تحقيقات وتقارير سياسية

ماذا يجري داخل (حماس)؟

شهدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في الشهور الأخيرة، مراجعات عقائدية وسياسية، وتغيرات هيكلية عميقة، يتوقع أن تؤدي إلى إعادة تموضع وتغيير في العلاقات الإقليمية، بما فيها تحسين علاقاتها مع إيران و”حزب الله” اللبناني.

 وذكرت مصادر عديدة أن حوارًا بين الحركة والحزب جرى مؤخرًا وعالج المسائل التي سببت تجميد العلاقات بين الأطراف الثلاثة منذ ستة أعوام، وخاصة الموقف من الثورة السورية. وكشفت أن الطرفين توصّلا إلى تفاهمٍ على استئناف تعاونهما؛ الأمر الذي مهّد لإعادة العلاقات مع إيران أيضًا.

يأتي هذا التطور مطابقًا لتوقعات المراقبين، بعد انتخابات حماس الداخلية، في شباط/ فبراير الماضي، وقد أحدثت تغييرات هيكلية، وصعود قيادة جديدة، وتبني مقاربات مختلفة لبعض الملفات الإقليمية، وخاصة رؤية سياسية جديدة للصراع مع العدو تضمنتها (وثيقة المبادئ والسياسات) التي استغرق إعدادها وإقرارها عامين، كما قال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي السابق، وأعلنتها في مطلع أيار/ مايو السابق، وأهم ما فيها حذف الفقرة التي تدعو لتدمير “إسرائيل” والقبول بدولة فلسطينية على جزء من فلسطين التاريخية، والقبول بالحوار مع العدو بشكل غير مباشر.

ومن المقاربات الجديدة، إعادة إحياء العلاقات مع “حزب الله” وإيران لأسباب استراتيجية واقتصادية، وتطبيع العلاقات مع نظام مصر الحالي استجابة لحاجات الواقع الغزاوي.

ويرى الخبراء أن التغيرات تعكس رجحان كفة الجناح العسكري الذي جسّده وصول يحيى السنوار إلى قيادة القطاع، بدلًا من إسماعيل هنية، ووصول هنية إلى رئاسة المكتب السياسي خلفًا لمشعل. وتشير المعلومات إلى أن قرار إحياء الصلات مع إيران و”حزب الله” بدأ بعد الانتخابات، وظهرت نتائجه فورًا بمشاركة الحركة في (مؤتمر دعم المقاومة) الذي نظمته طهران، في منتصف شباط/ فبراير. وكشفت صحيفة (القدس العربي) أن الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس اجتمع بالوفود الفلسطينية، ودعاها إلى وضع استراتيجية مقاومة ضد العدو الإسرائيلي وعرضها عليهم لدعمها.

الجدير بالذكر أن العلاقات بين (حماس) وإيران و”حزب الله” تأرجحت بين مرحلتين:

الأولى: مرحلة تحالف استمر عقدين، بلغ ذروته بعد فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية العامة في غزة عام 2006، وقدرتها على مواجهة العدوان الإسرائيلي عام 2008 وبروزها قوةً كبرى، وتموضعها في (محور الممانعة) الذي يضم سورية أيضًا، وانتقال قيادتها للإقامة في دمشق.

الثانية: مرحلة التوتر والجمود التي أعقبت ثورات “الربيع العربي”، نتيجة تناقض المواقف من الثورة السورية 2011 تحديدًا؛ إذ ساندت (حماس) الثورات بقوة، بينما استثنت أطراف “الممانعة” الثلاثة ثورة الشعب السوري من تأييدها، وعدّتها “مؤامرة” على المحور كله! وضغطت إيران و”حزب الله” على (حماس) فأوقفا معوناتهما العسكرية والمالية لها، وحاول نظام دمشق ابتزاز قيادتها، فطلب من مشعل إدانة المؤامرة وتأييده، ثم طالبه بالرد على الشيخ يوسف القرضاوي الذي هاجم الأسد وأجهزته التي تقتل المواطنين، وانتقد الدور الإيراني في سورية والمنطقة، ولكن مشعل رفض؛ ونقل مقر قيادة (حماس) خارج سورية، فقامت الاستخبارات بمهاجمة مكاتبها، واغتالت كمال غناجة مدير مكتبها العسكري، ولم تعلن مسؤوليتها، ولكنها اتهمته بنقل الأموال من السلطات القطرية إلى الحراك الثوري في دمشق!

في تلك الفترة 2011 – 2012 اختلفت المحاور العربية-الإقليمية، بتأثير الربيع العربي، وبرز محور مؤيد يضم مصر وتونس وقطر والسعودية وتركيا، وجدت (حماس) فيه سندًا وواقيًا من ضغوط محور الممانعة يوفر لها دعمًا بديلًا. وفي احتفال (حماس) بذكرى تأسيسها في نهاية 2011، ألقى مشعل خطابًا في جماهير غزة ملوحًا بعلم الثورة السورية، وسط تصفيق الغزاويين.

لم تخف الحركة المرتبطة -تنظيميًا- بجماعة “الإخوان المسلمين” المصرية وتلتزم منهجها الفكري انحيازها لثورات مصر وتونس وسورية وليبيا واليمن، وأدان قادتها قمع الشعب السوري، بما فيه الفلسطينيون، وطالبوا بتحييد المخيمات، ودعا مشعل الأسدَ للاستجابة لمطالب شعبه حفاظًا على سورية، فاتهمه بالتورط في “المؤامرة”، وخاصة حين ظهرت في مخيم اليرموك كتائب (أكناف بيت المقدس) التي تضم مقاتلين من (حماس). أما أوضح موقف فجاء على لسان موسى أبو مرزوق نائب رئيس الحركة الذي قال، في مقابلة معه: “لو تعرضت سورية لعدوان خارجي لكنّا أول من يدافع عنها، أما أن يتعرض شعبها للقتل من النظام فلا يمكننا السكوت”. وفي هذه الفترة وفد إلى غزة مئات اللاجئين السوريين عبر مصر، فاستقبلتهم حكومتها، وقدمت لهم المأوى والمساعدة. توترت علاقات (حماس) بحلفائها السابقين؛ بسبب هذه المواقف وتجمدت واستمرت على هذا الحال حتى وقع عدوان “إسرائيل” على غزة عام 2014؛ فبادرت إيران بالاتصال، كما دعا حسن نصر الله لإعادة التعاون بين الطرفين ضد “إسرائيل” واحترام كل منهما لمواقف الآخر، في ما يتعلق بالربيع العربي، وخاصة الوضع السوري.

 جاء موقف الطرفين الشيعيين اللذين فقدا مكانتهما في الساحة العربية ليعكس حاجتهما الماسة إلى العلاقة مع حماس، لأنها ترمز لمقاومة “إسرائيل”، ولكونها حركة سنية سلفية تمثل جماعة الإخوان، أعرق الحركات السنية في العالم العربي.

تجاوبت (حماس) تحت ضغط الظروف العربية التي انقلبت لغير صالحها. ففي مصر انقلب العسكر على ثورة يناير، وأسقطوا الرئيس مرسي، وتبنوا خطًا معاديًا لحماس والإخوان وثورات الربيع العربي، وخسرت “حركة النهضة” التونسية الحكم، واتخذت السعودية ودول أخرى مواقف معادية للإسلاميين، وتقلصت المعونات المالية للحركة. وبتأثير هذه التحولات القاسية برزت داخل (حماس) ثلاثة اتجاهات:

– القيادة السياسية في الخارج ممثلةً بمشعل، وأبي مرزوق، وأسامة حمدان، تبنت خطًا ثوريًا مؤيدًا للربيع العربي، ومناهضًا لإيران و”حزب الله”، وأيدت “عاصفة الحزم” في اليمن، وأدانت اعتداء الإيرانيين على السفارة السعودية في طهران.

– قيادة الجناح العسكري في الداخل وبعض القياديين السياسيين، يتقدمهم محمود الزهار تبنت موقفًا يرفض التورط في الشؤون العربية الداخلية، وتكرار تجارب “منظمة التحرير” سابقًا في لبنان والكويت والعراق، وتحييد العلاقة مع إيران و”حزب الله”، للحصول على الدعم المادي والعسكري.

– قيادة غزة ممثلة بجناح إسماعيل هنية وعبد العزيز الدويك وأحمد بحر الذين يتحملون مسؤولية شؤون المواطنين، وهم في أمسّ الحاجة إلى المعونات المالية، ولكنهم في الوقت نفسه يتبنون موقفًا عقائديًا “إخوانيًا” لا لبس فيه، ولذلك تبنوا خطًا وسطيًا، لا يرفض التعاون مع إيران والحزب، ويسعى لمهادنة نظام السيسي في مصر.

عكست انتخابات (حماس) الأخيرة هذه الاتجاهات بطريقة هادئة؛ فظهرت التحولات التالية:

– أولا: اتخذت قرار قطع الصلة التنظيمية بجماعة الإخوان المصرية، استجابة لشرط القاهرة، ورغبة في تطبيع العلاقات معها.

– ثانيا: تبنت سياسة واقعية على الصعيد الفلسطيني، لا ترفض قيام دولة فلسطينية في حدود 1967، لامتصاص الضغوط الدولية.

– ثالثا: وافقت على إعادة العلاقات مع إيران والحزب، من دون الموافقة على سلوكهما في الدول العربية، ومن دون القطيعة مع الأطراف العربية المناهضة لإيران.

– رابعا: تغييرات جذرية في قيادة الحركة العليا؛ أدت إلى خروج مشعل، وانتخاب هنية خلفًا له، وانتخاب يحيى السنوار رئيسًا لقيادة غزة، وهو من صقور الجناح العسكري.

ويرى المحللون أن النتائج ترجمت مجموعة أزمات ومآزق، تواجهها الحركة:

– تفوق الجناح العسكري على الجناح السياسي، وقوة الداخل على الخارج، والحاجة الماسة لمعالجات واقعية، وتخفيف المواقف الأيديولوجية والعقائدية.

– إعطاء الأولوية للصراع مع العدو والحاجة إلى السلاح وبناء تحالفات خارجية على هذا الأساس، لا على أساس العقيدة والمبادئ القومية.

– تأثر الحركة وحكومة غزة بالأزمة الاقتصادية الطاحنة؛ بسبب شح المعونات العربية، وحصار مصر الخانق، وتقليص سلطة رام الله لإنفاقها؛ مما خلق أزمات معيشية مريرة.

– توقع عدوان إسرائيلي يترجم مواقف ترامب التي تساوي بين “حماس” و(حزب الله) و(داعش) في الإرهاب.

 يمكن القول إذًا إن حماس أجرت مراجعة نقدية جذرية لتجربتها وسياستها، في الداخل والخارج، وأنجزت إعادة هيكلة لمؤسساتها التنظيمية، وأعادت تموضعها الإقليمي.. إلخ. وهي بالإجمال خيارات مرة، لا حرة، تترجم مبدأ (الضرورات تبيح المحظورات)!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق