أدب وفنون

إلى أمجد ناصر ونهاياته الجارحة

منذ كنا كاملين إلا من نقصنا فينا، كنا نقرأ كثيرًا كي نغيّر جهة السماء، ونكتب كي نبعد هذي الأرض قليلًا عن مداراتها، وكم كانت تجتاحنا تلك النشوة الطاعنة بالدهشة، حين يتجرأ كتاب على زلزلة جدراننا التي تعبنا كثيرًا كي نعمرها، وكي نعلق عليها صورنا المحفورة بإطارات نافرة.

من هذه الزلازل دخلت عالم أمجد ناصر، منذ كنت أصغر من اليوم بنحو عشرين سقوطًا، وهناك وعلى جانب “الطريق إلى مقهى آخر”، مجموعته الشعرية الأولى، لمحت شاعرًا يرتدي قلمًا حادًا، وروحًا وعرة، ويرمي على قصائده أوشحة بلون التمرد الأرجواني.

في البدء، اعتقدت أن أمجد ناصر فلسطيني المولد، مثلما هو فلسطيني الجرح والحلم، وكنت حينئذ صغيرة على السقوط الكامل في الشعر، وكبيرة على نبوءة البراءة، لكني حملت معي بعضًا من أوشحته، إلى كل المقاهي البعيدة التي كنت أهرب من الذهاب إليها، لكني وفي النهايات التي لا تنتهي، عدت وذهبت.

وكنت، ولفترة طويلة، كلما اشتقت للدهشة أفتش عن الجديد لدرويش، ولا أدري لماذا يعبر اسم “أمجد ناصر” باتجاه جبال بدوية وعرة كانت تسكنني أينما حللت.

عاد أمجد وباغتني في “الصعود إلى جلعاد” الذي وجدته في مكتبة قريبة من ياسمينٍ دمشقي يجرح العابر بأظافره البيضاء؛ فيسيل فيه حليب القصائد. لم يكتفِ ذاك البدوي “أمجد” بالزلازل التي يثيرها، بل رمى على الطريق التي تفضي إلي، عباءة من شعر بري له جرأة رائحة القهوة البدوية، ونهاياته كنهاية طعمها الجارح.

من “سر من رآك” إلى “حياة كسرد متقطع”، كانت حدة قهوة أمجد ناصر تتحول إلى مزيج لاذع من الشعر والنثر، ومن كليهما في كليهما، وكان طعم النار التي حمصتها، يسكن في قعر الروح، ويعيد تشكيل صلصال جدراننا الهشة فينا من جديد.

كبرنا في المسافة بين أرض العبارة الزرقاء وسماء المعني التي لم يُكتشف بعد اسم للونها. كبرنا وكبرت بنا غربتنا عنا، كبرت جدراننا وصغرت صورنا عليها، وكنا نلوذ بالشعر كي نصل إلى أنفسنا سالمين.

كبرنا، وكان يجب أن نكبر أقل، كي يبقى الشجر أخضرًا بين الأصابع.

كبرنا نحن -السوريين- وربيّنا أحلامنا جيدًا وأطعمناها دمنا، فطالت أغصانها فوق حدود الزنازين. كبرنا وضاقت بنا البلاد، وضقنا بسكاكينها وهي تجز عنق الأحلام الصغيرة، وصدّقنا أننا قادرون على الصراخ، وصدّقنا أن الكلمة والصوت ستفتّح لنا عشبًا يطلع من بين العيون والقلوب، وكنا مثل الشعر، نعتلي دمنا كي نصل إلى حريتنا، وكنا نصهل حين نموت كما أراد لنا نبضنا، لكن صوت الأمهات وهنّ يزغردن للشهيد كان أكثر واقعية من الشعر، وكان أكثر وجعًا من الزغرودة الكاذبة، والمسافة بين صوت الطائرات، وبين وصول القذيقة للأرض، كانت أطول من كل مقايس الانتظار، وأقصر من أن تؤجّل طفلة موتها خمس دقائق فقط، كي تكمل تمشيط شعر لعبتها الجميلة.

كبرنا نحن -السوريين- ومذ بدأ مهرجان موتنا الفاخر، جاء صوت “أمجد ناصر”، الأردني البدوي الجميل، الشاعر الذي حملتُ معي نهاياته الجارحة، جاء ليحمل معنا دمنا، وليكون من أول الذين آمنوا بحقنا بحصة صغيرة من الهواء، ومن أول الشعراء العرب الذين صرخوا بوجه اغتيال العبارة في معناها. كبرنا، ومتنا كثيرًا، ورحلنا كالفلسطيني عن موتنا فينا، ولكننا لم نستطع التعود على الرحيل، فالرحيل في القصائد موجع كناجٍ وحيد من المجزرة.

