تحقيقات وتقارير سياسية

الرقة تنتظر اليوم التالي

يبدو الفارق واسعًا بين معركة الرقة في الإعلام والمعركة العسكرية الجارية على الأرض. صور المبالغة تبدأ من آخر بيانات ميليشيا (قوات سورية الديمقراطية)، البيان الذي صدر يوم الثلاثاء 6 حزيران/ يونيو، وصف المعركة بـ “التاريخية” و”المعركة الكبرى لتحرير الرقة”، في حين أن موازين القوى العسكرية فرضت نفسها منذ أعلن التحالف الدولي ضد تنظيم (داعش) بدء “عملية العزم الصلب”، في خريف العام 2014، وقد تبيّن أن (داعش) لم يكن -موضوعيًا- سوى أداة لإفراغ المناطق التي خضعت لسيطرته من قواها الحية واستنزاف قوى الثورة؛ ومن ثم إعادة تسليم هذه المناطق إلى أطراف تخدم أجندات خاصة، وتتقاطع مع مشروعات إقليمية ودولية. هذا يلخص دور (داعش) في البيئات العربية السنية في حلب والرقة ودير الزور والحسكة حتى الآن.

إلا أن ما يقلق سكان هذه المناطق، بعد كل ما قاسوه خلال ثلاثة سنوات ونصف من إرهاب واستبداد هذا التنظيم، هو اليوم التالي لنهايته. فالمؤشرات تدل على أن نهايته ستكون بدايةً لصراعات أخرى بصور وعناوين مختلفة، ربما يكون أبرزها نزاع قومي عربي-كردي، إذ يمضي الأكراد في مشروع قومي، يبدو أنه ينال تفهمًا ومساندة من أطراف دولية عدة، فيما يرى سكان الجزيرة السورية العرب أن وحدة سورية مسألةٌ لا نقاش فيها.

واليوم يجري القتال على أسوار مدينة الرقة، وتبدو المعركة محسومة عسكريًا، وبسهولة نسبية، خاصة بعد تسرب معظم مقاتلي التنظيم وقادته نحو مناطق البادية، وبقاء بضع مئات فقط من مقاتلي (داعش) داخلها، معظمهم من المراهقين ضعيفي الخبرة. وكان الناطق باسم البنتاغون، العقيد جون دوريان، قد وضح في مطلع حزيران/يونيو أن (قسد) تتلقى تغطية بالطيران الحربي والمدفعية، كما أن مستشارين عسكريين أميركيين يديرون المعارك، إضافة إلى المعلومات الاستخبارية التي يوفرنها، ومع ذلك فقد ربط “السرعة في تحرير الرقة” بما تقرره (قسد)، مُعللًا ذلك بأن التحالف يعمل “عبر شركائه على الأرض”. وهذا يعني أنّ سرعة “تحرير” الرقة لا تتعلق بالشأن العسكري، بل بما تريده (قسد) من إطالة عمر المعركة.

يتفق معظم المراقبين والناشطين المحليين المتتبعين لشأن الرقة في أن “معركة الرقة استثمار طويل الأمد للأكراد، لن ينتهي بانتهاء (داعش) تنظيميًا”. ويرجحون أن تستمر صيغة من (داعش) بلعب دورٍ ما يحتاجه الأكراد. كما يرجحون أن تدخل التشكيلات الـ 16 المذكورة في بيان (قسد) الأخير -بوصفها فصائل مقاتلة مشاركة في معركة “تحرير” الرقة- في دور تحلل، حال انتهاء دورها في التغطية على البنية الحقيقية لـ (قسد) وأجندتها السياسية، وهي أصلًا -ولا سيّما الفصائل العربية منها- مجموعاتٌ هشة التكوين سياسيًا وعسكريًا. وإطالة أمد المعركة يمكن أن يجده المرء في حجم التغير الديمغرافي الحاصل على الأرض، وفي حجم الخسائر البشرية بين المدنيين، وحجم الدمار في العمران والبنى التحتية، وربما في حجم عمليات السلب والنهب المتوقعة، أثناء -وبعد- انتهاء عملية اقتحام الرقة.

تُشير إحصاءات أجراها ناشطون محليون إلى أن الرقة والطبقة وريفيهما قد تعرضت لـ 180 غارة خلال شهر أيار/ مايو الماضي وحده، وأن عمليات القصف الجوي من طيران التحالف والقصف المدفعي من “وحدات حماية الشعب” الكردية قد أوقعت 653 شهيدًا مدنيًا، منذ 15 آذار/ مارس الماضي، وُثقت أسماؤهم وتفاصيل استشهادهم، وأن هذا العدد لا يمثل سوى جزء من حجم الخسائر البشرية في هذه الفترة، في حين يصعب إحصاء وتوثيق العدد الكلي للشهداء، نظرًا لاستحالة ذلك في ظل الظروف الحالية من تقطع سبل الاتصال والتواصل والتنقل والشتات الذي أصاب الأسر والتجمعات البشرية المحلية في المحافظة كلها. يُضاف إليه الدمار الهائل الذي أخرج كل المشافي العامة والخاصة من الخدمة كما دمر معظم المباني الطابقية داخل مدينة الرقة ومركزي البريد وكل الجسور، إضافة إلى آلاف الدور السكنية الخاصة.

هذا التدمير المنهجي، لبنى المجتمع البشرية ومقوماته المادية والعمرانية، يبدو مقدمة لإعادة صياغة المنطقة برمتها وفق تصور جديد، فالمعركة ليست مجرد قتال للتخلص من جماعة إرهابية، والأرجح أنها توسل هذه الجماعة الإرهابية لخلق واقع جديد يصعب النكوص عنه في ما بعد. التصور الأقرب للتحقق يروجه بعضٌ ممن يملكون علاقات تواصل مع الفريق الديبلوماسي الأميركي في تركيا، حيث يروج لتحول المنطقة إلى دائرة نفوذ أميركي، أداته الأكراد. لكن سلوك الأكراد يبدو أكثر طموحًا، فتشكيل مجالس محلية للبلدات والمدن التي يسيطرون عليها يشير إلى رؤية تلحظ خروجًا أميركيًا في المدى المتوسط، وتاليًا، ترى وجوب خلق وقائع سياسية وعسكرية وتحالفات أهلية تخدم إلى مدى أبعد.

تعريف: التدمير المنهجي، لبنى المجتمع البشرية ومقوماته المادية والعمرانية في الرقة، يبدو مقدمة لإعادة صياغة المنطقة برمتها وفق تصور جديد، فالمعركة ليست مجرد قتال للتخلص من جماعة إرهابية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق