مقالات الرأي

رأس المال الاجتماعي

الأسس المعرفية والأخلاقية لإنتاجه وتداوله وإنفاقه

رأس المال الاجتماعي، بأوجز تعريف، هو “صورة الحياة الاجتماعية”، في لحظة تاريخية معطاة، على اعتبار المجتمع الكلي نسيجًا تاريخيًا من علاقات متبادلة بين الأفراد والجماعات أو المجتمعات الصغيرة، ذات مضامين معرفية وأخلاقية وثقافية واقتصادية وسياسية، وما تنتجه هذه العلاقات من شبكات وتنظيمات ومؤسسات، وما يحكم هذه وتلك من مبادئ وقيم اجتماعية (خاصة) ومبادئ وقيم إنسانية (عامة). هذه كلها تحدد علاقة المجتمع المعني بغيره من المجتمعات، ومدى تأثره بها وتأثيره فيها.

لعل امتياز رأس المال الاجتماعي أداةً للتحليل، يكمن في معاينة “المعطيات الأولية الحساسة”، (العلاقات الاجتماعية)، واستشفاف ممكناتها، المادية والأخلاقية، وفقًا لشروطها الموضوعية المتغيرة، فيقدم، في كل مرة، صورة حية عن الحياة الاجتماعية، على الصعيدين الجزئي والكلي، لا تخضع لأي نموذج أو تصميم مسبق، سوى ما تحمله هي ذاتها من نظم لا تتوفر إلا على ثبات نسبي.

القاعدة المعرفية – الأخلاقية التي يتأسس عليها مفهوم رأس المال الاجتماعي هي التذاوت، بما هو علاقة/ علاقات جدلية مركبة ومتغيرة بين ذوات (ج. ذات) حرة ومستقلة كيانيًا استقلالًا نسبيًا، تتجلى حريتها واستقلالها في الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية والجدارة والاستحقاق، وفي الثقة المتبادلة، والتعاون، والتشارك الحر في الشؤون العامة وفي حياة الدولة.

ذلك، لأن عامَّ المجتمع السوري، وأي مجتمع، إنسانٌ، ومفرده إنسانٌ، حسب إلياس مرقص أيضًا، إذ الفرد الإنساني، الأنثى والذكر، المرأة والرجل، هو أو هي النموذج الكامل للإنسان، ومن ثم؛ فإن الحياة العامة للأفراد والجماعات هي حياتهم النوعية أو الإنسانية، بل هي حياهم الأخلاقية التي تتعين بموجبها العلاقة الجدلية والتاريخية بين الذات والهوية، ويتعين معنى المساواة المشروطة بالحرية وحدودها. وتغدو الهوية مقولة اجتماعية ذات مضمون ثقافي وأخلاقي. الترجمة السياسية والقانونية لهذا النموذج الكامل للإنسان هو المواطن أو المواطِنة. هكذا، فقط، نصل إلى مفاهيم الفضاء العام والشأن العام والمصلحة العامة، وتتأسس فكرتا الدولة والمجتمع وطنيًا وإنسانيًا.

تكمن أهمية رأس المال الاجتماعي المعرفية في كونه أداة تحليل مركبة؛ تمكن الباحثين من قياس مدى التواصل أو التفاصل بين الأفراد والجماعات، نوعيًا وكميًا، واكتشاف العوامل التي تؤدي إلى هذا أو ذاك، وتعيين الإمكانات الفعلية للاندماج أو التفكك الاجتماعي، والمحتوى الأخلاقي للتنافس أو التدافع، وأثر هذا كله في التنمية الإنسانية الشاملة، بما هي المعنى العميق للتقدم. كما تكمن أهميته الأخلاقية في المبادئ التي يتأسس عليها، ومن أهمها:

1 –  اعتبار الحياة الإنسانية مبدأً، ومدى تحسين شروطها المادية والمعنوية باطراد معيارًا للسياسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وهذه ميزة رأس المال الاجتماعي على غيره من أدوات التحليل، ومداخل التفسير والتأويل.

2 – اعتبار حقوق الإنسان (حقوق الذكور والإناث، وحقوق الرجال والنساء) هي التي تؤسس حقوق المواطن/ ــة.

