هموم ثقافية

بين لغة العنف وعنف اللغة

  • (لسنا ننشد عالمًا لا يقتل فيه أحد، بل عالمًا لا يمكن فيه تبرير القتل)

هذا ما قاله الأديب الجزائري الفرنسي “ألبير كامو” الذي عايش ظروفَ حرب وعنف ودمار في بلده قبل بضعة عقود، تشبه، من بعيد، ما نعيش فيه نحن اليوم، وما زالت مقولته راهنة. وإذ كنا لا نحتاج نحن -السوريين- أن نكتب عن العنف والقهر والإكراه والموت والحرب، فنحن نعيشها حقيقة واقعة، ونتجرع سمها ومرارتها كل يوم. وحري بنا نفيها ونسيانها كثقافة للموت، وأن نكتب عن الحب وثقافة الحياة؛ إذا كان لنا ثمة أمل في المستقبل. ومع ذلك لا بد أن نضيف إلى قهرنا وتخلفنا ما هو أصعب منه، أن نضيف إليه وعي القهر والتخلف حتى لا تتقمص الضحية قميص الجلاد، وينتحل المظلوم لغة الظالم، فنستمر في الدوران في حلقة العنف المفرغة.

تطبع الحرب كل شيء بطابعها، وتطغى رائحة الموت ولونه على كل الروائح والألوان، وتضطرب المشاعر، فيصير الكلام فحيحًا مسمومًا، وتنحل الكلمة في الصرخة. والصرخة لغة محبوسة في النوايا، فيض من كلمات قيلت كلها دفعة واحدة، ولم يكف نَفَس الشهيق الأخير لإخراجها لغة فصيحة، ارتباك في ترتيب الشعور، ونزع للزمن من جلد الفعل، وحنين ملتبس إلى نَفَس البداية؛ تصير معه اللغة مسرحًا للعنف، والعنف وحده من يتكلم. تِلكُم هي لغة العنف، لغة الانفعالات المدفوعة إلى الحد الأقصى، في الغضب أو الألم أو الحزن، وحتى الفرح، مشفوعة باعتلال في النفس وفي النَفَس، كونه الجهاز العضوي المسؤول عن زفر الكلام. وكأن اللغة هنا هي التي تتكلمنا ولسنا نحن من نتكلمها. ألا نقرأ في أشعار الحرب وأغاني الحماسة، وصرخات الجنود والثوار وهيجانهم، وخطبهم وشعاراتهم، وأسماء الفصائل والكتائب والرايات، وألقاب القادة؛ لغة تستبطن الموت وتضمر العنف وتحث على تدمير الآخر؟ أليس في قتل الآخر قتل للذات، وتشيء للإنسان، وقتل للإنسانية في داخلنا في الوقت نفسه؟ وفي تبريره امتهان لكرامة الإنسان ونزع لقيمته الإنسانية، مهما كانت الأسباب والدوافع؟

اللغة -كما الاجتماع- صفة في الإنسان دون غيره، وخاصيته المميزة، وحصيلة رحلته الطويلة من التوحش والعزلة نحو التآنس والتآلف والاجتماع، وتعبير عن حاجته للآخر، وإدراك لصورة الذات في مراياه. فليس ثمة معنى للحديث عن اللغة إذا لم نضمر الحديث عن الإنسان وعالم الإنسان. فاللغة من حيث كونها نظامًا معقدًا من الإشارات والرموز والأصوات التواصلية، تقتصر على الكائنات المفكرة، كائنات النطق والكلام. وهي ذلك العالم الرمزي للإنسان، عالم وحشته وألفته في آن. فلكل متكلم متلقٍ ولكل كاتب قارئ واقعي أو متخيل. ولكل رسالة مُرسِل ومُرسَل إليه يشتركان في صنع المعنى؛ ما يعني أن اللغة تستلزم –وجوبًا- وجود الآخر باعتبار نشأتها ضرورة لحاجة التعبير عن المشاعر، قبل أن تكون نظامًا عقليًا للتعبير عن الحاجات والأشياء. و”أولى اللغات كانت شعرًا “حسب جان جاك روسو. فالجملة كمصفوفة من الكلام المتسق في منظومة ذات معنى، وعلى الرغم من اختصارها جزءًا من المضمر في نفس المتكلم، توصل أكثر مما تحمل كلماتها من المعنى إلى ذهن المتلقي، عبر احتمالات تأويلها المتعلقة بالحالة الاجتماعية والسيكولوجية والثقافية للفرد، ونوع العلاقة بين المتكلم والمتلقي في زمن الكلام، سواء أكان القصد فيها صريحًا جليًا أم رمزيًا مضمرًا. ولعل ما يكمل تواضع المتكلم والسامع واشتراكهما في صنع المعنى هو حجم المشترك بين الأنا والآخر في الحيز الثقافي العام، مع جملة الإيحاءات الرمزية والإشارية في هيئة المتكلم، في الخطابة الشفهية المباشرة، أو المقابلة وجهًا لوجه، والتي يعيض عنها نظام الكتابة وتقنياته في النص. ومع ذلك ثمة عنف في اللغة، تختلف درجته بين لغة وأخرى، تبعًا للحالة الثقافية، والسوية الحضارية لكل مجتمع. لأن روح الوحش ما زالت ثاوية في القاع العميق للكائن البشري، منذ اغترابه الأول، وعلة قابليته للنكوص نحو البدائية ممكنة، كلما ازداد هذا الاغتراب وتنوعت أشكاله. والعنف أحد أشكال النكوص، والفيزيائي منه هو حالته القصوى. فالعنف نوعان: عنف فيزيائي يكون بإلحاق الضرر بالآخرين جسديًا وماديًا وعضويًا، و”عنف رمزي” مهذب، يكون بواسطة اللغة، والهيمنة، والأيديولوجيات السائدة، والأفكار المتداولة. ويكون -أيضًا- عن طريق السب، والقذف، والشتم، والدين، والإعلام، والعنف الذهني؛ لذا، يعرفه بيير بورديو بقوله: “العنف الرمزي هو عبارة عن عنف لطيف وعذب، وغير محسوس، وهو غير مرئي بالنسبة لضحاياه أنفسهم” وهو عنف يمارس عبر الطرائق والوسائل الرمزية الخالصة؛ أي عبر التواصل وتلقين المعرفة، وطرق ومناهج التعليم والمرويّات التاريخية وسير القادة والأبطال. ولهذا النوع من العنف أثر تدميري أوسع وأطول مدى من العنف الفيزيائي على الفرد والمجتمع. مما يبقي سؤال “بول ريكور” راهنًا: “كيف يتمفصل العنف والكلام كحدين طرفين في علاقة واحدة”؟ وكيف تتحول اللغة من شرط للتآنس والاجتماع، إلى باعث للشقاق ومحرض على العنف، بعد أن كانت أحد أوجه التعبير عن التجمع والهوية؟

تحمل اللغات صفات المتكلمين بها، فتتطور بتطورهم، وتغتني بتجاربهم وانفتاحهم على ثقافات الآخرين، وتنغلق وتتحجر بتفاصلهم وانغلاق أنساقهم الفكرية، فتتوثن كلماتها وتصبح نوعًا من عبادة الأسلاف؛ فتغدو كل حرية فوضى وكل إبداع بدعة مستنكرة، وكل بدعة ضلال، وكل ضلالة في النار. وكل تجمع عصبة، وكل عصبة عصابة، وكل اختلاف مخالفة وكل معارضة تمرد، وكل تمرد خيانة، وكل خيانة ردة، وكل ردة تستوجب القتل.  ذلكم هو لسان حال الاستبداد ونفي الحرية، بمعتقديه السياسي والديني. وذلكم هو التعصب ونفي أو تدمير الأخر المختلف، وذلكم هو الإرهاب الفكري، والإرهاب هو الحالة القصوى للعنف الذي لا يقوم على تدمير الآخر الذي كان شرطًا لوجود اللغة فحسب، بل على تدمير الذات والآخر معًا. وتلكم هي لغة العنف. لغة خطاب الكثيرين من السوريين اليوم، ولغة إعلامهم، في عصر تنافس فيه الصورة الكلمة. لغة تبرير القتل وشرعنة القوة والعنف، بمحاولة عقلنته وإعطائه بعدًا أخلاقيًا، لتبرير فعل الذات وإدانة الآخر وتبرير التسلط وشرعنة السلطة، تلكم هي ثقافة الموت. فهل لنا أمل في الانفلات من دوامة العنف، وإنتاج ثقافة لا”تقتل” ولا تحض على الموت وتبرر القتل؟

مقالات ذات صلة

إغلاق