اليوم، وأنا الآن هنا في مدريد، أسير في شوارع لها رائحة تشي بي، أحف قلبي على كل حجر، أنا السورية الطاعنة بحزني، أنا الدمشقية أدخل الآن أندلسي لاجئة، هاربة من موت كان يتربص بها في كل شهقة نفس، أنا الشاعرة الماضية باتجاه قلبها، تحمل عيون كل الشهداء، وتحرس الغزالات التي كانت ترعى عشب الكلام.

اليوم وأنا أحاول أن أتقن الإسبانية، كي أترجم لها ألوان دمائنا، ورائحة المطر فوق قبور الأطفال الراحلين، اليوم يباغتني في مكتبة لها وجه مكتبة دمشق الياسمينية الأظافر، يباغتني اسم “أمجد ناصر” على مجموعة شعرية مترجمة للإسبانية، تحمل عنوان “وداع غرناطة”، وأعرف أنها ترجمة لمجموعته “مرتقى الأنفاس”، ترجمها أحمد العبدلاوى وماريا أنطونيا ريكاس، وبمقدمة من خوان جويستلو، وأقرأ عليها: “يجيد أمجد ناصر النظرة الجانبية لحبكة الأحداث عبر التفاصيل المعبرة، من دون الوقوع أبدًا في تلك النبرة الرثائية للفردوس المفقود”.

اليوم يقف قلبي هنا على رؤوس أصابعه، فقد قرأت هذه القصيدة منذ ثمانِ سنوات، وقرأتني أكثر مما أحتمل أن يقرأني أحد، وحينها عشش بي خوف مجهول عميق ونادر، كأني كنت كما القصيدة، أرصد هوامش انكسار أبي عبد الله الصغير، وانكسارنا القادم، وكأني كنت أسكن في زفرة حسرته الأخيرة، أو كأني سكنت -من يومها- في ما كتبه أمجد. لأعرف أني الغريبة التي ستصل بلا ماضٍ وبلا مستقبل وعلى آخر نفس؛ “آه خفَّتى/ لقد وصل الغريب/ بلا بارحة أو غد/ وصل الغريب/ على آخر نفس”.

اليوم، أعيد قراءة أمجد بالإسبانية والعربية، وأعرف أني أحمل معي موتي وضياعي وفقدي، إلى كل الطرق التي سأعبرها، وأني سأبقى أنادي على الشهداء أن لا يذهبوا للموت وحدهم، وأن ينتظروا شعبًا كاملًا عليه أن يجرب كل ما جمعه الطغاة من طرق للموت، من أجل يوم ثورته هذا؛ “لن نعرف كم غفونا هناك تحت ظلال رموشنا، وكم دارت بنا الأرض في كتب تداولها مقتنون عديدون، لكننا رجعنا أخفّ ما نكون، ولم نجد من تركناهم على الأبراج، يصدّون رياحًا من سبع جهات”.

مذ قرأت مرتقى أنفاس “أمجد ناصر” عرفت أنه مرتقانا الذي ينتظرنا في سنوات النزوح والضياع، والفقدان. نعم، لقد أصابنا “أمجد ناصر” مرتين في القلب، مرة حين كتب “الوجع الذي يحيل الطفولة ذكرى” منذ سنوات عديدة، ومرة حين نقرأه اليوم مترجما للإسبانية، ويخبرنا بأنّا كنا نائمين وأنه على “دراهمنا أثر للنوم”. ولعل ما يتركه أمجد فينا هو ذلك النزف الخفي الذي يبتعد كل البعد عن الشعاراتية، وعن المباشرة الفارغة، بل على العكس، هو اصطياده الدائم لتفاصيل في الزمان والمكان، تؤسس لبناء شعري حياتي عميق وواسع، غني بالدهشة الطيبة الممتعة، وبالحزن الشفيف الطازج، وكعادته -دائمًا- يلعب مع الحياة لعبته مع الشعر، يعطيه المجازات، كي يستريح قليلًا من المعنى، ثم، وكعادته، يصدم القارئ والشعر نفسه، بنهاياته المباغتة، وبمخالب شعريته الجارحة.

مقالات ذات صلة

إغلاق