3 – الرهان على الممكنات الأخلاقية للأفراد، والأسر، والتنظيمات الاجتماعية والسياسية، والمؤسسات الخاصة والعامة، في تجديد المعرفة والثقافة، من طريق الحوار بين أنداد متكافئين ومتكافئات، وبناء جسور الثقة والتعاون، والتوصل إلى عقد اجتماعي، قوامه المساواة والحرية والعدالة، على اعتبار الحياة العامة (الإنسانية)، للأفراد والجماعات، في مقابل حيواتهم الخاصة، هي “الحياة الأخلاقية” التي تحيل في وقت واحد على المجتمع والدولة، وعلى العلاقة الجدلية بينهما.

4 – إعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية العامة، كالثقة والتعاون والاعتدال والتضامن والتشارك الحر.. في مواجهة الميول الوضعانية والرؤى التجزيئية التي تفصل المعرفة عن الأخلاق، ولا تهتم بالبطانة الأخلاقية للتشريعات والقوانين، وفي مواجهة النزعات السينسكية (الكلبية)، التي طغت على الحياة الأخلاقية، قبل الحرب الدائرة، وتمادت في أثنائها.

5 – إقامة الحد على الهويات التفاصلية والتفاضلية، “الهويات القاتلة”؛ لأن نمو رأس المال الاجتماعي العام يؤدي بالضرورة إلى تشكل هوية وطنية جامعة، مؤسسة على المبادئ والقيم المشتركة والمصالح المشتركة، وهي قوام المصلحة الوطنية العامة التي تلجم إمكانات الغلو والتطرف، في الهويات الفرعية التي لا سبيل إلى حذفها.

6 – كما تكمن أهميته الأخلاقية في اعتبار التواصل الاجتماعي والإنساني، والتشارك الحر مبدأين أساسيين من مبادئ الاجتماع الحديث، وحاكمين على التنافس بين الأفراد والجماعات، في مختلف المجالات، وحدين على الاحتكار، بصفته أسوأ أشكال التطرف.

7 – وفي هذا السياق، نميل إلى تقدير الأثر الإيجابي لرأس المال الاجتماعي في سيرورة التحول إلى الديمقراطية، أي إلى المجتمع الديمقراطي، والديمقراطية الاجتماعية.

8 – كما نميل إلى تقدير آثاره في تعظيم المنافع المادية والمعنوية الشخصية والخاصة والعامة، وزيادة مردودية العمل والإنتاج الاجتماعي وتقليل تكلفته، سواء في مجالات التعاون بين الأقارب والجيران والأصدقاء.. أو في مجال الشركات المساهمة، المحدودة أو المغفلة، والقروض الدوارة وأشكال الائتمان الأخرى، وشبكات الحماية الاجتماعية.

إن دراسة متأنية وموضوعية لرأس المال الاجتماعي في سورية، قبل عام 2011، كالتي قام بها المركز السوري لبحوث السياسات[1]، تقدم صورة حية عن الحياة الاجتماعية السورية، وما أصابها من جفاف وتشقق، تحولا في أثناء الحرب العبثية إلى تفكك وتفسح، لم تنج منهما لا البنى الاجتماعية ولا البنى الاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية، ولا المؤسسات.

العامل الرئيس في هذه السيرورة الانحدارية، سيرورة الانحطاط العام، ومآلاتها الكارثية هو “تدهور الشرط الإنساني، بوجه عام والشرط النسوي، بوجه خاص”. وقد عبر عن ذلك أبلغ تعبير وأدقه كل من مصطفى حجازي، في كتابيه: “الإنسان المقهور” و”الإنسان المهدور”، وممدوح عدوان في كتابه: “حيونة الإنسان”. وليس من أداة تحليل أكثر نجاعة، حتى الآن، من “رأس المال الاجتماعي”، لوصف هذه السيرورة، وتحليلها، والكشف عن عواملها، واتجاه حركتها، واستشفاف ممكناتها، وفقًا لمضامينه ومحدداته وعلاقاته الجدلية بكل من رأس المال المعرفي والثقافي والرمزي ورأس المال المادي، والمؤشرات التي يمكن أن تبنى عليه، وهي مؤشرات مشتقة من “المعطيات الأولية الحساسة” (العلاقات الاجتماعية)، وما تنطوي عليه بنيتها الجدلية والديناميكية من نظم ونماذج، تؤسس الفضاء العام والحياة الأخلاقية (المجتمع والدولة) أو تنخرهما وتفككهما، وتعين معنى الهوية، وحدود المساواة، وإمكان تشكل هوية وطنية، تتراجح فيها الروح الإنسانية والنزعات العنصرية تراجحًا يفضي إما إلى هوية وطنية متوازنة وتواصلية، قوامها حريات وحقوق متساوية، وفرص متكافئة وتشارك حر بين مواطنين أحرار ومواطنات حرَّات.. وإما إلى هوية مضطربة وتفاصلية تزعزعها هويات فرعية أصولية ومتطرفة.

لقد تعرض رأس المال الاجتماعي في سورية إلى تدهور خطير، تجلى في تفكك الروابط والشبكات الاجتماعية نتيجة للاستقتطاب الحاد على محاور القوى المتصارعة موالاةً ومعارضةً، وانتشار شتى أنواع العصبيات الدينية والمذهبية والقومية والعرقية والأيديولوجية. كما تراجعت الثقة المجتمعية إلى مستويات متدنية في جميع مضامينها، سواء على مستوى الثقة بين الأفراد أو على صعيد الثقة بالمؤسسات، أو على مستوى الشعور بالأمان الذي عززته ظواهر الخطف والاعتقال والاختفاء القسري والاغتصاب وتفشي الجريمة، من سرقة وقتل ونهب واستغلال الأطفال والنساء وتصاعد الأعمال القتالية؛ وانعكس ذلك في اختلاف الأفراد والجماعات على القيم والمعايير المشتركة والرؤى المستقبلية على المستويين، المحلي والوطني، وتردت مكانة المرأة ومشاركتها في الحياة الاجتماعية، مقارنة بما كانت عليه أوضاعها قبل الحرب. ترافق ذلك مع تدهور حاد في رأس المال البشري على مستويات الصحة التعليم والتأهيل وبناء القدرات، وتراجع مستوى المعيشة الذي تأثر بتصاعد العنف وشيوع الفوضى وجنون الأسعار، خلال سنوات النزاع الطويلة.

وإذ تصنَّف العلاقات الاجتماعية القائمة والممكنة ثلاثة أصناف: علاقات رابطة وعلاقات تجسيرية أو عابرة لحدود البنى التقليدية، وعلاقات واصلة، هي علاقات المواطنة المتساوية، فإن العلاقات الاجتماعية والروابط والشبكات والقيم التي تحكمها، هي رأس المال الاجتماعي الذي يؤثر بالضرورة في اتجاهات نمو المجتمع المدني، وفي بنى الانتظامات والمنظمات والمؤسسات ووظائفها وآليات اشتغالها، ويتأثر بها، ويسهم في تشكُّل فضاء عام مشترك.

وفي ضوء ذلك، يصنف رأس المال الاجتماعي صنفين: رأس مال متحقق بالفعل، يربط أفراد الجماعات التقليدية، كالعائلات الممتدة والعشائر والجماعات الإثنية – المذهبية، ويحافظ على تماسكها، ويعزز تمايزها، ورأس مال متجدد يؤدي إلى نمو هذه البنى وتطورها، وقد يؤدي إلى تفكيكها أيضًا. ولكنه، بخلاف رأس المال المادي، ينمو ويتراكم بنسبة إنفاقه أو تصريفه. وهذا فارق جوهري، لأن رأس المال الاجتماعي يمكن أن يفضي إلى الحد من الاستغلال والظلم والقهر، وتقليص الفجوات الفاصلة بين الفئات الاجتماعية، بتجادله مع أشكال رأس المال الأخرى، وارتكازه على واقع الاعتماد المتبادل، وحل التعارضات الاجتماعية سلميًا، وإسهامه في التنمية الإنسانية. ويمكن أن يسهم في تعميق التحولات الاجتماعية، في أفق التمدن، وترسيخها وفقًا لمبادئ المساواة والحرية والعدالة وقيمها الإنسانية.

[1] – راجع/ي، التصدع الاجتماعي في سوريا، المركز السوري لبحوث السياسات، على الرابط: http://scpr-syria.org/publications-

مقالات ذات صلة

إغلاق