تحقيقات وتقارير سياسية

مخرج (آخر الرجال في حلب): وثقنا الجريمة في سورية

شاهدنا، خلال سنوات الثورة السوريّة، عشرات الأمثلة من النجاحات التي حقّقها السوريّون، داخل الوطن وخارجه، وربّما لعب الحجم الهائل للمأساة الإنسانيّة الّتي عاناها السوريون دورًا في الكشف عن المواهب الكامنة فيهم، ومن النجاحات التي تركت أثرًا كبيرًا مؤخرًا، فيلم (آخر الرجال في حلب)، للمخرج السوري فراس فيّاض، ويتناول ما قام به رجال الدفاع المدني “الخوذ البيضاء” في حلب من أعمال بطوليّة وصمود استثنائي، في ظروف من الصعب إيجاد كلمات تعطيها حقّها، في سنتين كاملتين، من قصف الطائرات الروسيّة والسوريّة.

يُركّز الفيلم على الجانب الإنساني، من حياة أفراد رجال الدفاع المدني في ظل الحرب، بطريقة بسيطة وعفوية دون التعرّض للجانب السياسي. حقّق الفيلم نجاحًا باهرًا ونال 16 جائزة حتى الآن، أهمها جائزة (ساندانس) في الولايات المتحدة، وهو أهم مهرجان سينمائي للأفلام المستقلة والوثائقية، وقال أعضاء لجنة التحكيم عن الفيلم: “إنّه فيلم استثنائي لا يشبه أي فيلم آخر، رفعَنا وحلّق بنا ثمّ أسقطنا في المكان، عمل متكامل من الفن والقوّة والإنجاز السينمائي، ورواية مقنعة عن أبطال يكشفون في ظل ظروف مستحيلة تزداد استحالتها يوميًا، عن المزيد من الرحمة والإنسانية والشجاعة غير الاعتيادية. هذا العمل الصلب يمزج بين التزام من قاموا فيه بالجرأة، وبين بسالة الآباء والإخوة والأصدقاء الّذين تشكّل سوريّة أولويّتهم”.

اعتقلت قوات النظام مخرجَ العمل فراس فيّاض، مرتين خلال سنوات الثورة، تعرض فيهما للتعذيب الشديد، وحينما خرج من المعتقل كان لديه هدف واحد: نقل معاناة السوريين إلى العالم، وكشف حقيقة ما يجري. يقول فياض، في حديثه لـ (جيرون): “علاقتي مع الثورة هي حاجة ورغبة في التغير، ووعي بمحيطي والقضايا التي أومن بها أو أنكرها، الثورة بالنسبة لي إنكار أكثر منها موافقة، اختلاف وتضامن صداقة وأخوة، تحولت فيها من شخص ميّال للانعزال خائف مهزوز ومهزوم من دون هوية ووجه وتفاصيل وصوت وبوصلة وعلاقات وثقة وأصدقاء، إلى شخص مغامر تملؤني الرغبة بالاختلاط بالمجتمع للبحث عن الإنسان في محيط ميكافيلي بالمطلق، يختلط فيه الخير بالشر، هذا البحث عن الإنسان المؤمن بالعدالة مختلف عن الوعي الحذر الذي ورثته عن والدي الناتج عن الظلم والخوف والتخفي، باختصار، والدي الكاتب الذي لم ينشر أيًا من كتاباته المسرحية أو التحليلية أحرق ودفن كل ما كتب، بينما أنا استطعت أن أُصوّر وأنشر ما صوّرت، لم أخف أو أستر أو أحرق ما فعلت، وإنما قررت المجاهرة بكل ما صورته أو صنعته”.

وعن سر نجاح فيلم (آخر الرجال في حلب)، قال: “سأنقل ما قاله لي أحد المتفرجين، وهو كاتب يعيش في نيويورك، كان قد شاهد الفيلم في مهرجان (ساندانس). قال: هذا الفيلم جعلني أشعر بحجم العار ونبّهني إلى مسؤوليتي -إنسانًا-، وألا أكتب كتابًا عن تسلق الجبال، في وقت نرى فيها حجم بشاعتنا وإنكارنا لواجبنا الإنساني تجاه بَعضنا. أتمنى أن يكون قد كتب كتابًا عما قاله، فهو سرّ هذه الحكاية. وقصة أخرى: في أحد عروض الفيلم تقدم مني رجل ضخم جدًا، حجم كف يده بحجم كفَّي يديّ الاثنتين، وعرّف عن نفسه بأنّه كان جنديًا في الجيش الأميركي في العراق وأفغانستان والصومال، وقال لي: أنا قاتل هؤلاء الأطفال، أنا من تسبب بقتلهم ثم بدأ بالبكاء، كيف يمكنني أن أُكفّر عن ذنبي في تسببي بقتل هؤلاء الأطفال، مشيرًا إلى التورّط الأميركي في زيادة حجم الكوارث في مناطق الصراع”.

وعن الصعوبات والمخاطر الّتي صادفت فريق العمل، خلال تصوير الفيلم فيما كانت مدينة حلب تتعرض لقصف عنيف أثناء التصوير، قال فياض: “سأنقل ثلاث قصص مختلفة تروي كيف صُوّر هذا الفيلم ومخاطر التصوير:

الأولى: أثناء تصورينا، في بدايات عام 2013 مع المتطوعين في الدفاع المدني، سقط برميل قرب مكان التصوير، قذفنا بضع أمتار، وعندما عدت إلى وعيي فتحت عينيّ، ونظرت حولي كان غبارًا كثيفًا يحيط بي بشكل كامل، لم أستطع حتى أن أُدرك مكاني، ظننت أنّني ميت وأن روحي تحلق في فضاء ما، وضعت إصبعي بعيني وصرخت من الألم وعرفت وقتها أنني ما زلت حيًا.

الثانية: طلبت من المصور ثائر محمد تتبع محمود (الشخصية الرئيسية في الفيلم)، لكني لم أكن أعرف انه سيذهب إلى مكان قد يعرّض حياته للخطر، عندما شاهدت المواد المصورة عرفت أن مكان عملية الإنقاذ التي يقوم بها محمود استُهدف بصاروخ حراري، تركت المشهد كما هو كوثيقة عن جريمة كاملة التوصيف (استهداف عامل بالشأن الإنساني ومصور صحفي يُعدّ جريمة حرب)، لكن هذا المشهد يُرينا معنى الأخوّة والحرص والمسؤوليّة والرغبة في الاستمرار بإنقاذ الناس على الرغم من المخاطر، إنّه معنى حب الحياة وتحدّي الموت.

الثالثة: تعرّض مدير الإضاءة والتصوير فادي الحلبي والمخرج المنفذ حسن قطان لمحاولة اختطاف، بسبب تصويرهم لمظاهرة، لكنهم أصروا على التحدي في مواجهة القمع، حتّى لو كان من طرف مجموعات مقاتلة تقدم نفسها تحت اسم الثورة. هذا الفيلم علّمنا أن نتكاتف كفريق في مواجهة الموت، وفِي صراعنا لأجل العدالة والحرية، وإيصال حقيقة ما يجري في سورية للعالم الذي يحاول حصر القضية السورية بـ (داعش) أو اللاجئين، نحن ذهبنا إلى معنى حب الحياة قي مواجهة الموت والتهجير والتطرف”.

وعن سر نجاح “القبعات البيضاء” وشهرتهم حول العالم مؤخرًا، واعتبارهم رمزًا للأعمال الإنسانية والبطولية، قال فيّاض: “إنهم يستحقون هذه السمعة الطيبة، ومع كل نجاح يحققونه يذكّروننا -السوريين- بحجم المخاطر التي تحيط بهم وبنا جميعًا، ومن خلال علاقتي مع رائد صالح مدير الدفاع المدني الذي كان مُلهمي لتصوير فيلم (آخر الرجال في حلب) اكتشفت معنى المثابرة وتحدّي الموت، كان خالد حرح ورائد صالح ومحمود حتر وصبحي الحسين أو نجيب، يركضون إلى مكان القصف حيث يهرب الناس، كانوا يركضون كعدّائين باتّجاه منطقة القصف، وكأنّهم يسابقون الموت في تحدّي لكل آلات القتل الروسية والنظام السوري، وما يقوم به هؤلاء المتطوعين يُعدّ رمزًا للقيم الإنسانية في كثير من الأمثلة، وهم نافذة للأمل لكثير من أبناء بلدهم، كما أنهم مجهر يُرينا بشاعة هذه الحرب وحجم الخراب الذي يحيط بنا، فظاعة الجريمة والعار الإنساني الذي سيلاحق هذا العالم للأبد”.

وعن تحقيق الفيلم الأهداف المرجوة منه، كنقل حقيقة الثورة السورية وحجم المعاناة التي يعيشها السوريون، ومستوى تفاعل الجمهور معه حول العالم، قال: “إنّها عمليّة طويلة وتشاركية مع منظمات تعمل في مجال العدالة وحقوق الإنسان، خطة الفيلم أن يُعرض في البرلمانات الأوروبية، وأمام الأحزاب الحاكمة، وصانعي القرارات والمهيمنين عليها. حاولت مع زملائي، من مركز حلب الإعلامي ومن خلال شخصيات الفيلم، روايةَ قصة عن الجريمة البشعة التي كنّا شاهدين عليها، ورغبتنا في مشاركة هذه الشهادة مع الآخرين بهدف صنع تغيير ما”.

وعن الجوائز الّتي حصل عليها حتّى الآن، والمهرجانات الّتي من المتوقع أن يشارك فيها الفيلم، أوضح المخرج: “حصلنا على 16 جائزة حتى الآن، وما زال الفيلم مشاركًا في أكثر من مهرجان في جنوب أفريقيا، سكوتلاند، فرنسا، استراليا، نيوزيلاندا، اليابان، كوريا، ودبي، وهو متاح للجماهير في الولايات المتحدة”.

وعن المشروعات المستقبلية قال: “لديّ مشروعات بالتأكيد، ولكنّني الآن مرتبط بهذا الفيلم، فهو يحتاج إلى كثيرٍ من العمل ولن ينتهي خلال فترة قصيرة، بجانب إخراجي لـ (آخر الرجال في حلب) قمت بإنتاج فيلم قصير، بالتعاون مع مركز حلب الإعلامي، بعنوان (يوم في حلب)، من إخراج علي الإبراهيم، سيكون وثيقة إضافية تدعم العدالة في سورية أيضًا. وفي النهاية أريد أن أشير إلى أهمية العمل الجماعي، لولا جهود زميلي المخرج المنفذ حسن قطان والمنتج كريم عبيد ومدير الإضاءة والتصوير فادي الحلبي والمصورين ثائر محمد، مجاهد أبو الجود ومنسق الإنتاج خالد الخطيب ومساعد الإنتاج خالد الخطيب، ما كان -ولن يكون- هناك فيلم، وبفضل موافقة كل من محمود وأحمد حتر وصبحي وشحود الحسين ونجيب ومحمود العلي وخالد حرح، لمشاركة قصصهم للناس، استطعنا نقل وحفظ وتوثيق قَصة ما شاهدوه وما شهدوا عليه، على الرغم من أنه جزء بسيط من واقع الجريمة التي ترتكب في سورية”.

يشار إلى أن (آخر الرجال في حلب)، هو فيلم يصور تناقضات الواقع الذي يعيشه أبطال الدفاع المدني بين صراعهم مع الموت وحبهم للحياة، في ظل حرب لم يختاروها، لكنهم اختاروا مواجهتها ببسالة، ولم ينقل الفيلم الواقع المأسوي الذي عاشته مدينة حلب في ظل الحرب المدمرة التي تعرضت لها فحسب، بل قدّم وثيقة حية تدين المجرمين وتدعم العدالة في سورية”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق