تحقيقات وتقارير سياسية

ما يفعله النظام في منطقة الغاب – المنطقة المحرمة

يبلغ طول سهل الغاب نحو ثمانين كيلو متًرا، وعرضه يتراوح بين 8 و12 كيلو مترًا بين جبال الزاوية شرقًا، وجبال العلويين غربًا، ويعدّ من السهول المهمة في سورية، ومن أخصب أراضيها مع وفرة المياه ومعدلات الأمطار المرتفعة. وتزرع فيه كثير من المزروعات الاستراتيجية (قطن وقمح وشعير وشمندر سكري إضافة إلى الخضروات بأنواعها). كانت حصة العائلة 25 دونمًا حين وُزِّعَت الأرض على الفلاحين في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، بعد انتهاء مشروع تجفيف الغاب الذي بدأه أديب الشيشكلي عام 1952، ونفذ بمساعدة من البنك الدولي، وشاركت فيه شركات أجنبية ألمانية وإيطالية.

بعد سيطرة حزب البعث على السلطة في انقلاب 8 آذار/ مارس 1963، طبق تجربة فاشلة للجمعيات التعاونية، وقد فشلت فشلًا ذريعًا نتيجة سوء الإدارة والفساد الذي شمل مناحي الحياة كافة ومنها الزراعية. وبعد ثلاثة أجيال توارثت 25 دونمًا، أصبحت حصة الفرد بضع دونمات، وأحيانًا أقل من دونم واحد. وعلى الرغم من إمكان النمو الكبير جدًا لم تمنح دولة البعث/ الأسد أي اهتمام لمنطقة الغاب، ولم تهتم بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل اهتمت بالنهب والسلب، ولم تسعَ لإقامة أي منشأة للعمل اعتمادًا على الإنتاج الزراعي أو الحيواني الوفير في الغاب، ولم تنشئ حتى معمل ألبان مثلًا. وبسبب الفقر الناتج عن هذا الواقع اضطر كثير من السكان إلى الهجرة للعمل في لبنان أو في الساحل أو في المدن السورية المختلفة، وتحولت هذه القرى إلى مصدّرٍ للعمالة من الرجال والنساء.

يخترق سهل الغاب ثلاث خطوط مواصلات؛ طريق متاخمة لجبل الزاوية من الشرق من السقيلبية إلى جسر الشعور، ومن الغرب متاخمة لجبال العلويين من سلحب إلى جسر الشعور، وفي الوسط من السقيلبية عبر قرى الحرة والكريم والأشرفية وقبر فضة والرملة والرصيف والعزيزية والتمانعة والجيد والدراية فجسر التونة، حيث تلتقي الطريق الشرقية في قرية تل واسط.

أقام النظام حاجزًا ترابيًا بارتفاع 10 أمتار على الطريق الوسط فاصلًا القرى العلوية عن القرى السنية، ودمر القرى السنية كلها على طرفيها تدميرًا كاملًا، ونهب الشبيحة البيوت التي قصفت ودُمِّرت ونهبت حتى حديد التسليح من حطامها وخشبها… إلخ (قرى الكريم وقبر فضة والرملة والتمانعة). وقد نشأت منطقة تنحصر بين الحاجز الترابي غربًا وقناة الري (وتدعى قناة الألمان لأن شركة ألمانية قد شقتها حين تنفيذ مشروع تجفيف الغاب في خمسينيات القرن الماضي) شرقًا بمساحة 11 ألف دونمًا من دون زراعة. ويتعرض من يحاول العمل فيها إلى القنص من الحواجز التي أقيمت على طول الساتر الترابي لتبقى هذه المنطقة بورًا طوال العام، وقد نمت بها الأعشاب الضارة وأصبحت عرضة للحرائق في أثناء فصل الجفاف، وتمتد نيرانها إلى المناطق المزروعة وتسبب أضرارًا وخسارات كبيرة، ويقوم رؤساء الحواجز بتأجير (تضمين) هذه المساحة لأصحاب الأغنام القادمة من البادية. مثلًا في إحدى السنين الأخيرة أُجِّرت للشيخ أحمد درويش أحد شيوخ بني عز وقائد من قواد الشبيحة لدى النظام.

 تبلغ مساحة الأراضي غير المزروعة في الغاب، وضمنها هذه المنطقة المحرومة 35 ألف دونم، لا يستطيع أصحابها زراعتها، وزادت هذه الحالة من معاناة أهل الغاب الفقراء، إضافة إلى عمليات الابتزاز الدائم لهم على الحواجز التي تصل إلى حد “التشليح” والإهانة، ومع هذا الظلم الذي يمارسه شبيحة النظام كله، هناك ممارسات تدل على متانة النسيج السوري العظيم، ففي المناطق المتداخلة يتواصل السكان من الطرفين، ويساعدون بعضهم لزراعة أراضيهم. هذا باختصار واقع المنطقة الوسطى من الغاب التي يمنع فيها تجول الناس منعًا مقصودًا، ويمنع انتفاعهم بأراضيهم انتقامًا منهم لاشتراكهم في ثورة الشعب السوري المباركة، إضافة إلى عمليات القصف المتكررة من الحواجز والطيران السوري والروسي الذي حول الغاب إلى منطقة منكوبة مع أن الغاب كان مثالًا للحياة الطيبة والعيش المشترك.

الطريق الخرافية

تبعد بلدة قلعة المضيق وهي آخر نقاط سيطرة المعارضة عن مدينة السقيلبية، وهي آخر نقاط سيطرة النظام، نحو 4 كم على الطريق العام، لكن بعد قيام الثورة أغلق النظام هذه الطريق، واعتمد طريقًا زراعية أخرى طولها 1.5 كم، تبدأ من السقيلبية، وتمتد إلى تل باقللو باتجاه قلعة المضيق. ووضع على هذه الطريق عشرة حواجز هي:

حاجز شرطة السير، وحاجز الدفاع المدني، وحاجز الترفيق، حاجز الأمن السياسي (يوجد غالبًا في أول كل شهر)، وحاجز الأمن العسكري، وحاجز المخابرات الجوية، وحاجز الفرقة الرابعة الأول، وحاجز الفرقة الرابعة الثاني، وحاجز الفرقة الرابعة الثالث، وحاجز باقللو. وعناصر هذه الحواجز جميعهم من لون مذهبي معين، وهي حواجز لفرض الأتاوات والنهب.

فصائل المعارضة هي الأخرى لها حاجز أيضًا، ويتقاضى رسومًا على البضائع المتجهة من مناطق سيطرة المعارضة إلى مناطق سيطرة النظام وحدها الأقصى 3000 ليرة سورية على الشحنة، وتدفع بإيصال رسمي توزع لأسر شهداء الثورة، بحسب ما يقوله من يتقاضى هذه الرسوم. ولا يبعد حاجز المعارضة هذا عن حواجز النظام سوى 500 م، وقد أصبحت هذه الطريق بمنزلة ممرٍ دوليٍ يربط مناطق سيطرة النظام بمناطق سيطرة المعارضة وبتركيا، وتمر منه البضائع بقاطرات يوميًا من دون أن تفتح، ويسيطر على هذه الطريق جماعة وئام وهاب مع الممثل السوري محسن غازي (نائب رئيس نقابة الفنانين وعضو مجلس شعب سابق). والله يعلم ما هو نوع البضائع التي تحتويها هذه المقطورات. وتعد الطريق معبرًا للخضار والبضائع التي تأتي من تركيا والغاب الشمالي إلى مدينة مناطق سيطرة النظام في الغاب، وكذلك نقطة عبور الخضار والحمضيات والفواكه التي تأتي من الساحل، وتتجه إلى مناطق سيطرة المعارضة. وتتعرض السيارات التي تنقل البضائع بالاتجاهين إلى نهب منظم، إذ تكون تكلفة الجرار 200000 ليرة سورية (بلغت أجور سيارة جارينك قادمة من الشمال 225000 ليرة سورية، علمًا بأن حمولتها 3 طن).

إضافة الى النهب العيني الذي يمارسه شبيحة الحواجز، إذ يندر أن تمر ناقلة من دون أن يسرقوا منها ليبيعوها لاحقًا في سوق خضار السقيلبية أو سلحب أو عين الكروم أو مرداش أو الحورات، وغيرها، وينعكس هذا النهب غير المعقول على المواطن في المنطقة سواء كان في مناطق المعارضة أم مناطق النظام، إذ تضاف هذه الرسوم إلى سعر البضاعة المنقولة.

هذه الطريق هي معبر للموظفين الذين يتقاضون رواتب من الدولة ويقطنون في محافظة إدلب والغاب الشمالي ويأتون لقبض رواتبهم من السقيلبية، وقد أصبحوا موضع ابتزاز ونهب، وبخاصة في أول كل شهر، إذ إن كل موظف يدفع ذهابًا وإيابًا أكتر من 10000 ليرة سورية، بينما كانت أجرة الراكب العادي قبل 2011 بين القلعة والسقيلبية بضع ليرات سورية أي إنها ارتفعت ألف مرة. وإذا كان الراكب غريبًا عن المنطقة أو المحافظة ضوعفت الأجرة.

إن عمليات النهب المنظم أساءت إلى كل مواطن في المنطقة، إضافة إلى الإهانة والإذلال ولا سيما للنساء. وتمارس السلطة الاعتقالات التعسفية على هذه الطريق لأتفه الأسباب. وقد أدت هذه الحواجز إلى قطع التواصل الاجتماعي والاقتصادي بين الناس، وأثرت في المنطقة -وخصوصًا مدينة السقيلبية- تأثيرًا سلبيًا، إضافة إلى زعزعة العلاقات الاجتماعية المتينة التي كانت تسود سهل الغاب، ومنعت المبادرات الإيجابية لحل المشكلات التي تحدث في المنطقة، بمثل إطلاق القذائف والصواريخ التي كان تحل بتدخل العقلاء من الجهات كلها، إضافة إلى تكريس الاحتقان الطائفي الذي يقوده جيش ألكتروني مدرب ومنظم على الإنترنت الذي يبث الشائعات ويسيء إلى الجوار بالشتائم الدينية، وتأجيج الخلافات الطائفية، على الرغم من أن المنطقة لم تعهد أي خلاف طائفي على مدى أجيال كثيرة.

هذا هو واقع الطريق التي تمارس فيها ومن خلالها أمور غير قانونية من قطع التواصل، والنهب المنظم، واعتقال الناس وإهانتهم، وبخاصة النساء، ولذلك أسميها الطريق الخرافية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق