالمملكة وبالمنطقة أيضًا؟ ثم الأهم والأخطر، هل تحتمل المنطقة تشكّل محاور جديدة مليئة بالتناقضات والخلافات؟ فيما يستمر الطاغية بشار الأسد بقضم الأرض السورية وبقتل وتهجير الشعب السوري؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق